مصاحف م الكتاب الاسلامي

/ / / / / / /

دعائي لربي

قلت المدون تم بحمد الله وفضله ثم قلت: اللهم فكما ألهمت بإنشائه وأعنت على إنهائه فاجعله نافعاً في الدنيا وذخيرة صالحة في الأخرى واختم بالسعادة آجالنا وحقق بالزيادة آمالنا واقرن بالعافية غدونا وآصالنا واجعل إلى حصنك مصيرنا ومآلنا وتقبل بفضلك أعمالنا إنك مجيب الدعوات ومفيض الخيرات والحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم إلى يوم الدين اللهم لنا جميعا يا رب العالمين .وسبحان الله وبحمده عدد خلقه وزنة عرشه ورضا نفسه ومداد كلماته } أقولها ما حييت وبعد موتي والي يوم الحساب وارحم واغفر اللهم لوالديَّ ومن مات من اخوتي واهلي والمؤمنين منذ خَلَقْتَ الخلق الي يوم الحساب آمين وفرِّجِ كربي وردَّ اليَّ عافيتي وارضي عني في الدارين واعِنِّي علي أن اُنْفِقها في سبيلك يا ربي اللهم فرِّج كربي واكفني همي واكشف البأساء والضراء عني وعنا.. وردَّ إليَّ عافيتي وثبتني علي دينك الحق ولا تُزِغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب اللهم وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وتوفنا مع الأبرار وألِّفْ بين قلوبنا اجمعين.يا عزيز يا غفار ... اللهم واشفني شفاءاً لا يُغَادر سقما واعفو عني وعافني وارحمني وفرج كربي واكفني همي واعتقني مما أصابني من مكروه أنت تعلمه واعتقني من النار وقني عذاب القبر وعذاب جهنم وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال ومن المأثم والمغرم ومن غلبة الدين وقهر الرجال اللهم آمين /اللهم ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري وأحلل عُقَد لساني واغنني بك عمن سواك يارب . والحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم إلى يوم الدين آمين.

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 3 سبتمبر 2022

التحبير في علم التفسير لجلال الدين السيوطي نسخ فريق النسخ بمعهد آفاق التيسير الإلكتروني أمينة عبد اللطيف زمرد


التحبير في علم التفسير لجلال الدين السيوطي نسخ فريق النسخ بمعهد آفاق التيسير الإلكتروني أمينة عبد اللطيف زمرد 

 بسم الله الرحمن الرحيم

أحمد الله على أن خصَّني من نعمه بالمزيد ، وقرب لي من أسباب الخير ما هو على كثير من عباده بعيد ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل المديد ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المخصوص بالتأييد ، وصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ذوي الرأي السديد وسلم .

أما بعد :

فإن العلوم وإن كثر عددها ، وانتشر في الخافقين مددها ، فغايتها بحرٌ قعره لا يدرك ، ونهايتها طود شامخ لا يستطاع إلى ذروته أن يسلك ، ولهذا يُفتح لعالم بعد آخر من الأبواب ما لم يتطرق إليه من المتقدمين الأسباب .

وإن مما أهمل المتقدمون تدوينه حتى تحلى في آخر الزمان بأحسن زينة علمَ التفسير الذي هو كمصطلح الحديث فلم يدونه أحد لا في القديم ولا في الحديث ، حتى جاء شيخ الإسلام علامةُ العصر قاضي القضاة جلال الدين البلقيني فعمل فيه كتابه : " مواقع العلوم في مواقع النجوم " فنقحه وهذبه وقسم أنواعه ورتبه ، ولم يسبق إلى هذه الرتبة ، فإنه جعله نيفاً وخمسين نوعاً منقسمة إلى ستة أقسام ، وتكلم في كل نوع منها بالمتين من الكلام لكن كما قال الإمام أبو السعادات ابن الأثير في مقدمة نهايته :"إن كل مبتدئ بشيء لم يسبق إليه ، ومبتدعٍ أمراً لم يتقدم فيه عليه فإنه يكون قليلاً ثم يكثر ، وصغيراً ثم يكبر " ، فظهر لي استخراج أنواع لم أسبق إليها ، وزيادة تتمات لم يستوف الكلام عليها ، فجردت الهمة إلى وضع كتاب في هذا العلم أجمعُ فيه إن شاء الله شوارده ، وأضم إليه فوائده ، وأنظم في سلكه فرائده ، لأكون في إيجاد هذا العلم ثاني اثنين ، وواحداً في جمع الشتيتين منه كإلف أو كإلفين ، وإذا برز زهر كمامه وفاح ، وطلع بدر تمامه ولاح ، وأذن فجره بالصباح ، ونادى داعيه بالفلاح : سميته بالتحبير في علم التفسير ، ومن الله الاستمداد ، وبه التوفيق لطرق السداد ، لا رب غيره ، ولا مرجو إلا خيره ، وهذه فهرست الأنواع بعد المقدمة :

النوع الأول والثاني : المكي والمدني .

النوع الثالث والرابع : الحضري والسفري .

النوع الخامس والسادس : النهاري والليلي

النوع السابع والثامن : الصيفي والشتائي .

النوع التاسع والعاشر : الفراشي والنومي .

النوع الحادي عشر : أسباب النزول.

النوع الثاني عشر : أول ما نزل .

النوع الثالث عشر : آخر ما نزل .

النوع الرابع عشر : ما عرف وقت نزوله عاماً وشهراً ويوماً وساعة ، وإن شئت فترجمه بتاريخ النزول .

النوع الخامس عشر : ما أنزل فيه ولم ينزل على أحد من الأنبياء .

النوع السادس عشر : ما أنزل منه على الأنبياء قبل .

النوع السابع عشر : ما تكرر نزوله .

النوع الثامن عشر : ما نزل مفرقاً .

النوع التاسع عشر : ما نزل جمعاً .

النوع العشرون : كيفية النزول .

وهذه كلها متعلقة بالنزول وزوائدي منها ثمانية أنواع .

النوع الحادي والعشرون : المتواتر.

النوع الثاني والعشرون : الآحاد .

النوع الثالث والعشرون : الشاذ .

النوع الرابع والعشرون : قراءة النبي صلى الله عليه وسلم .

النوع الخامس والعشرون : الرواة والحفاظ .

النوع السادس والعشرون : كيفية التحمل.

النوع السابع والعشرون : العالي والنازل .

النوع الثامن والعشرون : المسلسل .

وهذه الأنواع زوائدي منها ثلاثة .

الثلاثون : الابتداء.

الحادي والثلاثون : الوقف .

الثاني والثلاثون : الإمالة.

الثالث والثلاثون : المد.

الرابع والثلاثون : تخفيف الهمزة .

الخامس والثلاثون :الإدغام.

السادس والثلاثون :الإخفاء.

السابع والثلاثون : الإقلاب .

الثامن والثلاثون : مخارج الحروف.

وهذه متعلقة بالأداء وزوائدي منها ثلاثة.

التاسع والثلاثون :الغريب.

الأربعون : المعرب.

الحادي والأربعون : المجاز.

الثاني والأربعون : المشترك.

الثالث والأربعون : المترادف.

الرابع والأربعون والخامس والأربعون : المحكم والمتشابه.

السادس والأربعون : المشكل .

السابع والأربعون : المجمل.

الثامن والأربعون : المبين .

التاسع والأربعون : الاستعارة.

الخمسون : التشبيه.

الحادي والخمسون والثاني والخمسون : الكناية والتعريض.

وهذه الأنواع متعلقة بالألفاظ ، وزوائدي منها خمسة :

الثالث والخمسون: العام الباقي على عمومه .

الرابع والخمسون : العام المخصوص.

الخامس والخمسون : العام الذي أريد به الخصوص.

السادس والخمسون:ما خصت فيه الكتابُ السنةَ

السابع والخمسون : ما خصت فيه السنة الكتاب .

الثامن والخمسون : المؤول.

التاسع والخمسون : المفهوم.

الستون والحادي و الستون :المطلق والمقيد.

الثاني و الستون والثالث و الستون: الناسخ والمنسوخ.

الرابع و الستون : ما عمل به واحد ثم نسخ .

الخامس و الستون : ما كان واجباً على واحد.

وهذه متعلقة بالمعاني المتعلقة بالأحكام وفيها من زوائدي واحد .

السادس و الستون والسابع و الستون والثامن و الستون : الإيجاز والإطناب والمساواة.

التاسع و الستون : الأشباه.

السبعون والحادي والسبعون : الفصل والوصل.

الثاني والسبعون : القصر.

الثالث والسبعون : الإحتباك.

الرابع والسبعون : القول بالموجب.

الخامس والسبعون والسادس والسبعون والسابع والسبعون : المطابقة والمناسبة والمجانسة.

الثامن والسبعون والتاسع والسبعون : التورية والاستخدام.

الثمانون : اللف والنشر.

الحادي والثمانون : الالتفات.

الثاني والثمانون : الفواصل والغايات .

الثالث والثمانون : والرابع والثمانون : والخامس والثمانون : أفضل القرآن وفاضله ومفضوله.

السادس والثمانون : مفردات القرآن.

السابع والثمانون : الأمثال.

الثامن والثمانون : والتاسع والثمانون : آداب القارئ والمقرئ.

التسعون آداب المفسر .

الحادي و التسعون : من يقبل تفسيره ومن يرد.

الثاني و التسعون : غرائب التفسير .

الثالث و التسعون : معرفة المفسرين.

الرابع و التسعون : كتابة القرآن.

الخامس و التسعون : تسمية السور.

السادس و التسعون : ترتيب الآي والسور .

السابع و التسعون : والثامن و التسعون : والتاسع و التسعون : : الأسماء والكنى والألقاب.

المائة :المبهمات.

الأول بعد المائة : أسماء من نزل فيهم القرآن.

الثاني بعد المائة : التاريخ.

فهذه مائة نوع ونوعان ، زوائدي منها خمسون نوعاً ، وهاأنا أشرع في بيانها مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه ، وحبذا اتكلاً.

المقدمة :

في حدود لا بد من معرفتها

التفسير مأخوذ من الفسر وهو الكشف والإظهار ، ويقال : هو مقلوب السفر ، تقول : أسفر الصبح إذا أضاء وأسفرت المرأة عن وجهها النقاب كشفته ، وقيل مأخوذ من التفسرة ، وهي اسم لما يعرف به الطبيب المرض .

وأما في الاصطلاح : فلهم فيه عبارات أحسنها قول أبي حيان : هو علم يبحث فيه كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي يحتمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك.

وقال : هو علم يبحث فيه عن أحوال القرآن العزيز من حيث دلالته على مراده بحسب الطاقة البشرية ، ويتناول التفسير : ما يتعلق بالرواية ، والتأويل ، أي ما يتعلق بالدراية ، قال : فقولنا : علم جنس ، وقولنا : يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن هو علم القراءة ، وقولنا : ومدلولاتها : أي مدلولات تلك الألفاظ ، وهذا علم متن اللغة الذي يحتاج إليه في هذا العلم .

وقولنا : وأحكامها الإفرادية والتركيبية : هذا يشمل علم التصريف والبيان والبديع ، وقولنا : ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب : يشمل ما دلالته بالحقيقة وما دلالته بالمجاز ، فإن التركيب قد يقتضي بظاهره شيئاً ويصد عن الحمل عليه صاد فيحمل على غيره وهو المجاز ، وقولنا : وتتمات لذلك : هو مثل معرفة النسخ وسبب النزول وقصة توضيح بعض ما أبهم في القرآن ونحو ذلك .

وقال بعضهم : التفسير كشف معاني القرآن وبيان المراد منه سواء كانت معاني لغوية أو شرعية بالوضع أو بقرائن الأحوال ومعونة المقام .

وقال قوم : التفسير بيان لفظ لا يحتمل إلا وجهاً واحداً ، والتأويل : توجيه لفظ يحتمل بتوجيه إلى معان مختلفة إلى واحد منها بما ظهر عنده من الأدلة .

وقال الماتريدي : التفسير القطع على أن المراد من اللفظ والشهادة على الله عنى باللفظ هذا ، فإن قام دليل مقطوع به فصحيح وإلا فتفسير بالرأي وهو المنهي عنه ، والتأويل : ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة على الله ، واختلف في جواز هذا ، وسيأتي في باب من يقبل تفسيره .

وأما القرآن ، فوزنه فُعلان كالغفران ، وهو في اللغة: الجمع .

قال الجوهري : تقول : قرأت الشيء قرآناً إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض ، قال أبو عبيدة : وسمي القرآن لأنه يجمع السور ويضمها ويجمع العلوم الكثيرة وأنواع البلاغة ، وقيل : مأخوذ من قرنت الشيء بالشيء ، وأما في العرف فهو الكلام المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز بسورة منه ، فخرج بالمنزل على محمد التوراة والإنجيل وسائر الكتب ، وبالإعجاز الأحاديث الربانية كحديث الصحيحين : أنا عند ظن عبدي بي إلى آخره وغيره ، والاقتصار على الإعجاز وإن أنزل القرآن لغيره أيضاً لأنه المحتاج إليه في التمييز ، وقولنا : بسورة منه : هو بيان لأقل ما وقع به الإعجاز وهو قدر أقل سورة كالكوثر أو ثلاث آيات من غيرها بخلاف ما دونها ، وزاد بعض المتأخرين في الحد المتعبد بتلاوته ليخرج المنسوخ التلاوة .

والسورة : اختلف في اشتقاقها فقيل : هي مأخوذة من سور البلد لارتفاعه ، سميت به لارتفاعها وشرفها ، وقيل : أصلها المنزلة الرفيعة ، قال النابغة :

ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك حولها يتذبذب

وقيل : من سور الإناء أي بقيته لأنها جزء من القرآن ، فعلى هذا الهمز خففت ، وحدَّها بعضهم بأنها الطائفة المترجمة توقيفاً ، أي المسماة باسم خاص والآية : قيل أصلها : أأْية كتمرة ، قلبت عينها ألفاً على غير قياس ، وقيل : آئية كقائلة ، حذفت الهمزة تخفيفاً ، وغير ذلك .

وهي في العرف : طائفة من القرآن متميزة بفصل . والفصل هو آخر الآية ، وقد تكون كلمة مثل : والفجر ، والضحى ، والعصر ، وكذا الم ، وطه ، ويس . ونحوها عند الكوفيين وغيرهم لا يسميها آيات بل هي فواتح السور ، وعن أبي عمرو الداني لا أعلم كلمة هي آية إلا قوله : مدهامتان .

*~*~*~*~*~*~*~*

النوع الأول والثاني :

المكي والمدني .

وهما نوعان مهمان إذ يعرف بذلك تأخير الناسخ عن المنسوخ ، واختلف الناس في الاصطلاح فيهما ، فالمشهور أن ما نزل قبل الهجرة مكي وما بعدها مدني ، سواء بمكة أو المدينة أو غيرهما من الأسفار ، وقيل : المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة ، والمدني : ما نزل بالمدينة .

قلت : وعلى هذا القول ثبتت الواسطة . قال البلقيني : ويؤيد الأول إجماعهم على أن المائدة مدنية مع أن فيها ما نزل بعرفات .

قلت : العجب منه أنه ادعى هذا الإجماع ثم في آخر النوع استثنى منها النازل بعرفات ، وقال إنه على الاصطلاح الثاني فأين الإجماع ؟! ثم قال : وقيل المدني خمس وعشرون سورة : البقرة وثلاث تليها والأنفال وبراءة والرعد والحج والنور والأحزاب والقتال والفتح والحجرات والحديد والتحريم وما بينهما والقيامة والزلزلة والنصر ، ومن عدها لم يذكر الفتح وهي سفرية ، والمشهور أن القدر والمعوذتين مدنيات ، وأن الرحمن والإنسان والإخلاص مكيات ، وقيل : الحج والحديد والصف والتغابن والقيامة والزلزة مكيات .

وذهب قوم إلى أن الفاتحة مدنية ، وقال آخرون : نزلت مرتين ، وقال بعضهم : نزل نصفها بمكة ، ونصفها بالمدينة ، وقال أبو الحسن بن الحصار في كتابه الناسخ والمنسوخ : المدني عشرون سورة . ونظَمها مع السور المختلف فيها في أبيات فقال شعراً:

ياسائلي عن كتاب الله مجتهداً وعن ترتيب ما يتلى من السور

وكيف جاء بها المختار من مضر صلى الإله على المختار من مضر

وما تقدم منها قبل هجرته وما تأخر في بدو وفي حضر

ليعلم النسخ والتخصيص مجتهد يؤيد الحكم بالتاريخ والنظر

تعارض النقل في أم الكتاب وقد تؤولت الحجر تنبيهاً لمعتبر

أم القرآن وفي أم القرى نزلت ما كان للخمس قبل الحمد من أثر

لو كان ذاك لكان النسخ أولها ولم يقل بصريح النسخ من بشر

وبعد هجرة خير الناس قد نزلت عشرون من سور القرآن في عشر

فأربع من طوال السبع أولها وخامس الخمس في الأنفال ذي العبر

وتوبة الله إن عددت سادسة وسورة النور والأحزاب ذي الذكر

وسورة لنبي الله محكمة والفتح والحجرات الغر في غرر

ثم الحديد ويتلوها مجادلة والحشر ثم امتحان الله للبشر

وسورة فضح الله النفاق بها وسورة الجُمع تذكار لمدكر

وللطلاق وللتحريم حكمها والنصر والفتح تنبيهاً على العمر

هذا الذي اتفقت فيه الرواة له وقد تعارضت الأخبار في أخر

فالرعد مختلف متى نزلت وأكثر الناس قالوا الرعد كالقمر

ومثلها سورة الرحمن شاهدها مما تضمن قول الجن في الخبر

وسورة للحواريين قد علمت ثم التغابن والتطفيف ذو النذر

ولية القدر قد خصت بملتنا وعوذتان ترد البأس بالقدر

وذا الذي اختلفت فيه الرواة له وربما استثنيت آي من السور

وما سوى ذاك مكي تنزله فلا تكن من خلاف الناس في حصر

فليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلافاً له حظ من النظر

وقد روينا من طرق عن الصحابة والتابعين عد المكي والمدني فقال البيهقي في دلائل النبوة : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو محمد بن زياد العدل . أخبرنا محمد بن إسحاق أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، أخبرنا أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي ، أخبرنا علي بن الحسين بن واقد عن أبيه ، حدثني يزيد النحوي عن عكرمة والحسين ابن أبي الحسين ، قالا : مما أنزل الله من القرآن بمكة : اقرأ باسم ربك ، ونو ، والمزمل ، والمدثر ، وتبت يدا أبي لهب ، وإذا الشمس كورت ، وسبح اسم ربك الأعلى ، والليل إذا يغشى ، والفجر ، والضحى ، وألم نشرح ، والعصر ، والعاديات ، والكوثر ، وألهاكم ، وأرأيت الذي ، وقل يا أيها الكافرون ، وأصحاب الفيل ، والفلق ، وقل أعوذ برب الناس ، وقل هو الله أحد ، والنجم ، وعبس ، وإنا أنزلناه ، والشمس وضحاها ، والبروج ، والتين ، ولإيلاف قريش ، والقارعة ، ولا أقسم بيوم القيامة ، والهمزة ، وق ، ولا أقسم بهذا البلد ، والطارق ، واقتربت الساعة ، وص ، والجن ، ويس ، والفرقان ، والملائكة ، وطه ، والواقعة ، وطسم ، وبني إسرائيل ، والسابعة ، ويوسف ، وهود ، وأصحاب الحجر ، والأنعام ، والصافات ، ولقمان ، وسبأ ، والزمر ، وحم المؤمن ، وحم الدخان ، وحم السجدة ، وحم عسق ، وحم الزخرف ، والجاثية ،

والأحقاف ، والذاريات ، والغاشية ، وأصحاب الكهف ، والنحل ، ونوح ، وإبراهيم ، والأنبياء ، والمؤمنون ، وآلم السجدة ، والطور ، وتبارك ، والحاقة ، وسأل ، وعم يتساءلون ، والنازعات ، وإذا السماء انشقت ، وإذا السماء انفطرت ، والروم ، والعنكبوت ، وما نزل بالمدينة : ويل للمطففين ، والبقرة ، وآل عمران ، والأنفال ، والأحزاب ، والمائدة ، والممتحنة ، والنساء ، وإذا زلزلت ، والحديد ،ومحمد ، والرعد ، والرحمن ، وهل أتى على الإنسان ، والطلاق ، ولم يكن ، والحشر ، وإذا جاء نصر الله ، والنور ، والحج ، والمنافقون ، والمجادلة ، والحجرات ، ويا أيها النبي لم تحرم ، والصف ، والجمعة ، والتغابن ، والفتح ، وبراءة ، قال البيهقي : والسابعة يريد بها سورة يونس ، قال : وقد سقط من هذه الرواية : ألهاكم ، والأعراف ، وكهيعص مما نزل بمكة .

قال : وقد أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار حدثنا محمد بن الفضل ، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي ، أنبأنا عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي ، أنبأنا خصيف عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال : إن أول أنزل الله على نبيه من القرآن : اقرأ باسم ربك ، فذكر معنى هذا الحديث وذكر السور التي سقطت من الرواية الأولى في ذكر ما نزل بمكة قال : وللحديث شاهد في تفسير مقاتل وغيره مع المرسل الصحيح الذي تقدم ، قلت : وسيأتي مثله في أول ما نزل .

وقال أبو بكر الأنباري : حدثنا بن إسحاق القاضي حدثنا حجاج بن منهال حدثنا هشام عن قتادة قال : نزل في المدينة من القرآن : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمجادلة ، والحشر ، والممتحنة ، والصف ، والجمعة ، والمنافقون ، والتغابن ، والطلاق ، و { يأيها النبي لم تحرم } إلى رأس العشر من الآي ، وإذا زلزلت ، وإذا جاء نصر الله ، وسائر القرآن نزل بمكة .

وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها : ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ، وقال أبو عبيد في فضائل القرآن : حدثنا عبد الله ابن صالح بن معاوية بن صالح عن علي ابن أبي طلحة قال : نزلت بالمدينة : سورة البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنفال ، والتوبة ، والحج ، والنور ، والأحزاب ، والذين كفروا ، والفتح ، والحديد ، والمجادلة ، والحشر ، والممتحنة ، والحواريون يريدون الصف ، والتغابن ، و { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ، ويا أيها النبي لم تحرم } والليل ، وإنا أنزلناه في ليلة القدر ، ولم يكن ، وإذا زلزلت ، وإذا جاء نصر الله } وسائر ذلك بمكة .

وقد توافقت الأقوال التي حكيناها على أن سورة يونس مكية ، وفيها أيضاً قولان ، فروى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من طريق خصيف عن مجاهد عن عبد الله بن الزبير أنها مكية ، وروى مثله من طريق عطاء وغيره عن ابن عباس ، ثم روى من طريق عطاء عنه أنها أنزلت بالمدينة والله تعالى أعلم .

وقد ظهر لي بالنظر في الأدلة النقلية ما يُرجع بعض الأقوال في السور المختلف فيها فمن ذلك : الحديد – فالمختار أنها مكية ، ففي مسند البزار وغيره عن عمر قال : كنت أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث في إسلام أخته ومجيئه لها مغضباً وجلوسه في بيتها على السرير قال : فإذا عليه صحيفة فقلت : ما هذه الصحيفة ؟ فقالت : دع هذا فإنه لا يمسه إلا المطهرون ، وأنت لا تطهر من الجنابة ، قال : فما زلت بها حتى ناولتني الصحيفة فإذا فيها : { بسم الله الرحمن الرحيم . سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم – حتى بلغ : آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } الحديث .

وإسلام عمر قديماً قبل الهجرة بدهر مديد – وروى الحاكم عن بن مسعود قال : ما كان إسلامهم وبين نزول هذه الآية يعاتبهم الله إلا أربع سنين { ولا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون }.

فظاهره أنه قبل الهجرة بست سنين أو أكثر على الخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة ، ومن ذلك : الكوثر . والمختار أنها مدنية لحديث أنس في نزولها الآتي في النومي ، وأنس لم يكن بمكة وإنما كان بالمدينة ، ومن ذلك الصف ، والمختار أنها مدنية أيضاً لحديث عبد الله بن سلام في نزولها الآتي أيضاً وهو أنها كانت بالمدينة ومن ذلك : المعوذتان ، والمختار أنهما مدنيتان ، وأما الفاتحة فالمختار فيها قول الجمهور ، ولكن روى الطبراني في الأوسط قال : حدثنا عبيد بن غنام أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة أنبأنا أبو الأحوص عن منصور عن مجاهد عن أبي هريرة أن إبليس رنَّ حين أنزلت فاتحة الكتاب وأنزلت بالمدينة ، هذا إسناد رجاله رجال الصحيح ، وقد كان خطر لي في القدح فيه أن الجملة الأخيرة منه مدرجة في الحديث وليست منه ، ثم رأيت أبا عبد الله أخرجها من قول مجاهد فقال : حدثنا عبد الرحمن بن شعبان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : نزلت فاتحة الكتاب بالمدينة ، وأخرجها أيضاً عنه الفريابي في تفسيره ، وأخرج مقاتل في تفسيره الجملة الأولى عنه أيضاً فصار علة للحديث المرفوع . ضابط : روى البيهقي في الدلائل والبزار في مسنده من طريق الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : ما كان : يا أيها الذين آمنوا : أنزل بالمدينة ، وما كان : يا أيها الناس فبمكة ، قال ابن عطية : هو في : يا أيها الذين آمونا صحيح ، وأما : يا أيها الناس فقد يأتي في المدني ، وقال ابن الحصار : قد اعتنى المتشاغلون بالنسخ بهذا الحديث واعتمدوه على ضعفه ، وقد اتفق الناس على أن النساء مدنية وأولها :{ يا أيها الناس } وعلى أن الحج مكية وفيها :{ يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا } الآية .

وروى أبو عبيد هذا عن علقمة مرسلاً ، وروى عن علي بن معين عن أبي المليح عن ميمون بن مهران قال : ما كان في القرآن : يا أيها الناس أو يا بني آدم ، فإنه مكي ، وما كان : يا أيها الذين آمنوا ، فإنه مدني .

وروى البيهقي في الدلائل من طريق يونس بن بكير عن هشام بن عروة عن أبيه قال : كل شيء نزل من القرآن فيه ذكر الأمم والقرون فإنما نزل بمكة ، وما كان من الفرائض والسنن فإنما نزل بالمدينة ، وسيأتي عن عائشة ونحوه .

فرع : قال البيهقي : في بعض السور التي نزلت بمكة آيات نزلت بالمدينة فألحقت بها ، وكذا قال ابن الحصار : كل نوع من المكي والمدني منه آيات مستثناة ، قال : إلا أن من الناس من اعتمد في الاستثناء على الاجتهاد دون النقل . انتهى .

وها أنا أذكر منه أمثلة حررتها بعد الفحص الشديد :

الأول : قال : البلقيني : استثني من البقرة آيتان : { فاعفوا واصفحوا } { ليس عليك هداهم } .

وعلى الاصطلاح الثاني آخر : { واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله } { آمن الرسول } الآيتين فإنهما سفريتان .

قلت : فإن عملنا بما تقدم عن ابن مسعود استثنى قوله تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } وكذا ما بعدها إلى قوله :{ خالدون } ، لأنها مشتبكة بها في المعنى الثاني ، قال أيضاً : استثنى من النساء على الاصطلاح الثاني :{ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } وآية الكلالة .

الثالث : من المائدة :{ اليوم أكملت لكم دينكم } عليه أيضاً .

الرابع : قال ابن الحصار : استثنى بعضهم من الأنعام تسع آيات ولا يصح به نقل خصوصاً أنه ورد أنها نزلت جملة واحدة ، والآيات المذكورة :{ قل تعالوا } الآيات الثلاث – { وما قدروا الله } الآيات الثلاث.

الخامس : قال البلقيني : استثني من الأنفال أولها { يا أيها النبي حسبك الله } وهما على الاصطلاح الثاني .

قلت : فيه نظر من وجوه : أحدها : أن أولها كما أنه لم ينزل بالمدينة لم ينزل بمكة بل ببدر فهو ليس بمكي ، ثانيها : نزل ببدر أيضاً غير أولها كما سيأتي في السفري ، ثالثها : ألآية الثانية على الاصطلاح الأول فقد روى البزار من طريق النضر عن عكرمة عن ابن عباس أنها نزلت لما أسلم عمر – رضي الله عنه –

السادس : من هود { وأقم الصلاة } الآية ، وقيل :{ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } .

السابع : من الرعد { ولو أن قرآناً } ، { ويقول الذين كفروا } فمدنيتان ، وقيل لا ، والمدني منها

{ ولا يزال الذين كفروا } وقيل : بل قوله : { هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً }إلى قوله :{ شديد المحال } فإنها نزلت في عامر بن الطفيل وأريد بن قيس لما قدما المدينة في وفد بني عامر كما رواه الطبراني في الأوسط .

الثامن : ينبغي أن يستثنى من الحجر :{ ولقد علمنا المستقدمين } الآية ، ففي الترمذي من حديث أبي الجوزاء عن ابن عباس قال : كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حيناً فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لأنه لا يراها ، ويتأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه فأنزل الله هذه الآية .

التاسع : من النحل :{ وإن عاقبتم ..} إلى آخر السورة فهو نازل بعد الهجرة وسيأتي مكان نزوله ، وقال ابن الحصار : الصحيح عندي أنها كلها مكية ، وأن آخرها نزل مرة ثانية في أحد والفتح تذكيراً من الله لعباده ، واستثنى قتادة :{ ثم إن ربك للذين هاجروا } إلى آخر السورة . وقال بعضهم : بل أربعون آية منها مكي والباقي مدني وسيأتي في أول ما نزل .

العاشر : استثنى بعضهم من الإسراء : { وإن كادوا ليفتنونك } الآيات الثمان ، وبعضهم : { ويسألونك عن الروح } .

لما روى البخاري عن ابن مسعود قال : كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوكأ على عسيب فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم لو سألتموه ، فقالوا : حدثنا عن الروح فقام النبي صلى الله عليه وسلم ساعة ورفع رأسه فعرفت أنه يوحى إليه حتى صعد الوحي ، ثم قال : الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً – قال ابن كثير : وقد تكون نزلت عليه هذه الآية مرة ثانية بعد نزولها بمكة فإن السورة كلها مكية – واستثنى بعضهم أيضاً :{ قل لئن اجتمعت الإنس والجن } الآية .

فقد روى ابن إسحاق عن ابن عباس – رضي الله عنه – أنها نزلت في نفر من اليهود قالوا لرسول صلى الله عليه وسلم إنا نأتيك بمثل ما جئتنا به .

الحادي عشر : من الحج على قول إنها مكية : الآيات السفرية وسيأتي ، وعلى قول إنها مدنية :{ وما أرسلنا من قبلك } إلى عقيم . فهو مكي .

الثاني عشر : من الشعراء { والشعراء يتبعهم الغاوون } إلى آخر السورة فهو مدني قاله مكي .

الثالث عشر : الروم أولها فقد نزل ببدر كما رواه الترمذي عن أبي سعيد قال : لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس فأعجب ذلك المؤمنين فنزل : آلم . غلبت الروم .. إلى قوله : { بنصر الله } .

لكن روي أيضاً عن نِيار بن مكرم الأسلمي قال : لما نزلت : { آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين } خرج أبو بكر الصديق يصيح بها في نواحي مكة . الحديث . وقال : حسن صحيح ، قال ابن الحصار : وهو أصح من الأول .

وقد يتكرر نزول الآية تذكاراً وموعظة . انتهى .

الرابع عشر : من السجدة :{ أفمن كان مؤمناً } الآيات الثلاث .

الخامس عشر : من سورة سبأ الآيات التي فيها ذكر سبأ ، فقد روى الترمذي عن فروة بن مسيك المرادي قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله : ألا أقاتل من أدبر من قومي الحديث ، وفيه وأنزل في سبأ ما أنزل فقال رجل : يا رسول الله وما سبأ إلى آخره . قال ابن الحصار : ومهاجرة فروة بعد إسلام ثقيف سنة تسع قال : ويحتمل أن يكون قوله : وأنزل حكاية عما تقدم نزوله قبل .

السادس عسر : من يس : { إنا نحن نحيي الموتى } الآية .

فقد روى الترمذي والحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي سعيد الخدري قال : كانت بنو سلمة في نواحي المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فأنزل الله :{ إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم ..} فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنه يكتب آثاركم وقرأ عليهم الآية فتركوا ، والحديث في الصحيح عن أنس بدون ذكر الآية .

السابع عشر : من الزمر :{ قل يا عبادي الذين أسرفوا } الآيات الثلاث ، ففي الصحيح من حديث نافع عن ابن عمر – رضي الله تعالى عنه – قال : كنا نقول : ما لمفتتن توبة وما الله بقابل منه شيئاً ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل فيهم :{ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } والآيات التي بعدها ، واستثنى أيضاً :{ وما قدروا الله حق قدره } الآيات ، وروى الترمذي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال : مر يهودي بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي : يا يهودي حدثنا فقال : كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه و الأرضين على ذه والماء على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه فأنزل الله :{ وما قدروا الله حق قدره } وقال : حسن صحيح لكنه في الصحيحين بلفظ :" فتلا" الآية ، ولم يقل : فأنزل .

الثامن عشر : من الحديد على ما اخترته من أنها مكية { يا أيها آمنوا اتقوا الله ..} إلى آخر السورة فهو مدني نزل بعد أحد في أربعين من الحبشة كما رواه الطبراني في الأوسط .

التاسع عشر : من التغابن على قول إنها مكية ما رواه الحاكم عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال :نزلت هذه الآية :{ إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم } في قوم من أ÷ل مكة أسلموا فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم ، فأتوا المدينة فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد فقهوا فهمُّوا أن يعاقبهم فأنزل الله :{ وإن تعفوا وتصفحوا } فهذه أمثلة حررتها نقلاً ودليلاً وما أحب أن لي بتحريرها الدنيا وما فيها .

خاتمة : روى الطبراني في الكبير من طريق الوليد بن المغيرة بن مسلم عن عفير بن معدان عن سليم بن عامر أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنزل القرآن في ثلاثة أمكنة : مكة والمدينة والشام . قال الوليد : يعني بيت المقدس ، قال ابن كثير : بل تفسيره بتبوك أحسن .

*~*~**~*~*~*~*~*~*

النوع الثالث والرابع :

الحضري والسفري .

الأول كثير ؛ وللثاني أمثلة ذكر البلقيني منها قليلاً : أحدهما : وهو مما لم يذكره { فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه } .

ففي الصحيح من حديث كعب بن عجرة : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية ونحن محرمون وكانت لي وفرة فجعلت الهوام تتساقط على وجهي فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أيؤذيك هوام رأسك ؟ فقلت : نعم فأنزل الله هذه الآية .

ثانيها : { واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله } نزلت بمنى فيما رواه البيهقي في الدلائل .

ثالثها : { ءامن الرسول } إلى آخر السورة إلى آخر السورة ، قيل : نزلت يوم فتح مكة .

رابعها : ولم يذكره البلقيني { ليس لك من الأمر شيء } نزلت بأحد ، فروى الترمذي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد : اللهم العن أبا سفيان ، اللهم العن الحارث بن هشام ، اللهم العن صفوان بن أمية ، فنزلت :{ ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم } وفي الصحيح أن ذلك كان في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح .

خامسها : ولم يذكره { وما محمد إلا رسول } الآية نزلت بأحد ، فقد روى البيهقي في الدلائل من طريق آدم عن ورقاء عن ابن نجيح عن أبيه أن رجلاً من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه فقال له : أشعرت أن محمداً قُتل؟ فقال : إن كان محمد قد قتل فقد بلَّغ ، فقاتلوا عن دينكم فنزلت .

سادسها : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } نزلت يوم الفتح في شأن مفتاح الكعبة .

سابعها : آية الكلالة – نزلت بين مكة والمدينة في مرجعه عليه الصلاة والسلام من حجة الوداع .

ثامنها : ولم يذكره : ولم يذكره : أول المائدة ، ففي شعب الإيمان من طريق سفيان عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد ، قالت : نزلت سورة المائدة على النبي صلى الله عليه وسلم بمنى إن كادت من ثقلها أن تكسر عظام الناقة ، وفي الدلائل من حديث عاصم الأحول عن أم عمرو بنت عبس عن عمها : كان النبي صلى الله عليه وسلم في مسير فنزلت عليه سورة المائدة فاندقت كتف راحلته العضباء من ثقل السورة .

وروى أبو عبيد عن عمر بن طارق عن يحي بن أيوب عن أبي صخر عن محمد بن كعب القرظي قال : نزلت سورة المائدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة وهو على راحلته فانصدع كتفها فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

تاسعها : { اليوم أكملت لكم دينكم } ففي الصحيح من حديث عمر – رضي الله عنه – أنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع انتهى .

عاشرها : آية التيمم فيها ، ففيه من حديث عائشة : أنها نزلت بالبيداء أو بذات الجيش قريب المدينة في القفول من غزوة المريسيع .

حادي عشرها : أو الأنفال ، فقد روى أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال : لما كان يوم بدر قتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اذهب فاطرحه ، قال : فرجعت وبي ما لايعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي ، قال : فما جازت إلا يسيراً حتى نزلت سورة الأنفال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذهب فخذ سيفك .

ثاني عشرها : ولم يذكره :{ إذ تستغيثون ربكم } الآية ، ففي الصحيح عن عمر قال : نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر فاستقبل القبلة وجعل يهتف بربه فأنزل الله هذه الآية .

ثالث عشرها : ولم يذكره :{ ومن يولهم يومئذ دبره } الآية ، وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت يوم بدر .

رابع عشرها : آيات من أثناء براءة في غزوة تبوك .

خامس عشرها : ولم يذكره : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } الآيتين . فقد روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة واعتمر ، فلما هبط من ثنية عسفان نزل على قبر أمه ودعا الله أن يأذن له في الشفاعة لها فنزل جبريل بهاتين الآيتين .

سادس عشرها : { وإن عاقبتم فعاقبوا } إلى آخر السورة .

فأخرج البيهقي في الدلائل والبزار في مسنده من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة حين استشهد وقد مثل به ، فذكر الحديث إلى أن قال : لأمثلن بسبعين منهم مكانك فنزل جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بخواتيم سورة النحل :{ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } إلى آخر السورة ، فهو صريح في نزولها بأحد ، وعزا البلقيني هذا الحديث إلى الفيلانيات وهو قصور .

وأخرج الترمذي من حديث أبي بن كعب قال : لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا بهم فقالت الأنصار : لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنربين عليهم . قال : فلما كان يوم الفتح أنزل الله :{ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } قال الترمذي : حسن غريب ، قال البلقيني : وقد يقال لا معارضة بين الحديثين لأن أعمال هذا الصبر إنما وقع يوم فتح مكة .

قلت : المعارضة واقعة بين قوله نزلت والنبي واقف على حمزة ووقوفه بأحد ، وقوله : فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله ، وأي جمع حصل من كلامه المذكور ؟ وإنما يجمع بما تقدم عن ابن الحصار أنها نزلت أولاً بمكة ، ثم ثانياً بأحد ، ثم ثالثاً : يوم الفتح تذكيراً من الله لعباده .

سابع عشرها : ولم يذكره أول الحج ، ففي الترمذي عن عمران بن حصين قال : أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم : { يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم } إلى قوله :{ ولكن عذاب الله شديد } وهو في سفر فقال : أتدرون أي يوم ذلك ؟ الحديث . وفي المستدرك عن أنس مثله .

ثامن عشرها : { هذان خصمان اختصموا } إلى قوله : { الحميد } ففي البخاري عن أبي ذر أنه كان يقسم أن هذه الآية نزلت في حمزة وصاحبيه ، وعتبة وصاحبيه .

قال البلقيني : فالظاهر أنها نزلت يوم بدر وقت المبارزة لما فيه من الإشارة بهذان .

تاسع عشرها : ولم يذكره { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } الآية – ففي المستدرك عن ابن عباس : لما أخرج أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر : إنا لله وإنا إليه راجعون أخرجوا نبيهم ليهلكن فنزلت هذه الآية .

قال ابن الحصار : استنبط بعضهم من هذا الحديث أنها نزلت في سفر الهجرة .

العشرون :{ إن الذي فرض عليك القرءان } الآية ، قيل : نزلت بالجحفة في سفر الهجرة .

الحادي والعشرون : أول الروم كما تقدم .

الثاني والعشرون : سورة الفتح بجملتها ، كذا قال البلقيني وتمسك بظاهر مارواه البخاري من حديث عمر : بينما هو يسير مع النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد أنزلت عليَّ سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس فقرأ :{ إنا فتحنا لك فتحاً مبينا . ليغفر لك الله ما تقدم من ذبك وما تأخر } ولا دليل فيه على نزولها كلها تلك الليلة ، بل النازل فيها أولها وقد وردت أحاديث بنزول سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها . لطيفة : ورد تبيين الموضع الذي نزلت فيه وهو كراع الغميم رواه الحاكم أيضاً .

الثالث والعشرون : ولم يذكره : سورة المنافقون ، فقد روى الترمذي من طريق إسرائيل عن السدي عن أبي سعيد الأزدي قال : أخبرنا زيد بن الأرقم قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا ناس من الأعراب ، فسبق أعرابي فملأ الحوض ، فأتى رجل من الأنصار أعرابياً فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه ورفع الأعرابي خشبةً فضرب بها رأس الأنصاري فشجه ، فأتى عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين فأخبره وكان من أصحابه فغضب وقال : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ثم قال لأصحابه : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فأخبرت عمي فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف وجحد قال : فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني فجاء عمي فقال : ما أردت إلى أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبك فوقع عليَّ من الهم ما لم يقع على أحد ، فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وقد خفقت برأسي من الهم إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك في وجهي ( فلحقني أبو بكر فقال : ما قال لك رسول الله ؟ قلت : ما قال شيئاً إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي ) فقال : أبشر ، ثم لحقني عمر فقلت له مثل قولي لأبي بكر ، فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين قال الترمذي : حسن صحيح .

ففي هذا الحديث مع كونها نزلت بالسفر ما يقتضي أنها نزلت بالليل ثم روى أيضاً من حديثه أن ذلك في غزوة تبوك ، ومن حديث جابر ابن عبد الله نحو ذلك ، وفيه قال سفيان : يروون أنها غزوة بني المصطلق وقال في كل من الحديثين حسن صحيح ، وهو في الصحيحين بدون قول سفيان وذكر ابن إسحاق أيضاً أنها نزلت في غزوة بني المصطلق .

الرابع والعشرون : سورة النصر ، روى البيهقي والبزار عن ابن عمر أنها نزلت أواسط أيام التشريق عام حجة الوداع .

*~*~*~*~*~*~*~*

النوع الخامس والسادس:

النهاري والليلي .

الأول كثير وللثاني أمثلة لم يستوفها البلقيني ، أحدها : آية القبلة ففي الصحيحين : بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آتٍ فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن .

ثانيها : ولم أر من ذكره : خواتيم سورة البقرة ، ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود : لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى . الحديث وفيه فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ثلاثاً : أ‘طي الصلوات الخمس ، وأعطي خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئاً ( المقحمات ) وقد أ‘طي الصلوات ليلة الإسراء فالظاهر أنه أعطي الأخرى ليلتئذ . لكن الأحاديث في الصحيح في بيان نزولها عن ابن عباس – رضي الله عنه – وغيره تحالف هذا ويجمع بين ذلك بأنها نزلت بعد إعطائه إياها ليلة الإسراء .

ثالثها : { والله يعصمك من الناس } فقد روى الحاكم والترمذي عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية :{ والله يعصمك من الناس } فأخرج رأسه من القبة فقال لهم : يا أيها الناس : انصرفوا فقد عصمني الله ، وهذه الآية مثال للفراشي أيضاً .

رابعها : سورة الأنعام بكمالها فقد روى أبو عبيد قال : حدثنا حجاج عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال : نزلت سورة الأنعام بمكة ليلاً جملة .

خامسها : آية الثلاثة الذين خلفوا – ففي الصحيحين من حديث كعب فأنزل الله توبتنا حين بقي الثلث الأخير من الليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة .

سادسها : روى الترمذي من حديث أنس أن هذه الآية :{ تتجافى جنوبهم عن المضاجع } نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة وقال : حسن صحيح ، وظاهره أنها نزلت في ذلك الوقت .

سابعها : آية الإذن في خروج النسوة في الأحزاب ، قال البلقيني : والظاهر أنها :{ يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك } الآية .

ففي البخاري عن عائشة – رضي الله عنها – خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر فقال : يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين ؟ قالت : فانكفأت راجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه ليتعشى وفي يده عرق فقلت : يا رسول الله خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا ، فأوحى الله إليه وإن العرق في يده ما وضعه فقال : إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن .

قال البلقيني : وإنما قلنا إن ذلك كان ليلاً لأنهن إنما كن يخرجن للحاجة ليلاً كما في الصحيحين عن عائشة في حديث الإفك .

ثامنها : سورة الفتح كما تقدم ، وبينا أنها لم تنزل كلها ليلاً ، وفي بعض الأحاديث أنها إلى :{ صراطاً مستقيماً } .

تاسعها : سورة المنافقين كما تقدم .

فرع : ومنه ما نزل بين الليل والنهار في وقت الصبح ويصلح أن يجعل نوعاً مستقلاً ، ويحضرني منه مثالان :

الأول :{ ليس لك من الأمر شيء } فقد تقدم أنها نزلت وهو في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح .

الثاني : آية من الفتح ، فقد روى مسلم والترمذي وغيرهما عن أنس أن ثمانين هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الصبح يريدون أن يقتلوه فأخذوا أخذاً فأعتقهم فأنزل الله :{ وهو الذي كف أيديهم عنكم ..} الآية .

*~*~*~*~*~*~*~*~*

النوع السابع والثامن :

الصيفي والشتائي .

الأول : له أمثلة أحدها : ولم يذكر البلقيني غيره : آية الكلالة ، ففي صحيح مسلم عن عمر : ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة ، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه حتى طعن بإصبعه في صدري وقال : يا عمر ألا يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء ، وأخرج الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة أن رجلاً قال : يا رسول الله ما الكلالة ؟ قال : أما سمعت الآية التي نزلت في الصيف { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } قال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ، قلت : وقد تقدم أن ذلك في سفر حجة الوداع .

ثانيها وثالثها ورابعها : { واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله } وأول المائدة { اليوم أكملت لكم دينكم } لأن ذلك مما نزل بحجة الوداع فهو قريب الزمن من آية الكلالة .

خامسا : غالب آيات غزوة تبوك في براءة فقد كانت في شدة الحر كما في الحديث ونص الله تعالى في كتابه فقال : { وقالوا لا تنفروا في الحر } .

وقد قال البيهقي في الدلائل : أخبرنا أبو عبد الله أخبرنا أبو العباس أخبرنا أحمد أخبرنا يونس عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يخرج في وجه من مغازيه إلا كان يظهر أنه يريد غيره إلا في غزوة تبوك قال : يا أيها الناس : إني أريد الروم فأعلمهم وذلك في زمن البأس وشدة من الحر وجدب البلاد ، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في جهازه إذ قال للجد بن قيس : يا جد هل لك في بنات بني الأصفر ؟ قال : يا رسول الله لقد علم قومي أنه ليس أحد أشد عجباً بالنساء مني وإني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر أن يفتنني فائذن لي ، فأنزل الله { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } الآية ، وقال رجل من المنافقين : لا تنفروا في الحر فأنزل الله :{ قل نار جهنم أشد حراً } وأما النوع الثاني فله أمثله أحدها ولم يذكر البلقيني غيره : الآيات الثلاث عشرة في براءة عائشة من سورة النور .

وأولها : { إن الذين جاءوا بالإفك } ففي البخاري من حديثها فوالله ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شاتٍ من ثقل الوحي الذي ينزل عليه . الحديث .

ثانيها : { ولا يأتل أولوا الفضل منكم } الآية ، فإنها نزلت لما حلف أبو بكر رضي الله عنه لا ينفق على مسطح شيئاً لما تكلم في الإفك فهي قريبة مما قبلها .

ثالثها : قال الواحدي : أنزل الله في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء ، وهي التي في أول النساء ، والأخرى في الصيف وهي التي في آخرها ، وعجبت للبلقيني كيف غفل عن هذه .

رابعها : ما في سورة الأحزاب من آيات غزوة الخندق ، فقد كانت في البرد ففي حديث حذيفة : تفرق الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب إلا اثني عشر رجلاً فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا ابن اليماني : قم فانطلق إلى عسكر الأحزاب فانظر إلى حالهم قلت : يارسول الله ، والذي بعثك بالحق ما قمت لك إلا حياءً من البرد . الحديث ، وفي بعض طرقه قال في آخره : فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود ..} إلى آخرها .

*~*~*~*~*~*~*~*

النوع التاسع :

الفراشي .

ذكر البلقيني مثالاً واحداً وهو آية الثلاثة الذين خلفوا كما تقدم أنها نزلت وقد بقي من الليل نحو الثلث وهو عند أم سلمة ، وظفرت بمثال آخر ، وهو :{ والله يعصمك من الناس } كما تقدم ، واستشكل الجمع بين ما تقدم من نزول الآية في بيت أم سلمة وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حق عائشة : ما نزل عليَّ الوحي في فراش امرأة غيرها ، قال البلقيني : ولعل هذا كان قبل القصة التي نزل فيها الوحي في فراش أم سلمة .

قلت : ظفرت بما يحصل به الجواب وهو أحسن من هذا ، فروى أبو يعلى بسنده عن عائشة قالت : أعطيت تسعاً – الحديث ، وفيه : " وإن كان الوحي لينزل عليه وهو في أهله فينصرفون عنه ، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه " وبهذا علم أنه لا معارضة بين الحديثين كما لا يخفى .

*~*~*~*~*~*~*~*

النوع العاشر :

النومي .

ذكره البلقيني وجعله ملحقاً بما قبله ورأينا إفراده بنوع أليق ، ومثل له بما في صحيح مسلم عن انس قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسماً فقلنا : ما أضحكك يا رسول الله ؟ فقال : أنزل عليَّ آنفاً سورة فقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم . إنا أعطيناك الكوثر . فصل لربك وانحر . إن شانئك هو الأبتر .

وقال الإمام الرافعي في أماليه : فهم فاهمون من الحديث أن السورة نزلت في تلك الإغفاءة وقالوا : من الوحي ما كان يأتيه في النوم لأن رؤيا الأنبياء وحي قال : وهذا صحيح ، لكن الأشبه أن يقال : إن القرآن كله نزل في اليقظة ، وكأنه خطر له في النوم سورة الكوثر المنزلة في اليقظة أو عرض عليه الكوثر الذي وردت فيه السورة فقرأها عليهم وفسرها لهم ، قال : وورد في بعض الروايات أنه أغمي عليه وقد يجمل ذلك على الحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحي – ويقال لها : برحاء الوحي . انتهى .

قلت : الذي قاله الرافعي في غاية الاتجاه ، وهو الذي كنت أميل إليه قبل الوقوف عليه والتأويل الأخير أصح من الأول ، لأن قوله : أنزل علي آنفاً يدفع كونها نزلت قبل ذلك ، بل نقول : نزلت في تلك الحالة وليست الإغفاءة إغفاءة نوم ، بل الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي ، فقد ذكر العلماء أنه كان يؤخذ عن الدنيا .

*~*~*~*~*~*~*

النوع الحادي عشر :

أسباب النزول .

وهو نوع مهم يحتاج إليه وصنف الناس فيه مصنفات ، ومن أحسنها كتاب الواحدي ، ثم شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل ابن حجر ، وما كان عن صحابي فهو مسند مرفوع ، إذ قول الصحابي فيما لا مدخل فيه للاجتهاد مرفوع ، أو تابعي فمرسل ، وشرط قبولهما صحة السند ، ويزيد الثاني أن يكون راويه معروفاً بأن لا يروي إلا عن الصحابة ، أو ورد له شاهد مرسل أو متصل ولو ضعيفاً ، وإذا تعارض فيه حديثان فإن أمكن الجمع بينهما فذاك كآية اللعان ، ففي الصحيح عن سهل بن سعد الساعدي أنها نزلت في قصة عويمر العجلاني وفيه أيضاً أنها نزلت في قصة هلال بن أمية ، فيمكن أنها نزلت في حقهما أي بعد سؤال كل منهما فيجمع بهذا ، وإن لم يمكن قدم ما كان سنده صحيحاً أوله مرجح ككون راويه صاحب الواقعة التي نزلت فيها الآية ونحو ذلك ، فإن استويا فهل يحمل على النزول مرتين أو يكون مضطرباً يقتضي طرح كل منهما عندي فيه احتمالان وفي الحديث ما يشبهه ، وربما كان في إحدى القصتين ( فتلا ) فوهم الراوي فقال : فنزلت كما تقدم في آية الزمر ، والبارع الناقد يفحص عن ذلك ، وأمثلة هذا النوع تستقرأ من الكتب المصنفة فيه وذكر منها كثير في هذا الكتاب في الأنواع السابقة والتي ستأتي .

ثم منها المشهور وهو قسمان : صحيح كقصة الإفك وآية السعي والتيمم والعرنيين وموافقات عمر ، وضعيف كآية :{ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ..} ، وقد اشتهر أنها نزلت في شأن مفتاح الكعبة ، وأسانيد ذلك بعضها ضعيف ، وبعضها منقطع ، ومنها الغريب وهو أيضاً قسمان : صحيح وضعيف ، والله أعلم ، وهذا الفصل مما حررته واستخرجته من قواعد الحديث ولم أسبق إليه وبالله التوفيق .

 

 

القسم الثاني

 

 

النوع الثاني والثالث عشر :

أول ما نزل وآخر ما نزل .

 

اختلف في الأول ، فالأصح أنه : اقرأ باسم ربك ، وقيل : المدثر ، وقيل : الفاتحة – حجة الأول : حديث ابن عباس السابق في المكي والمدني ، وحديث عائشة أنها قالت : أول ما نزل من القرآن اقرأ باسم ربك رواه في المستدرك ، وروى أبو عبيد قال : حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : أن أول ما نزل من القرآن : اقرأ باسم ربك ، ون ، والقلم .

وحجة الثاني ما في الصحيحين عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : سألت جابر بن عبد الله : أي القرآن أنزل قبل ؟ قال : ( يا أيها المدثر ) قلت : أو ( اقرأ باسم ربك ) ؟ قال : أحدثكم بما حدثنا به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : إني جاورت بحراء شهراً فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي ، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو يعني جبريل فأخذتني رجفة فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني فأنزل الله : ( يا أيها المدثر . قم فأنذر ) وأجاب الأول بما في الصحيحين أيضاً عن أبي سلمة عن جابر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه فبينما أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرجعت وقلت : زملوني زملوني فدثروني فأنزل الله : ( يا أيها المدثر ) فقوله : الملك الذي جاءني بحراء دال على أن هذه القصة متأخرة عن قصة حراء التي نزل فيها : ( اقرأ باسم ربك ) .

قال البلقيني : ويجمع بين الحديثين بأن السؤال كان عن نزول بقية : اقرأ والمدثر ، فأجابه بما تقدم .

وحجة الثالث : ولم يذكره البلقيني ما رواه البيهقي في الدلائل عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال لخديجة إذا خلوت وحدي سمعت نداءً فذكر الحديث وفيه : فأتى ورقة بن نوفل فقص عليه فقال له : إذا أتاك فاثبت له حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني فلما خلا ناداه : يا محمد قل : بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين . حتى بلغ : ولا الضالين ، فأتى ورقة بن نوفل فذكر ذلك له فقال له : أبشر الحديث .

قال البيهقي : هذا منقطع وإن كان محفوظاً فيحتمل أن يكون خبراً عن نزولها بعد ما نزلت عليه ( اقرأ ) و( المدثر ) قلت : وإن صح أخذ منه أنها من أوائل ما نزل كما لا يخفى .

قال البلقيني : وأول سورة نزلت :{ وويل للمطففين } في قول علي بن الحسين ، وقال عكرمة : بل البقرة ، وكلاهما مرسل بلا إسناد ، قلت : أما مرسل فصحيح ، وأما بلا إسناد فقد تقد مسنداً عن عكرمة والحسن أن أول ما نزل بها : { ويل للمطففين } ثم { البقرة } بل وعن ابن عباس فانتفى إرساله أيضاً ، وأسند أبو داوود في الناسخ والمنسوخ من طريق حسان بن إبراهيم الكرماني عن أمية الأزدي عن جابر بن زيد وهو من علماء التابعين بالقرآن قال : أول ما أنزل الله على محمد – صلى الله عليه وسلم –من القرآن بمكة : ( اقرأ ) ثم : ( ن ) وسرد سائر السور المتقدمة في النوع الأول عن عكرمة على الترتيب عاطفاً كل سورة بثم ، وذكر بين : ص والجن : الأعراف ، وبين الملائكة وطه : كهيعص ، وسمى يونس : السابعة ، وقال حم المؤمن ثم حم السجدة ، ثم الأنبياء ، ثم النحل أربعين منها ، وبقيتها بالمدينة ، ثم نوح ، ثم الطور ، ثم المؤمنون ، ثم الملك ، وقدم : إذا السماء انفطرت على : إذا السماء انشقت – وقال بعد العنكبوت ثم " ويل للمطففين " فذاك مانزل بمكة ، ثم قال : وأنزل بالمدينة سورة البقرة فذكر سائر السور كما تقدم ، وجعل الصف بعد التغابن , ومن أوائل ما أنزل بمكة : الإسراء والكهف وطه .

ففي البخاري عن عبد الله بن مسعود أنه قال : إنهن من تلادي من العتاق الأول ، قال أبو عبيدة : يقول من أول ما أخذت من القرآن فشبهه بتلاد المال القديم .

وفي البخاري عن عائشة : أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام – لقد نزلت بمكة وإني جارية ألعب { والساعة أدهى وأمر } .

ومن أوائل ما نزل بالمدينة : الأنفال كما في الحديث المشهور عن عثمان أخرجه الحاكم وغيره .

فرع : من هذا النوع أول آية نزلت في القتال مطلقاً { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } الآية . رواه الحاكم وغيره عن ابن عباس .

وأول آية نزلت فيه بالمدينة :{ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ..} حكاه ابن جرير .

وأول آية نزلت في الأطعمة بمكة آية الأنعام { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ..} ثم آية النحل :{ فكلوا مما رزقكم الله } إلى آخرها – وبالمدينة : آية البقرة :{ إنما حرم عليكم الميتة } الآية .

ثم آية المائدة { حرمت عليكم الميتة } الآية قاله ابن الحصار .

وأول آية نزلت في الخمر :{ يسألونك عن الخمر والميسر } ثم آية النساء ، ثم آية المائدة ، رواه الترمذي وغيره من حديث عمر وصححه ، وقاله جماعة منهم : ابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس .

وأما آخر ما نزل : فروى الشيخان عن البراء بن عازب أنه قال : آخر آية نزلت :{ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } وآخر سورة نزلت : براءة .

وأخرج البخاري عن ابن عباس قال : آخر آية نزلت : آية الربا .

وروى البيهقي عن عمر مثله ، وأخرج أبو عبيد عن ابن شهاب قال : آخر القرآن عهداً بالعرش آية الربا وآية الدين .

وأخرج النسائي عن ابن عباس : آخر آية نزلت : { واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله } ورواه البيهقي في الدلائل وزاد : وبينهما وبين موت النبي – صلى الله عليه وسلم – أحد وثمانون يوماً .

وروى أيضاً عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس : أحد وثلاثون يوماً .

وروى أبو عبيد عن ابن جريج قال : زعموا أنه – صلى الله عليه وسلم – مكث بعدها سبع ليالٍ وبرئ يوم السبت ومات يوم الاثنين .

وروى الحاكم في المستدرك عن أبي بن كعب قال : آخر آية نزلت :{ لقد جاءكم رسول من أنفسكم } إلى آخرها .

وروى مسلم عن ابن عباس آخر سورة نزلت :{ إذا جاء نصر الله والفتح } .

وروى الترمذي والحاكم عن عائشة : آخر سورة نزلت المائدة فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه ، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه .

وروى الحاكم مثله أيضاً عن عبد الله بن عمرو وعثمان في حديثه المشهور : براءة من آخر القرآن نزولاً .

قال البيهقي : ويجمع بين هذه الاختلافات إن صحت بأن كل واحد أجاب بما عنده ولم يذكر البلقيني من هذه الأقوال إلا القليل .

ومن أغرب ما روي في هذا النوع ما رواه ابن جرير قال : أنبأنا أبو عامر السكوتي أنبأنا هشام بن عمار أنبأنا ابن عباس أنبأنا عمرو بن قيس الكندري أنه سمع معاوية بن أبي سفيان تلا هذه الآية :{ فمن كان يرجو لقاء ربه } الآية ، وقال : إنها آخر آية نزلت من القرآن .

قال ابن كثير : وهو أثَر مشكل ولعله أراد أنه لم ينزل بعدها آية نسختها و لا تُغيِّر حكمها بل هي مثبتة محكمة فاشتبه ذلك على بعض الرواة فراوه بالمعنى على ما فهمه ، انتهى .

 

*~*~*~*~*~*~*~*~*

 

 

النوع الرابع عشر :

 

 

ما عرف تاريخ نزوله عاماً وشهراً ويوماً وساعة ً.

 

هذا النوع من زيادتي وهو مهم وله أمثلة ، أولها وثانيها : اقرأ والفاتحة نزلتا عام المبعث لأنه مقارب لهما ، وعام المبعث سنة أربعين من مولده – صلى الله عليه وسلم – ومولده : عام الفيل هذا هو الصحيح في الأمرين الثابت في البخاري .

وقيل : عام ثلاث وأربعين من مولده ، وقيل : بعث عام أربعين ولم ينزل عليه القرآن إلا بعد ثلاث سنين ، وثبت في صحيح مسلم عن أبي قتادة أن اليوم الذي أنزلت عليه فيه يوم الاثنين . قال ابن إسحاق : وكان في شهر رمضان .

ثالثها : المدثر نزلت بعد اقرأ بسنتين أو أكثر كما في الصحيح .

الرابع : آية القبلة في السنة الثانية من الهجرة في رجب ففي الصحيح عن البراء أنه – صلى الله عليه وسلم – صلى إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً وكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة فأنزل الله :{ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام } فتوجه نحو الكعبة فقال السفهاء من الناس : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فأنزل الله : { قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } الحديث ، وفيه أن أول صلاة صلاها العصر فيكون نزولها بين الظهر والعصر ، وفي رواية في الصحيحين أنها نزلت ليلاً وسبق بيانها .

قال ابن حبيب : حولت في صلاة الظهر يوم الثلاثاء نصف شعبان .

الخامس : { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله } اختلف فيها فروى مسلم عن ابن عمر : كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه ، وفيه نزلت .

قال ابن الحصار : وهو – صلى الله عليه وسلم لم يدخل مكة بعد الهجرة إلا عام القضية سنة سبع وعام الفتح سنة ثمان وعام حجة الوداع سنة تسع ، وهذا أصح ما يعتمد عليه في نزولها .

السادس : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } قال ابن الحصار : نزلت في عام القضية أو الفتح أو الوداع .

السابع : آية الصيام في السنة الثانية في شعبان .

الثامن :{ فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه } سنة ست في ذي القعدة .

التاسع :{ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } نزلت في سرية عبد الله بن جحش سنة اثنين في رجب .

العاشر : { لا إكراه في الدين } الآية روى ابن حبان وغيره عن ابن عباس قال : كانت امرأة تكون مقللة فتجعل على نفسها إن عاش لها ولدان سهولة ، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم م أبناء الأنصار فقالوا : لا ندع أبناءنا فأنزل الله هذه الآية وأجلي بنو النضير في ربيع الأول سنة أربع انتهى .

الحادي عشر : من أول آل عمران إلى ثلاث وثمانين آية نزل في وفد نجران سنة تسع رواه ابن إسحاق في السيرة .

الثاني عشر : ما فيها من قصة أحد وأوله :{ وإذ غدوت من أهلك ..} سنة ثلاث في أواخرها ، وكان يوم الوقعة يوم السبت لإحدى عشرة خلت من شوال ، وقيل : يوم النصف منه .

الثالث عشر : { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ..} الآية نزلت كما روى ابن جرير وابن مردويه من حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي حين مات فقال المنافقون : يصلي على علج مات بأرض الحبشة فنزلت هذه الآية .

وروى ابن مردويه نحوه من حديث أنس ، ومات النجاشي سنة تسع .

الرابع عشر : { يوصيكم الله في أولادكم } نزلت بأثر أحدكما روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن جابر : جاءت امرأة سعد بن الربيع فقالت : يارسول الله : هاتان ابنتا سعد ، قتل أبوهما معك في أحد وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً فنزلت آية الميراث .

الخامس عشر : { والمحصنات من النساء } الآية ، روى مسلم عن أبي سعيد أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أصابوا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج فكرهوا غشيانهن فنزلت هذه الآية ، وأوطاس : هي غزوة حنين وكانت سنة ثمان بعد الفتح بقليل .

السادس عشر : { إن الله يأمركم } الآية ، يوم فتح مكة سنة ثمان في رمضان .

السابع عشر : { فمالكم في المنافقين فئتين ..} بأثر أحُد لما في الصحيحين عن زيد بن ثابت أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خرج إلى أحد فرجع ناس فكان الصحابة فيهم فرقتين : فرقة تقول : ( نقتلهم ، وفرقة تقول : لا فنزلت )

الثامن عشر : { وما كان لؤمن أن يقتل مؤمناً } ، قال مجاهد وغيره : نزلت في يوم الفتح .

التاسع عشر : آية القصر سنة أربع .

العشرون : آية صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع في المحرم سنة خمس .

الحادي والعشرون : آية الكلالة في حجة الوداع .

الثاني والعشرون : أول المائدة بها أيضاً .

الثالث والعشرون :{ اليوم أكملت لكم دينكم ...} فيها أيضاً يوم عرفة يوم الجمعة والنبي – صلى الله عليه وسلم – واقف بها ، وفي رواية عن ابن عباس عند البيهقي في الدلائل يوم الاثنين وهو مخالف لما في الصحيح .

الرابع والعشرون : آية التيمم بها في القفول من غزوة المريسيع وكانت في شعبان سنة ست وقيل خمس وقيل أ{بع .

الخامس والعشرون :{ إنما جزاؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا ..} الآية ، في قصة العرنيين في سنة ست ، وآية تحريم الخمر في محاصرة بني النضير في ربيع الأول سنة أربع .

السادس والعشرون : سورة الأنفال ، بعضها يوم بدر ، وبعضها بأثرها ، وكانت في رمضان .

ومنها آية الثلاثة الذين خلفوا بعد مقدمه بخمسين ليلة .

الثامن والعشرون : { هو الذي يريكم البرق..} إلى : { شديد المحال } نزلت لما قدم وفد بني عامر وقدومهم سنة تسع .

التاسع والعشرون : خواتيم سورة النحل إما يوم أحد أو يوم الفتح كما تقدم .

الثلاثون : أول الإسراء واختلف فيه ، فقيل : قبل الهجرة بسنة ، وقيل : بأحد عشر شهراً ، وقيل : بثانية أشهر ، وقيل : بستة أشهر ، وقيل : بخمسة عشر شهراً ، وقيل : بسبعة عشر ، وقيل : بعشرين ، وقيل : بثلاث سنين ، وقيل : بخمسين ، وقيل : كان بعد البعثة بخمس سنين ، وقيل : بخمسة عشر شهراً ، وقيل : بعام ونصف ، واختلف في الشهر فقيل : في ربيع الأول ، وقيل : الآخر ، وقيل : رجب ، وقيل : رمضان ، وقيل : شوال ، وقد بسطت الكلام على هذه الأقوال في شرح الأسماء النبوية .

الحادي والثلاثون : { هذان خصمان } يوم بدر أو بأثره .

الثاني والثلاثون : { أذن للذين يقاتلون ..} في سفر الهجرة وكان في ربيع الأول بعد النبوة بثلاث عشرة سنة ، وقيل : عشر سنين .

الثالث والثلاثون : قصة الإفك سنة غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع وتقدم تاريخها .

الرابع والثلاثون : آية الاستئذان في النور سنة عشر .

الخامس والثلاثون : آية الحجاب في الأحزاب ، والآية في تزويج زينب بنت جحش سنة أربع .

السادس والثلاثون : { إنك لاتهدي من أحببت ..} في وفاة أبي طالب ، وكذا أول : ص ، وكانت وفاته سنة عشر من المبعث قبل الهجرة بثلاث سنين .

السابع والثلاثون : ما في الأحزاب من آيات الخندق وكانت في شوال سنة خمس ، وقيل أربع .

الثامن والثلاثون : آخر الأحقاف في قصة الجن ، سنة عشر من النبوة .

التاسع والثلاثون : سورة القتال سنة ست .

الأربعون : سورة الفتح سنة ست في ذي القعدة .

الحادي والأربعون : أول المجادلة سنة ست .

الثاني والأربعون : الحشر في بني النضير سنة خمس في ربيع الأول بعد خمسة أشهر من أحد ، وقيل : بعد ستة وثلاثين شهراً منها .

الثالث والأربعون : سورة المنافقين ، في غزوة بني المصطلق أو تبوك كما تقدم .

الرابع والأربعون : سورة النصر نزلت في أوسط أيام التشريق عام حجة الوداع ، رواه البزار والبيهقي .

فهذه عيون أمثلتها ولم نستوعبها حذراً من التطويل ، وفيما تقدم من الأنواع أمثلة تدخل في هذا النوع ، وفي هذا النوع أمثلى للسفري غير ما تقدم ، والله أعلم .

النوع الخامس عشر والسادس عشر :

ما نزل فيه ولم ينزل على أحد قبل لنبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل منه على بعض الأنبياء.

هذان نوعان من زيادتي ، ومن أمثلة الأول : الفاتحة وخواتيم سورة البقرة ، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس : أتى النبي صلى الله عليه وسلم – ملك وقال : أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة .

وأما الثاني : فأمثلته كثيرة ، فروى الحاكم وصححه من طريق عطاء عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما نزلت ( سبح اسم ربك الأعلى ) قال صلى الله عليه وسلم : " كلها في صحف إبراهيم وموسى ، فلما نزلت : { والنجم إذا هوى } فبلغ : { وإبراهيم الذي وفى } قال : " وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى} إلى قوله :{ هذا نذير من النذر الأولى }.

وروى أيضاً من طريق القاسم عن أبي أمامة قال : أنزل الله على إبراهيم مما أنزل على محمد { التائبون العابدون } إلى آخر الآية : { قد أفلح المؤمنون } إلى قوله : { فيها خالدون } و { إن المسلمين والمسلمات } الآية ، والتي في سأل { الذين هم على صلاتهم دائمون }إلى قوله : { قائمون } فلم يف بهذه السهام إلا إبراهيم و محمد صلى الله عليه وسلم .

وروى أيضاً من طريق عطاء عن ميسرة أن هذه الآية مكتوبة في التوراة بسبعمائة آية :{ يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم } أول سورة الجمعة .

وروى البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه يعني النبي صلى الله عليه وسلم الموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً } وحرزاً للأميين الحديث .

وروى البيهقي في الشعب من طريق الوليد بن العيزار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : السبع الطوال لم يعطهن أحد إلا النبي صلى الله عليه وسلم ، وأعطي منها اثنين .

وروى أيضاً من طريق أبي المليح عن معقل بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول ، وأعطيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى ، وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش ، والمفصل نافلة "

فالظاهر أن ( من ) في قوله :" من ألواح موسى " للتبعيض وهي فيما بعده ، ويحتمل أن تكون للبدل فلا يكون مما أعطي موسى .

وروى أبو عبيد عن كعب قال : أول ما أنزل الله ي التوراة : بسم الله الرحمن الرحيم :{ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } الآيات .

وبقي أمثلة أخرى .

وقد يدخل في هذا النوع البسملة ؛ لأنها نزلت على سليمان ، وقد روى الدار قطني وغيره من حديث بريده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لأعلمنك آية لم تنزل على نبي بعد سليمان غيري "فذكرها .

وروى البيهقي عن ابن عباس : " أيها الناس : آية من كتاب الله لم تنزل على أحد سوى النبي – صلى الله عليه وسلم – إلا أن يكون سليمان بن داوود " فذكرها .

 

*~*~*~*~*~*~*~*~*~*

 

 

النوع السابع عشر :

 

 

ما تكرر نزوله .

 

هذا النوع من زيادتي ، وقد صرح جماعة من المتقدمين والمتأخرين بأن من القرآن ما تكرر نزوله ، وذكر منه ابن الحصار : خواتيم سورة النحل ، وأول سورة الروم كما سبق . وقال : قد يتكرر نزول الآية تذكيراً وموعظة كما سبق .

وذكر منه ابن كثير :{ ويسألونك عن الروح ..} . وذكر منه جماعة : الفاتحة ، ومنه كل ما اختلف في سبب نزوله أو تأخر وقته وسند كل من الروايتين صحيح ولم يمكن الجمع وهو أشياء كثيرة ، ومن راجع أسباب النزول وجد من ذلك كثيراً ، ومنه البسملة : فقد نزلت في أول كل سورة ، وفي النمل ، وروى أبو داوود من حديث ابن عباس كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه : بسم الله الرحمن الرحيم ، فإذا نزلت عرف أن السورة قد ختمت واستقبلت أو ابتدئت سورة أخرى ، والأحاديث الدالة على نزول البسملة أول كل سورة إلا ( براءة ) لا تحصى كثرة ، وعندي أنها بلغت مبلغ القطع والتواتر ، وإنما لم يكفرنا فيها لشبهة الخلاف ، وكما لا يكفر منكر المتواتر من الحديث ، ويلحق بهذا النوع الآيات التي كررت في معنى واحد كالقصص والأوامر والنواهي ، وفائدتها : التأكيد ، ولتجديد الأمر في القلوب وقع .

 

*~*~*~*~*~*~*~*~*

 

 

النوع الثامن عشر والتاسع عشر :

 

 

ما نزل مفرقاً وما نزل جمعاً .

 

هذان النوعان من زيادتي ، والأول كثير لأنه غالب القرآن ومن أمثلته في السور القصار :{ اقرأ باسم ربك الذي خلق } أول ما نزل منها إلى قوله :{ مالم يعلم } ، والضحى ، ففي الصحيحين أول ما نزل منها إلى قوله :{ وما قلى } ، وفي حديث أن :{ وللآخرة خير لك من الأولى } نزلت وحدها .

وروى ابن جرير أن : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } نزلت وحدها ، وكذلك سورة الليل غالب آياتها نزلت مفرقة .

وأما النوع الثاني : فمنه ( الأنعام ) إن صح الحديث السابق فيها . ومنه سورة ( الصف ) ففي المستدرك وغيره من حديث عبد الله بن سلام قال : قعدنا نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا : لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله عملناه فأنزل الله :{ سبح لله مافي السماوات وما في الأرض } إلى آخر السورة ، فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا .

ومنه : ( المرسلات ) ففي المستدرك عن ابن مسعود قال : كنا النبي صلى الله عليه وسلم في غار فنزلت عليه :{ والمرسلات عرفاً } فأخذتها من فيه ، وإن فاه رطب بها ، فلا أدري بأيها ختمت :{ فبأي حديث بعده يؤمنون } أو { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} .

ومنه سورة العصر و الكوثر والنصر وتبَّت والإخلاص ، ومنه الفاتحة ، خلافاً لما حكي عن أبي الليث أنها نزلت نصفين ، ومن هذا النوع سورتان نزلتا معاً وهما : المعوذتان . والله سبحانه أعلم .

 

*~*~*~*~*~*~*~*

 

 

النوع العشرون :

 

 

كيفية النزول.

 

هذا النوع من زيادتي وفيه مسائل : الأولى : في نزوله من اللوح المحفوظ .

روى الحاكم في المستدرك والبيهقي من طريق منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا وكان بمواقع النجوم ، وكان الله ينزل على رسوله صلى الله عليه وسلم بعضه في إثر بعض ، وروى الحاكم أيضاً من طريق يزيد بن هارون عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال : أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك بعشرين سنة ، وروى أيضاً من طريق سفيان عن الأعمش عن حسان بن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا .

وروى ابن مردويه من طريق السدي عن محمد بن أبي المجالد عن معمر عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود فقال : أوقع في قلبي الشك قوله تعالى :{ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن }.

وقوله : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } وهذا نزل في شوال وذا في ذي القعدة إلى آخره ، فقال ابن عباس : إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة ، ثم أنزل على مواقع ترتيلاً في الشهور والأيام .

وروى أحمد في مسنده عن وائلة بن الأسفع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان ، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان ، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان ، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان "

قال الفخر الرازي : ويحتمل أنه كان ينزل في كل ليلة قدر ما يحتاج الناس إلى إنزاله إلى مثلها من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ، وهل هذا أولى ؟ قال ابن كثير : وهذا الذي جعله احتمالاً نقله القرطبي عن مقاتل وابن حبان ، وحكي الإجماع على أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا ، قلت : ويوافق قول الرازي ومقاتل : ما تقدم عن ابن شهاب أنه قال : آخر القرآن عهداً بالعرش آية الربا وآية الدين .

الثانية : في قدر ما كان ينزل منه :

روى البيهقي في شعب الإيمان من طريق وكيع عن خالد بن دينار قال : قال لنا أبو العالية : تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات . فإن النبي - صلى الله عليه وسلم – كان يأخذه من جبريل خمساً خمساً ، ثم روى مثله من طريق أبي جلدة عن أبي العالية عن عمر ولفظه : فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي – صلى الله عليه وسلم – خمساً خمساً ، قال : ورواية وكيع أصح .

قلت : وله شاهد عن علي سيأتي في المسلسل ، وفي النفس من هذا كله شيء ، والذي أستقرئ من الأحاديث الصحيحة وغيرها أن القرآن كان ينزل على حسب الحاجة خمساً وعشراً وأكثر وأقل وآية وآيتين ، وقد صح نزول قصة الإفك جملة وهي عشر آيات ، ونزول بعض آية وهي قوله تعالى :{ غير أولي الضرر } .

الثالثة : كيفية الإنزال والوحي : قال شيخنا العلامة الكافيجي وقبله الطيبي : لعل نزول القرآن على الرسول – صلى الله عليه وسلم – أن يتلقفه الملك من الله تلقفاً روحانياً أو يحفظه من اللوح المحفوظ فينزل به إلى الرسول ويلقيه عليه .

وقد ذكر العلماء للوحي كيفيات :

إحداها : أن يأتيه في مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليه كما في الصحيح .

الثانية : أن ينفث في روعه الكلام نفثاً كما قال – صلى الله عليه وسلم - :" إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها ".

الثالثة : أن يأتيه فيكلمه كما في حديث ابن عباس عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال :" كان من الأنبياء من يسمع الصوت فيكون بذلك نبياً ، وإن جبريل يأتيني فيكلمني كما يأتي أحدكم صاحبه فيكلمه ".

الرابعة : أن يكلمه الله إما في في اليقظة كما في ليلة الإسراء أو في النوم كما في حديث معاذ :"أتاني ربي في أحسن صورة فقال : فيم يختصم الملأ الأعلى " الحديث .

الخامسة : أنيأتيه الملك في النوم ، وفي الصحيح : " أول ما بدئ به رسول الله – صلى الله عليه وسلم –من الوحي الرؤيا الصادقة ، قال ابن سيد الناس : وعن الشعبي أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وُكِّل به جبريل فجاءه بالقرآن والوحي ، قال : فهذه حالة سادسة . وأما إتيان الملك فتارة كان يأتيه في صورته له ستمائة جناح ، وتارة في صورة دحية الكلبي .

المسألة الرابعة : في الأحرف التي ورد الحديث بنزول القرآن بها ، والكلام في ذلك مسائل :

الأولى :

في بيان الحديث : فروى الشيخان من حديث عمر قال : سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فكدت أساوره في الصلاة فصبرت حتى سلم فلببته بردائه فقلت : من أقرأك هذه السورة ؟ قال : رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقلت : يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها ، فقال : أرسله ، اقرأ يا هشام ، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأها ، فقال : كذلك أنزلت ، ثم قال : اقرأ يا عمر ، فقرأت القراءة التي أقرأني . فقال : كذلك أنزلت ، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ماتيسر منه ".

وروي عن ابن عباس : أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : أقرأني جبريل على حرف فراجعته ، فلم أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف " .

وعند مسلم من حديث أبيّ : " إن ربي أرسل إليّ أن اقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هون على أمتي ، فأرسل إلى أن اقرأ القرآن على حرفين ، فرددت إليه أن هون على أمتي ، فأرسل إلى أن اقرأعلى سبعةأحرف ، وفي لفظ عنه عند النسائي : ( أن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري ) فقال جبريل : اقرأ القرآن على حرف ، فقال ميكائيل : استزده ، حتى بلغ سبعة أحرف ، وكل حرف كافٍ شافٍ ، وفي لفظ عنه : عن ابن جرير أن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت : خفف عن أمتي ، فقال : اقرأه على حرفين ، فقلت : خفف على أمتي ، فأمرني أن أقرأ على سبعة أحرف من سبعة أبواب الجنة ، كلها شافٍ كافٍ " وفي لفظ مسلم : " فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا " وفي لفظ لأبي داود عنه :" ليس منها إلا شافٍ كافٍ ".

قلت :

سميعاً عليماً عزيزاً حكيماً ، ما لم تخُلط آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب .

وفي لفظ الترمذي عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لجبريل : " إني بعثت إلى أمة أميين فيهم الشيخ الفاني والعجوز الكبيرة والغلام فقال : مرهم فليقرأوا القرآن على سبعة أحرف ".

ورواه أحمد بهذا اللفظ من حديث حذيفة وزاد :" فمن قرأ منهم على حرف فليقرأ كما عُلم ولا يرجع فيه ، وفيلفظ له :" فلا يتحول منه إلى غيره رغبة عنه ، وفي لفظ له عن أبي بكرة : كلها شاف كاف ما لم تختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة ، وزاد ابن جرير عنه :" كقولك : هلم ، وتعال " .

وفي لفظ لأحمد عن أم أيوب أنها قرأت : أجزاك .

وروى ابن جرير عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف : زاجر ، وآمر ، وحلال ، وحرام ، ومحكم ، ومتشابه ، وأمثال . فأحلوا حلاله ، وحرموا حرامه ، وافعلوا ما أمرتم به ، وانتهوا عما نهيتم عنه ، واعتبروا بأمثاله ، واعملوا بمحكمه ، وآمنوا بمتشابهه ، وقولوا : آمنا به كل من عند ربنا " رواه عنه موقوفاً. قال ابن كثير : وهو أشبه .

وروينا حديث السبعة أحرف عن جماعة من الصحابة غير من تقدم وهم : عبد الرحمن بن عوف ، ومعاذ ، وأبو هريرة ، وأبو سعيد الخدري ، وعمرو بن العاص ، وزيد بن الأرقم ، وسمرة ، وأنس ، وعمر بن أبي سلمة ، وأبو جهيم ، وأبو طلحة الأنصاري ، وسليمان بن صرد ، والخزاعي .

وفي مسند أبي يعلى أن عثمان قال على المنبر : أذكِّر الله رجلاً سمع النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : " إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ – فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا بذلك فقال : وأنا أشهد معهم ".

وقد نص أبو عبيد على أن هذا الحديث تواتر عن النبي – صلى الله عليه وسلم - .

الثانية : اختلف في المقصود بهذه السبعة على نحو أربعين قولاً ، وأنا أذكر منها ، ماهو أوجه الشبه وأشبه . فقال خلق منهم : سفيان بن عيينة ، وابن جرير ، ونسبه بعضهم لأكثر العلماء على أن المراد : سبعة أوجهٍ من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو : أقبل ، وتعال ، وهلم ، كما تقدم في بعض ألفاظ أبي بكرة . وروي عن أبيّ أنه كان يقرأ :{ يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا } للذين آمنوا أمهلونا – للذين آمنوا أخرونا – للذين آمنوا ارقبونا – وكان يقرأ :{ كلما أضاء لهم مشوا فيه } مروا فيه – سعوا فيه .

قال الطحاوي : وإنما كان ذلك رخصة أن يقرأ الناس القرآن على سبع لغات لما كان يتعسر على كثير منهم التلاوة على لغة قريش ، وقراءة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الكتابة والحفظ ، وكذا قال ابن عبد البر ، والقاضي الباقلاني .

وقال آخرون : : وروى عن ابن عباس : على سبع لغات منها سبع لغات بلغة العجُز من هوازن ، قال أبو عبيد : وهم : بنو سعد بن بكر ، وجشم ، ونصر بن ميمونة ، و ثقيف ، وهم أفصح العرب ، والأخريان : قريش ، وخزيمة ، وقال الهروي : المراد على سبع لغات ، أي أنها متفرقة في القرآن فبعضه بلغة قريش ، وبعضه بلغة هوازن ، وبعضه بلغة هذيل .

وقال بعضهم : المراد بها : معاني الأحكام كالحلال والحرام ، والمحكم والمتشابه والوعد والوعيد ونحو ذلك ، وكل ذلك ضعيف ما عدا الأول فإنه أقرب ، والصواب أن المراد بها اختلاف القراءات .

ثم قال أبو عبيد : ليس المراد أن جميعه يُقرأ على سبعة أحرف ولكن بعضه على حرف وبعضه على آخر ، واختاره ابن عطية ، وكذا قال أبو عمرو الداني : المراد على سبعة أوجه وأنحاء من القراءات .

قال بعضهم : ليس المراد بالسبعة الحصر فيها بحيث لا يزيد ولا ينقص بل السعة والتيسير وأنه لا حرج عليهم في قراءته بما أذن لهم فيه والعرب يطلقون لفظ السبعة والسبعين والسبعمائة ولا يريدون حقيقة العدد بل التكثير ، ورده ابن الجزَري بأن في بعض ألفاظه : " فنظرت إلى ميكائيل فسكتّ – فعلمت أنه قد انتهت العدة ، فدل على أن حقيقة العدد وانحصاره مراد ، قال : وقد تتبعت صحيح القراءات وشاذها وضعيفها ومنكرها فإذا هو يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه لا تخرج عنها وذلك : إما في الحركات بلا تغير في المعنى والصورة نحو : { بالبُخل } بأربعة ويحسب بوجهين ، أو بتغير في المعنى فقط نحو : { فتلقى آدم من ربه كلمات } وإما في الحروف بتغير المعنى لا الصورة نحو : ( تتلو ) أو عكس ذلك نحو :{ الصراط السراط ) أو بتغيرهما نحو :{ وامضوا واسعوا } .

وإما في التقديم والتأخير نحو :{ فيُقتلون ويَقتلون } أو في الزيادة والنقصان نحو :{ أوصى ووصى } فهذه سبعة لا يخرج الاختلاف عنها .

وأما نحو اختلاف الإظهار والإدغام والروم والإشمام والتحقيق والتسهيل والنقل والإبدال ، فهذا ليس من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللفظ والمعنى ، لأن هذه الصفات المتنوعة في أدائه لا تُخرجه عن أن يكون لفظاً واحداً .

وقد ظن كثير من العوام والجهلة أن السبعة الأحرف هي قراءات القراء السبعة وهو جهل قبيح .

الثالثة : هل المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة فذهب جماعات من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى ذلك وبنوا عليه أنه لايجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء منها .

وقد أجمع الصحابة على نقل المصاحف العثمانية من المصحف الذي كتبه أبو بكر وعمر وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك .

قال ابن الجزري : وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أنها مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي – صلى الله عليه وسلم – على جبريل متضمنة لها لم تترك حرفاً منها ، وهذا الذي يظهر صوابه ، ويجاب عن الأول بما قال جرير :

إن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبة على الأمة وإنما كان جائزاً لهم ، ومرخصاً لهم فيها فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف إذا لم يجتمعوا على حرف واحد اجتمعوا على ذلك اجتماعاً شائعاً وهم معصومون من الضلال ولم يكن في ذلك ترك واجب ولا فعل حرام ، ولا شك أن القرآن نسخ منه في العرضة الأخيرة وغُيِّر ، فاتفق الصحابة على أن يكتبوا ما تحققوا أنه قرآن ، مستقر في العرضة الأخيرة وتركوا ما سوى ذلك .

الرابعة : السبب في نزول القرآن على هذه الأحرف التيسير والتسهيل على هذه الأمة ، والنهاية في إعجاز القرآن وإيجازه وبلاغة اختصاره إذ تنوع اللفظ بمنزلة آيات ولو جعل دلالة كل آية لم يخف ما فيه من التطويل ، وإظهار شرف القرآن بعدم تطرق التضاد والتناقض إليه مع كثرة هذه الاختلافات والتنوعات ، وإعظام أجور الأمة في إفراغهم الجهد في تتبع معاني ذلك واستنباط الحِكَم والأحكام من كل لفظة ، وإظهار فضلها إذ لم ينزل كتاب غيرهم إلا على وجه واحد تشريفاً لنبينا عليه الصلاة والسلام . انتهى .

 

*~*~*~*~*~*~*~*~*~*

 

 

النوع الحادي والثاني والثالث والعشرون :

 

 

المتواتر والآحاد والشاذ.

 

قال البلقيني : اعلم أن القراءات تنقسم إلى متواتر وشاذ .

فالمتواتر : القراءات السبع المشهور ، والمراد بذلك : ما قرأوه من الحركات والحروف دون ما كان من قبيل تأدية اللفظ من أنواع الإمالة ، والمد ، والتخفيف فليس بمتواتر ، نعم أصل المد والإمالة والتخفيف متواتر لاشتراك القراء فيه ، وأما ما عدا السبعة من قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع ويعقوب واختيارات خلف التي هي تمام العشر فإنها ليست من المتواتر على الأرجح ، ومن جعلها منه من المتأخرين ففي قوله نظر لأن المتواتر في السبع إنما جاء من تلقي أهل الأمصار لها من غير نكير ، وقراءة المذكورين لم يتلقها أهل الأمصار كتلقي تلك القراءات والذي يظهر أن هذه القراءات يطلق عليها آحاد ، ويلحق بالآحاد : قراءات الصحابة ، أما قراءات التابعين كابن جبير ويحي بن وثاب والأعمش ونحوهم فمعدودة من الشاذ إذ لم تشتهر كباقي العشرة ولو كان في الحديث لأطلق عليه مرسل .

ولا يُقرأ في الصلاة إلا بالمتواتر دون الآحاد والشاذ ، ومما يدل على هذا التقسيم أن الأصحاب تكلموا على القراءة الشاذة فقالوا : إن جرت مجرى التفسير والبيان عُمل بها ، وإن لم يكن كذلك فإن عارضها خبرٌ ، مرفوعٌ قُدم عليها أو قياس ففي العمل بها قولان فأنزلوا قراءة الصحابة منزلة خبر الواحد ، والقراءات الثلاث متصلة بالصحابة . انتهى كلامه .

وفيه أنظار في مواضع منه تُعرف بما سنذكره ، فقال السبكي في شرح المنهاج : قالوا تجوز القراءة في الصلاة وغيرها بالسبع ولا تجوز بالشاذ ، وظاهر هذا يوهم أن غير السبع شاذ ، وقد نقل البُغوي في تفسيره الاتفاق على القراءة بالثلاث أيضاً. قال : وهذا هو الصواب ، قال : الخارج عن السبع منه ما يخالف رسم المصحف فلا شك في تحريم القراءة به ، ومنه ما لا يخالفه ولم تشتهر القراءة به بل ورد من طريق غريبة لا يُعوَّل عليها ، وهذا يُظهر المنعَ من القراءة به أيضاً.

ومنه ما اشتهر عند أئمة هذا الشأن القراءةُ به قديماً وحديثاً ، فهذا لا وجه للمنع منه ، ومن ذلك قراءة يعقوب وغيره ، قال : و البغوي أولى من يُعتمد عليه في ذلك فإنه مُقرئ فقيهٌ جامع للعلوم . قال : وهكذا التفصيل في شواذ السبعة فإن عنهم شيئاً كثيراً شاذاً ، انتهى .

وقال ولده في منع الموانع : القولُ بأن الثلاثة غير متواترة في غاية السقوط ولا يصح القول به عمن يُعتبر قوله في الدين وهي لا تخالف رسم المصحف ، قال : وقد سمعت الشيخ الإمام يعني والده يشدد النكير على بعض القضاة وقد بلغه أنه منع القراءة بها وكذا قال ابن الصلاح في فتاويه : يُشترط أن يكون المقروء به قد تواتر نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآناً واستفاض وتلقته الأمة بالقبول ، فما لم يوجد فيه ذلك مما عدا السبع أو العشر فممنوع من القراءة به منع تحريم لا منع كراهة ، لأن المعتبر في ذلك اليقين والقطع على ما تقرر في الأصول .

وقال ابن الجزري في النشر : كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً ، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها سواء كانت عن السبعة أو العشرة أو غيرهم من الأئمة المقبولين ، ومتى اختل ركنٌ من الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أو عمن هو أكبر منهم ، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف صرح بذلك أبو عمرو الداني ومكي والعباس المهدوي وأبو شامة ونقل مثله عن الكواشي وأبي حيان قال : وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه ، قال أبو شامة : فلا ينبغي أن يُغتر بكل قراءة تُعزى إلى واحد من الأئمة السبعة ويطلق عليها لفظ الصحة وأنها هكذا أنزلت إلا إذا دخلت في هذا الضابط ، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره ، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم ، بل إن نقلت عن غيرهم من القراء لم تخرج عن الصحة فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا على من تُنسب إليه فإن القراءة المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما ينقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم ، ثم قال ابن الجزري : وقولنا في الضابط ( ولو بوجه ) نريد به وجهاً من وجوه النحو سواءً كان أفصح أو فصيحاً مجمعاً عليه أو مختلفاً فيه اختلافاً لا يضر مثله إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم ، وكم من قراءة أنكرها بعضُ أهل النحو أو كثير منهم ولم يُعتبر إنكارُهم كإسكان )بارئْكم و يأْمرْكم ) وخفض : ( والأرحامِ) ونصب ) لنجزيَ قوماً ) والفصل بين المضافين في الأنعام وغير ذلك .

قال الداني : وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية ، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل ، وإذا ثبتت الرواية لم يردها قياس عربية ، ولا فشو لغة لأن القراءة سنة متتبعة يلتزم قبولها والمصير إليها ثم قال : ونعني بموافقة أحد المصاحف : ما كان ثابتاً في بعضها دون بعض كقراءة ابن عامر : { وقالوا اتخذ الله ولداً } في البقرة بغير واو ، { وبالزبر وبالكتاب المنير } بالباء فيهما ، فإن ذلك ثابت في المصحف الشامي ، وكقراءة ابن كثير :{ تجري من تحتها الأنهار } في آخر براءة بزيادة ( من ) فإنه ثابت في المصحف المكي ونحو ذلك ، فإن لم تكن في شيء من المصاحف العثمانية فشاذة لمخالفتها الرسم المجمع عليه .

وقولنا : ( ولو احتمالاً ) نعني به : ما وافقه تقديراً ( كملك يوم الدين ) فإنه كتب في الجميع بلا ألف ، فقراءة الحذف توافقه تحقيقاً ، وقراءة الألف توافقه تقديراً لحذفها في الخط اختصاراً ، كما كتب { ملك يوم الدين } وقد يوافق اختلاف القراءات الرسم تحقيقاً نحو : ( تعلمون ) بالتاء والياء ، و( يغفر لكم ) بالياء والنون ، ونحو ذلك مما يدل تجرده عن النقط والشكل في حذفه وإثباته على فضل عظيم للصحابة في علم الهجاء خاصة وفهم ثاقب في تحقيق كل علم .

وانظر كيف كتبوا : ( الصراط ) بالصاد المبدلة من السين وعدلوا عن السين التي هي الأصل ليكون قراءة السين وإن خالفت الرسم من وجهٍ قد أتت على الأصل فيعتدلان ، وتكون قراءة الإشمام محتملة ، ولو كتب ذلك بالسين على الأصل لفات ذلك وعُدت قراءة غير السين مخالفة للرسم والأصل ، ولذلك اختلف في رسم ( بصطة ) الأعراف دون : ( بسطة ) البقرة ؛ لكون حرف البقرة كُتب بالسين والأعراف بالصاد ، على أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعد مخالفاً إذا ثبتت القراءة به ووردت مشهورة مستفاضة ، ولذا لم يعدوا إثبات ياء الزوائد ، وحذف ياء { فلا تسألني } في الكهف ، وواو { وأكن من الصالحين } والظاء من : { بضنين } ونحوه من مخالفة الرسم المردودة ، فإن الخلاف في ذلك مغتفر إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد ، وتمشيه صحةُ القراءة وشهرتها وتلقيها بالقبول بخلاف زيادة كلمة ونقصانها وتقديمها وتأخيرها حتى ولو كانت حرفاً واحداً من حروف المعاني فإن حكمه في حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرسم فيه ، وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته .

قال : وقولنا : ( وصح سندها ) يعني به أن يروي تلك القراءة العدلُ الضابط عن مثله كذا حتى تنتهي وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ بها بعضهم قال : وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن ولم يكتف بصحة السند وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن ، قال : وهذا مما لا يخفى ما فيه ، فإن التواتر إذا ثبت لا يُحتاجُ فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره ، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواتراً عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب قبوله وقطع بكونه قرآناً سواءً وافق الرسم أم لا ، وإذا شرطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن السبعة ، قال أبو شامة : شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن السبع كلها متواترة أي كل فرد فرد مما روي عنهم ، قالوا : والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب ونحن بهذا نقول ، ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق واتفقت عليه الفرق من غير نكير له ، فلا أقل من اشتراط ذلك إذا لم يتفق التواتر في بعضها ، وقال الجعبري : الشرط واحد وهو صحة النقل ويلزم الآخران فمن أحكم معرفة حال النقلة وأمعن في العربية وأتقن الرسم انجلت له هذه الشبهة ، وقال مكي : ما روي في القرآن على ثلاثة أقسام : قسم يقرأ به ويكفر جاحده ، وهو ما نقله الثقات ووافق العربية وخط المصحف ، وقسم صح نقله عن الآحاد وصح في العربية وخالف لفظه الخط فيقبل ولا يقرأ به لأمرين : مخالفته لما أجمع عليه ، وأنه لم يؤخذ بإجماع بل بخبر الآحاد ولا يثبت به قرآن ولا يكفر جاحده وبئس ما صنع إذا جحده ، وقسم نقله ثقة ولا وجه له في العربية أو نقله غير ثقة فلا يقبل وإن وافق الخط .

قال ابن الجزري : مثال الأول كثير : كقراءة ) مالك يوم الدين ) و( يخدعون ويخادعون ) ومثال الثاني : قراءة ابن مسعود وغيره : ( والذكر والأنثى ) وقراءة ابن عباس : { وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة } ونحو ذلك .

قال : واختلف العلماء في القراءة بذلك في الصلاة ، والأكثر على المنع ؛ لأنها لم تتواتر ولم تثبت بالنقل فهي منسوخة بالعرضة الأخيرة أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني ، ومثال ما نقله غير ثقة كثير مما في كتب الشواذ مما غالب إسناده ضعيف ، وكالقراءة المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة التي جمعها أبو الفضل محمد بن الفضل الخزاعي ونقلها عنه : أبو القاسم الهذلي ومنها :{ إنما يخشى الله من عباده العلماء } برفع الله ونصب العلماء ، وقد كتب الدار قطني وجماعة : بأن هذا الكتاب موضوع لا أصل له .

والدار قطني المذكور هو الحافظ أبو الحسن المشهور كان من أئمة المقرئين أيضاً .

ومثال ما نقله ثقات ولا وجه له في العربية قليل لا يكاد يوجد ، وجعل بعضهم منه رواية خارجة عن نافع { معائش } بالهمز.

قال : وبقي قسم رابع مردود أيضاً ، وهو ما وافق العربية والرسم ولم ينقل البتة ، فهذا رده أحق ومنعه أشد ومرتكبه مرتكب لعظيم من الكبائر ، وقد ذكر جواز ذلك عن أبي بكر بن مقسم وعقد له بسبب ذلك مجلس وأجمعوا على منعه ومن ثم امتنعت القراءة بالقياس المطلق الذي لا أصل له يرجع إليه ، ولا ركن وثيق يعتمد عليه في الأداء عليه ، قال : أما ماله أصل كذلك فإنه مما يصار إلى قبول القياس عليه كقياس إدغام :{ قال رجلان } على :{ قال رب } ونحوه مما لا يخالف نصاً ولا أصلاً ولا يرد إجماعاً مع أنه قليل جداً .

قلت : قد أتقن الإمام ابن الجزري هذا الفصل جداً ، وقد تحرر لي منه أن روايات القرآن على أنواع :

الأول : المتواتر : وهو ما نقله جمع عن جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه .

الثاني : الآحاد الذي فقد فيه التواتر ، وهو ما صح سنده ووافق العربية والرسم واشتهر عند القراء فلم يعدوه من الغلط ولا من الشذوذ ويُقرأ به على ما قاله ابن الجزري ، والشرط الأخير وإن لم يذكره في أول كلامه فقد ذكره في آخر الكلام على الضابط ولا بد منه فيتفطن له.

الثالث : الشاذ : وهو ما صح سنده وخالف الرسم والعربية مخالفة تضر أو لم تشتهر عند القراء ولا يُقرأ به .

الرابع : المنكر أو الغريب وهو ما لم يصح سنده .

الخامس : الموضوع : وهو أحط من الذي قبله كالتي جمعها الخزاعي .

وهذا تقسيم حسن يوافق مصطلح الحديث ، ولم أسم القسمين الأخيرين بالشاذ تبعاً للمحدثين إذ الشاذ عندهم ما صح سنده وخولف فيه الملأ ، فما لم يصح سنده لا يسمى شاذاً بل ضعيفاً أو منكراً على حسب حاله ، والقراء لا يمنعون من إطلاق الشذوذ على ذلك وما صنَعتُه أقرب .

وقد ظهر لي قسم آخر يشبهه من أنواع الحديث المدرج وهو : ما زيد في القراءات على وجه التفسير كقراءة ابن مسعود : " وله أخ أو أخت من أم "

قال ابن الجزري : وربما كانوا يدخلون التفسير في القراءة إيضاحاً وبياناً لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قرآناً فهم آمنون من الالتباس وربما كان بعضهم يكتبه معه ،وأما من يقول : إن بعض الصحابة كان يجيز القراءة بالمعنى فقد كذب . انتهى .

فهذه ستة أنواع وإن كنا ترجمناها أول الباب ثلاثة ، حررتها بعد التعب الشديد وإن كان في ألفاظ القراء استعمال أسماء غير الأخير منها . انتهى .

تنبيهات :

الأول : قال ابن الحاجب : السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة ، قال ابن الجزري : وقد وهم في ذلك ، بل حال اللفظ والأداء واحد ، وإذا ثبت تواتر ذلك كان تواتر هذا من باب أولى ، إذ اللفظ لا يقوم إلا به ولا يصح إلا بوجوده ونص على تواتر ذلك كله القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره ، قال : ولا نعلم أحداً تقدم ابنَ الحاجب إلى ذلك ، وتقدم في كلام البلقيني أن أصل الإمالة والمد ونحوهما متواتر لا كيفيته ، فهو يصلح أن يكون موافقاً لابن الحاجب وأن يكون متوسطاً بينه وبين إطلاق الجمهور .

الثاني : الذي نقطع به وتقوم عليه الحجج والدلائل والبراهين ولا ينبغي لآدمي أن يمتري فيه : أن البسملة متواترة أول كل سورة نقلها الجمع البالغون حد التواتر عن مثلهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، بل الأحاديث الواردة بقراءتها أول الفاتحة وأول كل سورة في الصلاة وخارجها بلغت عندي مبلغ التواتر ، فقد رواه عن النبي – صلى اله عليه وسلم – أنس في حديث نزول الكوثر وعمر ، وعثمان ، وعلي ،وأبو هريرة ، وابن عباس ، وعمار بن ياسر ، وجابر بن عبد الله ، والنعمان بن بشير ، والحكم بن عمير ، وسمرة بن جندب ، وأبي بن كعب ، وبريدة ، وخالد بن ثور ، وبشير أو بشر بن معاوية ، وحسين بن عرفطة ، وعائشة ، وأم سلمة ، ,أم هانئ ، وجماعة آخرون ، وقد أفردت أحاديثهم في جزء .

الثالث : وقع لنا سورتان ترددتُ في كونهما من الشاذ أو المنسوخ ، روى البيهقي من طريق سفيان الثوري عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطاب : قنت بعد الركوع وفيه فقال : بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم إنا نستعينك و نستهديك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ، ونخلع ونترك من يفجرك ، بسم الله الرحمن الرحيم . اللهم إياك نعبد ، و لك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، نرجو رجمتك ، ونخشى عذابك ، إن عذابك بالكفار ملحق .

قال ابن جريج في حكمة البسملة : إنهما سورتان في مصحف بعض الصحابة ، وروى محمد بن نصر عن أبي بن كعب أنه كان يقنت بالسورتين فذكرهما . وروى الطبراني في الدعاء من طريق عباد بن يعقوب الأسدي عن يحي بن يعلى الأسلمي عن ابن لهيعهة عن ابن هبيرة عن عبد الله بن رزين العايقي قال : قال لي عبد الملك بن مروان : لقد علمتُ ما حملك على حب أبي تراب إلا أنك أعرابي جاف ، فقلت : والله لقد جمعتُ القرآن من قبل أن يجتمع أبواك فلقد علمني منه علي بن أبي طالب سورتين علمهما إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما علِمتهما أنت ولا أبوك فذكرهما .

وروى أبو داود في المراسيل بسند رجاله موثوقون لكنه مرسل أنه – صلى الله عليه وسلم – بينا هو يدعو على نفر في الصلاة إذ جاءه جبريل فأومأ إليه أن اسكت فسكت ثم قال : يا محمد إن الله لم يبعثك لعاناً ولا سباباً ولم يبعثك عذاباً وإنما بعثك رحمة { ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون } ثم علمه هذا القنوت فذكرهما .

وقال أبو عبيد : أنبأنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن سيرين قال : كتب أبيّ بن كعب في مصحفه : فاتحة الكتاب والمعوذتين واللهم إنا نستعينك ، واللهم إياك نعبد ، وتركهن ابن مسعود ، وكتب عثمان منهن : فاتحة الكتاب والمعوذتين ، وهذا الذي نسبه إلى ابن مسعود قد روى عنه من طريق أخرى ، فروى البزار من طريق حسان بن إبراهيم عن الصلت بن بهرام عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله أنه كان يحك المعوذتين من الصحف ويقول : إنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ بهما وكان عبد الله لا يقرأ بهما ، ورواه أيضاً ابن حبان في صحيحه ، وأجاب ابن قتيبة في مشكل القرآن عن هذا بأنه ظن أنهما ليستا من القرآن لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ بهما الحسن والحسين فأقام على ظنه ، ولا نقول إنه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون والأنصار .

وأما إسقاطه الفاتحة من مصحفه فليس لظنه أنها ليست من القرآن معاذ الله ، ولكنه ذهب إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشك والنسيان والزيادة والنقصان ، ورأى أن ذلك مأمون في سورة الحمد لقصرها ووجوب تعلمها على كل أحد .

وقال النووي : لا يصح إسقاط المعوذتين عن ابن مسعود لأن قراءة بعض السبعة من طريقه وفيها المعوذتان .

 

القسم الثالث

من صفحة 147-إلى 197

*~*~*~*~*~**~*~*~*

النوع الرابع والعشرون :

 

 

قراءات النبي صلى الله عليه وسلم

 

عقد له الحاكم والترمذي باباً ، وذكر البلقيني منه أشياء ، وأخرج الحاكم من طريق عبد الله بن أبي مليكة عن أم سلمة قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته : بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . ثم يقف ".

وأخرج من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ :{ ملِك يوم الدين } .

وأخرج من طريق العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ :{ اهدنا الصراط المستقيم } بالصاد.

وأخرج من طريق خارجة أيضاً قال : أقرأني زيد قال : أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ فرُهُن مقبوضة } بغير ألف.

وأخرج من طريق داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ :{ وما كان لنبي أن يَغل } بفتح الياء .

وأخرج من طريق الزهري عن انس : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ :{ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين }

وأخرج من طريق عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال : سألت معاذ بن جبل عن قول الحواريين :{ هل يستطيع ربك } أو { هل تستطيع ربك } قال : أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ( هل تستطيع ) بالتاء .

وأخرج من طريق عبد الله بن طاووس عن أبيه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ :{ لقد جاءكم رسول من أنفسكم } يعني من أعظمكم قدراً .

وأخرج من طريق أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ :{ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً } .

وأخرج من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود قال : أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أنا الرزاق ذو القوة المتين .

وأخرج من طريق بن الزبير عن جابر قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ لست عليهم بمصيطر } بالصاد .

وأخرج من طريق نافع عن ابن عمر قال : ما همزَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا الخلفاء ، و إنما الهمزُ بدعة ابتدعها من بعدهم يعني في ( النبي ) ثم قال : حدثني أحمد بن العباس المقرئ أنبأنا البغوي حدثنا خلف بن هشام قال : حدثني الكسائي حدثني حسين الجعفي عن حمدان بن أعين عن أبي الأسود الدؤلي عن ابي ذر قال : جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبيء الله ، فقال : لست بنبيء الله ، ولكنني نبي الله ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ، وشاهده ما تقدم .

قلت : بل هو منكر لم يصح وحمدان ليس بثقة ، ولو صح لم يعارض ما ثبت بالتواتر والنقل المستفيض المشهور .

 

*~*~*~*~*~*~*~*~*

 

 

النوع الخامس والسادس والعشرون :

 

 

الرواة والحفاظ .

 

أشهر قراء القرآن من الصحابة : عثمان ، وعلي ، وأبي ، وزيد بن ثابت ، وابن مسعود ، وأبو الدرداء . وفي الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود ، وسالم ، ومعاذ ، وأبيّ بن كعب ".

وفيه عن قتادة قال : سألت أنس بن مالك " من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أربعة كلهم من الأنصار : أبيّ بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد ".

وفيه عن أنس أيضاً قال : " مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة : أبو الدرداء ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد ".

قال البلقيني : فيكون الحفاظ بمقتضى الروايتين خمسة ، والمراد بذلك من الأنصار وإلا فقد حفظه على عهده عليه الصلاة والسلام من غير الأنصار : عثمان وسالم وابن مسعود ، فهؤلاء ثمانية.

قلت : بل جمعه في عهده صلى الله عليه وسلم غيرهم أيضاً ، فمنهم : عبد الله بن عمرو بن العاص فقد قال : جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . الحديث . وأبو الدرداء – قال ابن كثير : وأبو بكر الصديق – فقد قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إماماً على المهاجرين والأنصار مع أنه قال : " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " فلولا أنه كان أقرأهم لكتاب الله لما قدمه عليهم .

قلت : وأيضاً فهو أول الناس إسلاماً فكيف يجمعه من اسلم بعده بدهر ولا يجمعه هو ، وهو هو – وسالم – وهو مولى أبي حذيفة ، وأبو زيد : أحد عمومة أنس ، واختلف في اسمه فقيل : لا يعرف ، وقيل : ثابت بن زيد ، وقيل : معاذ ، وقيل : أوس ، وقيل : قيس بن السكن وهو المشهور ، وهو خزرجي ، وقيل : هو من الأوس واسمه : سعيد بن عبيد بن النعمان .

وقيل : هما اثنان جمعا القرآن ثم أخذ عن هؤلاء الصحابة : أبو زيد وابن عباس ، وعبد الله ابن السائب عن أبيّ ، وأخذ ابن عباس عن زيد أيضاً ، وأخذ عنهم خلق من التابعين ، فممن كان بالمدينة : ابن المسيب ، وعروة وسالم وعمر بن عبد العزيز وسليمان وعطاء ابنا يسار ، ومعاذ بن الحارث المشهور بمعاذ القارئ ، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، وابن شهاب الزهري، ومسلم بن جندب ، وزيد بن أسلم وبمكة : عبيد بن عمير ، وعطاء ، وطاووس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وابن أبي مليكة .

وبالكوفة : علقمة ، والأسود ، ومسروق ، وعبيدة ، وعمرو بن شرحبيل والحارث بن قيس ، والربيع بن خيثم ، وعمرو بن ميمون ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، وزر بن حبيش ، وعبيد بن فضيلة ، وسعيد بن جبير ، و النخعي ، والشعبي .

وبالبصرة : أبو العالية ، وأبو رجاء ، ونصر بن عاصم ، ويحي بن يعمر ، والحسن ، وابن سيرين ، وقتادة .

وبالشام : المغيرة بن أبي شهاب المخزومي صاحب عثمان وخليد بن سعد صاحب أبي الدرداء .

ثم تجرد قوم واعتنوا بضبط القرآن أتم عناية حتى صاروا أئمة يقتدى بهم ويرحل إليهم ، فكان بالمدينة : أبو جعفر يزيد بن القعقاع ، ثم شيبة بن نصاح ، ثم نافع بن أبي نعيم .

وبمكة : عبد الله بن كثير ، وحميد بن قيس الأعرج ، ومحمد بن محيصن .

وبالكوفة : يحي بن وثاب ، وعاصم بن أبي النجود ، وسليمان الأعمش ، ثم حمزة ، ثم الكسائي .

وبالبصرة : عبد الله بن أبي إسحاق .

وعيسى بن عمرو ، وأبو عمرو بن العلاء ، وقيس بن عاصم الجحدري ، ثم يعقوب الحضرمي .

وبالشام : عبد الله بن عمرو ، وعطية بن الكلابي ، وإسماعيل بن عبد الله ابن المهاجر ، ثم يحي بن الحارث الذماري ، ثم رشيح بن يزيد الحضرمي .

واشتهر من هؤلاء في الآفاق الأئمة السبعة : " نافع " وأخذ عن سبعين من التابعين منهم أبو جعفر ، و" ابن كثير " وأخذ عن عبد الله بن السائب الصحابي ، و "أبو عمرو " وأخذ عن التابعين ، و " ابن عامر " وأخذ عن أبي الدرداء وأصحاب عثمان ، و " وعاصم " وأخذ عن التابعين ، و " حمزة " وأخذ عن عاصم ، والأعمش ، و السبيعي ، ومنصور بن المعتمر وغيرهم ، و " الكسائي " وأخذ عن حمزة ، وأبي بكر بن عياش .

ثم انتشر القراء في الأقطار وتفرقوا أمما بعد أمم ، واشتهر من رواة كل طريق من السبعة راويان :

فعن نافع : قالون وورش عنه .

وعن ابن كثير : قنبل والبزي عن أصحابهما عنه .

وعن أبي عمرو : الدوري والسوسي عن اليزيدي عنه .

وعن ابن عامر : هشام ، وابن ذكوان عن أصحابهما عنه .

وعن الكسائي : الدوري والحارث .

ثم لما اتسع الخرق وكاد الباطل أن يلتبس بالحق قام جهابذة الأمة وبالغوا في الاجتهاد وجمعوا الحروف والقراءات وعزوا الوجوه والروايات ، وميزوا الصحيح والمشهور والشاذ بأصول أصلوها ، وأركان فصلوها ، وأول من صنف في القراءات : أبو عبيد القاسم بن سلام ، ثم أحمد بن جبير بن محمد الكوفي ، ثم إسماعيل بن إسحاق المالكي صاحب قالون ، ثم أبو جعفر بن جرير الطبري ، ثم أبو بكر محمد بن أحمد ابن عمرو الداجوني ، ثم أبو بكر بن مجاهد ، ثم قام الناس في هذا العصر وبعده بالتأليف في أنواعها جامعاً ومفرداً وموجزاً ومسهباً ، وأئمة المقرئين لا يحصون ، وقد صنف طبقاتهم حافظ الإسلام أبو عبد الله الذهبي ، ثم حافظ القراء : أبو الخير ابن الجزري ولا مزيد على كتابيهما ، والله سبحانه اعلم .

 

*~*~*~*~*~*~*

 

 

النوع السابع والعشرون :

 

 

كيفية التحمل

 

هذا النوع من زيادتي ، وهو نوع مهم ، وأوجه التحمل عند المحدثين ثمانية : السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه والسماع عليه .

فأما غير الأولين فلا يأتي هنا كما ستعلم مما نذكره ، وأما القراءة على الشيخ فهي المستعملة سلفاً وخلفاً ، وأما السماع من لفظ الشيخ فقد كنت أقول به هنا لأن الصحابة – رضي الله عنهم – إنما أخذوا القرآن من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن لم يأخذ به احد من القراء وهو ظاهر من جهة أن المقصود هنا كيفية الأداء ، وليس كل من سمع من لفظ الشيخ يقدر على ألأداء بهيئته بخلاف الحديث ، فإن المقصود المعنى أو اللفظ لا بالهيئات المعتبرة في أداء القرآن ، وأما الصحابة فكانت فصاحتهم وطباعهم السليمة تقتضي قدرتهم على ألأداء كما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم .

ويحكى أن الشيخ شمس الدين ابن الجزري لما قدم القاهرة وازدحمت عليه الخلق لم يتسع وقته لقراءة الجميع ، فكان يقرأ عليهم الآية ثم يعيدونها عليه دفعة واحدة ، فلم يكتف بقراءته .

وتجوز القراءة على الشيخ ولو كان غيره يقرأ عليه في تلك الحالة إذا كان بحيث لا يخفى عليه حالهم ، وقد كان الشيخ علم الدين السخاوي يقرأ عليه اثنان وثلاثة في أماكن مختلفة ويرد على كل منهم ، وكذا لو كان الشيخ مشتغلاً بشغل آخر كنسخ ومطالعة ، وأما القراءة من الحفظ فالظاهر أنها ليست بشرط بل يكفي ولو من المصحف .

وأما كيفية القراءة فثلاث :

أحدها : التحقيق وهو : إعطاء كل حرف حقه من إشباع المد وتحقيق الهمز ، وإتمام الحركات واعتماد الإظهار والتشديدات وبيان الحروف وتفكيكها وإخراج بعضها من بعض مع الترسل والتؤدة بلا قصر ولا اختلاس ولا إسكان متحرك ولا إدغامه ، ويستحب الأخذ به على المتعلمين من غير مجاوزة إلى حد الإفراط بتوليد الحروف من الحركات وتكرير الراءات وتحريك السواكن والفصل بين حروف الكلمة كما يقف كثير من الجهال على التاء من ( نستعين ) وقفة لطيفة مدعياً أنه يرتل .

الثانية : الحدر بفتح الحاء وسكون الدال وهو : إدراج القراءة وسرعتها وتخفيها بالقصر والاختلاس والبدل والإدغام الكبير وتخفيف الهمزة بالقصر والتسكين ، ونحو ذلك مما صحت به الرواية بدون بتر حروف المد واختلاس أكثر الحركات والتفريط إلى غاية لا يصح بها القراءة ولا توصف بها التلاوة ، وهذا النوع مذهب ابن كثير وأبي جعفر ، ومن قصر المنفصل كأبي عمرو ويعقوب .

الثالثة : التدوير : وهو التوسط بين المقامين وهو المختار عند أكثر أهل الأداء – واختلف في الأفضل هل الترتيل وقلة القراءة أو السرعة وكثرتها ؟

ومعظم السلف والخلف على ألأول ، وتوسط بعضهم فقال : ثواب الكثرة أكثر عدداً ، وثواب الترسل أقل قدراً .

وأما كيفية الأخذ بإفراد القراءات وجمعها :

فالذي كان عليه السلف أخذ كل ختمة برواية لا يجمعون رواية على غيرها إلى أثناء المائة الخامسة ، فظهر جمع القراءات في الختمة الواحدة واستقر عليه العمل ولم يكونوا يسمحون به إلا لمن أفرد القراءات وأتقن طرقها وقرأ لكل قارئ بختمة على حدة ، بل إذا كان للشيخ راويان قرأوا لكل راوٍ بختمة ، ثم يجمعون له وهكذا ، وتساهل قوم فسمحوا أن يقرأ لكل قارئ من السبعة بختمة سوى نافع وحمزة ، فإنهم كانوا يأخذون بختمة لقالون ، ثم بختمة لورش ، ثم بختمة لخلف ، ثم بختمة لخلاد ، ولا يسمح أحد بالجمع إلا بعد ذلك ، نعم إذا رأوا شخصاً أفرد وجمع على شيخ معتبر وأجيز وتأهل وأراد أن يجمع القراءات في ختمة لا يكلفونه الإفراد لعلمهم بوصوله إلى حد المعرفة والإتقان .

ثم لهم في الجمع مذهبان :

الجمع بالحرف : بأن يشرع في القراءة ، فإذا مر بكلمة فيها خلف أعادها بمفردها حتى يستوفي ما فيها ، ثم يقف عليها إن صلحت للوقف ، وإلا وصلها بآخر وجه حتى ينتهي إلى الوقف ، وإن كان الخلف يتعلق بكلمتين كالمد المنفصل ، وقف على الثانية واستوعب الخلاف وانتقل إلى ما بعدها وهذا مذهب المصريين وهو أوثق في الاستيفاء وأخف على ألأخذ لكنه يخرج عن رونق القراءة وحسن التلاوة .

الثاني : الجمع بالوقف : بأن يشرع بقراءة من قدمه حتى ينتهي إلى وقف ، ثم يعود إلى القارئ الذي بعده إلى ذلك الوقف ثم يعود ، وهكذا حتى يفرغ .

وهذا مذهب الشاميين وهو اشد استحضاراً وأشد استظهاراً وأطول زماناً وأجود مكاناً , وكان بعضهم يجمع بالآية على هذا الرسم وأما ترتيب القراءات فليس بشرط ولكن يستحب أن يبدأ بما بدأ به المؤلفون في كتبهم فيبدأ بالقصر ، ثم بالمرتبة التي فوقه وهكذا إلى آخر مراتب المد – ويبدأ بالمشبع ، ثم بما دونه إلى القصر ، وإنما يسلك ذلك مع شيخ بارع عظيم الاستحضار ، أما غيره فيسلك به طريق واحد ،وإذا انتقل القارئ إلى قراءة قبل إتمام ما قبلها لم يدعه الشيخ بل يشير إليه بيده ، فإن لم يتفطن قال : لم تصل فإن لم يتفطن سكت حتى يتذكره ، فإن عجز قال له .

وأما القراءة بالتلفيق وخلط قراءة بأخرى فأجازها أكثر القراء ومنعها قوم ، وقال ابن الصلاح والنووي : ينبغي أن يداوم على قراءة واحدة حتى ينقضي ارتباط الكلام فإذا انقضى فله الانتقال إلى قراءة أخرى ، والأولى المداومة على تلك القراءة في ذلك المجلس قال ابن الجزري : والصواب التفصيل . فإن كانت إحدى القراءتين مترتبة على الأخرى منع ذلك منع تحريم كمن يقرأ :{ فتلقى آدم من ربه كلمات } بضمهما أو نصبهما ، آخذاً رفع ( آدم ) من قراءة غير ابن كثير ، ورفع ( كلمات ) من قراءته ونحو ذلك مما لا يجوز في العربية واللغة ، وما لم يكن كذلك فرِّق فيه بين مقام الرواية وغيرها ، فإن كان على سبيل الرواية حرم أيضاً لأنه كذِبٌ في الرواية وتخليط ، وإن كان على سبيل القراءة والتلاوة جاز .

وأما القراءات والروايات والطرق والأوجه وسيأتي في النوع الآتي بيانها فليس للقارئ أن يدع منها شيئاً أو يخل به فإنه خلل في إكمال الرواية إلا الأوجه فإنها على سبيل التخيير ، فأي وجه أتى به أجزأه في تلك الرواية .

وأما قدر ما يقرأ حال الأخذ فقد كان الصدر الأول لا يزيدون على عشر آيات لكائن من كان ، وأما من بعدهم فرأوه بحسب قوة الأخذ قال ابن الجزري : والذي استقر عليه العمل : الأخذ في الإفراد بجزء من أجزاء مائة وعشرين ، وفي الجمع بجزء من أجزاء مائتين وأربعين .

ولم يحد له آخرون حداً ، وهو اختيار السخاوي ، وقد لخصت هذا النوع ورتبت فيه متفرقات كلام أئمة القراءات وهو نوع مهم يحتاج غليه القارئ كاحتياج المحدث إلى مثله من علم الحديث .

مسألة :

ادعى ابن خير الإجماع على أنه ليس لأحد أن ينقل حديثاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم – ما لم يكن له به رواية ولو بالإجازة فهل يكون حكم القرآن كذلك فليس لأحد أن ينقل آية أو يقرأها ما لم يقرأها على شيخ ؟ لم أر في ذلك نقلاً ولذلك وجه من حيث إن الاحتياط في أداء ألفاظ القرآن أشد منه في ألفاظ الحديث ولقدم اشتراطه أيضاً وجه من حيث ذلك في الحديث إنما هو لخوف أن يدخل في الحديث ما ليس منه أو يتقول على النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله ، والقرآن محفوظ متلقى متداول ميسر ولا يخلو هذا المحل من نظر وتأمل ، ولا يشفى فيه إلا نقل معتمد .

 

*~*~*~*~*~*~*~*

 

 

النوع الثامن والعشرون:

 

 

العالي والنازل .

 

هذا النوع من زيادتي وهو أيضاً مهم فإن علو الإسناد سنة وقربة إلى الله تعالى ، وقد قسمه أهل الحديث إلى خمسة أقسام تأتي هنا .

الأول : القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث العدد بإسناد نظيف غير ضعيف وهو أفضل أنواع العلو وأجلها ، وأعلى ما يقع للشيوخ في هذا الزمان إسناد رجاله أربعةَ عشر رجلاً ، وإنما يقع ذلك من قراءة ابن عامر من رواية ابن ذكوان ، ثم خمسة عشر ، وإنما يقع ذلك من قراءة عاصم من رواية حفص وقراءة يعقوب من رواية رويس .

الثاني : من أقسام العلو عند المحدثين : القرب إلى إمام من أئمة الحديث كالأعمش ، وهشام ، وابن جريج ، و الأوزاعي ، ومالك ، ونظيره هنا : القرب إلى إمام من الأئمة السبعة ، فأعلى ما يقع اليوم للشيوخ بالإسناد المتصل بالتلاوة إلى نافع : اثنا عشر وإلى ابن عامر : اثنا عشر .

الثالث : عند المحدثين : العلو بالنسبة إلى رواية أحد الكتب الستة بأن يروي حديثاً لو رواه من طريق كتاب من الستة وقع أنزل مما لو رواه من غير طريقها ، ونظيره هنا العلو بالنسبة إلى بعض الكتب المشهورة في القراءات كالتيسير و الشاطبية .

ويقع في هذا النوع : الموافقات والإبدال ، والمساواة ، والمصافحات فالموافقة : أن يجتمع طريقه مع أحد أصحاب الكتب في شيخه ، وقد يكون مع علو على ما لو رواه من طريقه أو لا يكون ، مثاله في هذا الفن : قراءة ابن كثير رواية البزي طريق بن بنان عن أبي ربيعة عنه يرويها ابن الجزري من كتاب المفتاح لأبي منصور محمد بن عبد الملك بن خيرون ومن كتاب المصباح لأبي الكرم الشهروزي ، وقرأ بها كل من المذكورتين على عبد السيد بن عتاب فروايته لها من أحد الطريقين تسمى موافقة للآخر باصطلاح أخل الحديث .

والبدل : أن يجتمع معه في شيخ شيخه فصاعداً ، وقد يكون أيضاً بعلو وقد لا يكون . مثاله هنا : قراءة أبي عمرو رواية الدوري طريق ابن مجاهد عن أبي الزعراء عنه رواها ابن الجزري من كتاب التيسير ، قرأ بها الداني على أبي القاسم عبد العزيز بن جعفر البغدادي وقرأ بها على أبي طاهر عن ابن مجاهد ، ومن المصباح قرأ بها أبو الكرْم على أبي القاسم يحي بن أحمد بن السيبي وقرأ بها على أبي الحسن الحمامي ، وقرأ على أبي طاهر فروايته لها من طريق المصباح تسمى بدلاً للداني في شيخ شيخه .

والمساواة : أن يكون بين الراوي والنبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابي أو من دونه إلى شيخ أحد أصحاب الكتب كما بين أحد أصحاب الكتب والنبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابي أو من دونه على ما ذكر من العدد .

والمصافحة : أن يكون أكثر عدداً منه بواحد فكأنه لقي صاحب ذلك الكتاب وصافحه وأخذ عنه ، مثاله قراءة نافع رواها الشاطبي عن أبي عبد الله محمد بن علي النفزي عن أبي عبد الله بن غلام الفرس عن سليمان بن نجاح وغيره عن أبي عمرو الداني عن أبي الفتح فارس بن أحمد عبد الباقي بن الحسن عن إبراهيم بن عمر المقرئ عن أبي الحسين بن بويان عن أبي بكر بن الأشعث عن أبي جعفر الربعي المعروف بأبي نشيط عن قالون عن نافع ورواهما ابن الجزري عن أبي محمد بن البغدادي وغيره عن الصائغ عن الكمال بن فارس عن أبي اليمن الكندي عن أبي القاسم هبة الله بن احمد الحريري عن أبي بكر الخياط عن الفرضي عن ابن بويان ، فهذه مساواة لابن الجزري لأن بنيه وبين ابن بويان سبعة وهو العدد الذي بين الشاطبي وبينه وهي لمن أخذ عن ابن الجزري مصافحة للشاطبي .

ومما يشبه هذا التقسيم لأهل الحديث تقسيم القراء أحوال الإسناد إلى : قراءة ، ورواية ، وطريق ، ووجه . فالخلاف إن كان لأحد الأئمة السبعة أو العشرة أو نحوهم واتفقت عليه الروايات والطرق عنه فهو قراءة ، وإن كان للراوي عنه فرواية ، أو لمن بعده فنازلاً فطريق ، أولا على هذه الصفة مما هو راجع على تخيير القارئ فوجه .

الرابع : من أقسام العلو : تقدم وفاة الشيخ عن قرينه الذي أخذ عن شيخه ، فالأخذ مثلاً عن التاج بن مكتوم أعلى من الأخذ عن أبي المعالي ابن اللبان وعن ابن اللبان أعلى من البرهان الشامي وإن اشتركوا في الأخذ عن أبي حيان لتقدم وفاة الأول على الثاني والثاني على الثالث .

الخامس : العلو بموت الشيخ لا مع التفات إلى أثر آخر ، أو شيخ آخر متى يكون ، قال بعض المحدثين : يوصف الإسناد بالعلو إذا مضى عليه من موت الشيخ خمسون سنة ، وقال ابن منده : ثلاثون فعلى هذا الأخذ عن أصحاب ابن الجزري عال من سنة ثلاث وستين وثمانمائة ، لأن ابن الجزري آخر من كان سنده عالياً ، وقد مضى عليه حينئذ من موته ثلاثون سنة ، فهذا ما حررته من قواعد الحديث وفرعت عليه قواعد القراءات ولله المنة والحمد .

وإذا عرفت العلو بأقسامه عرفت النازل فإنه ضده ، وحيث ذُم النزول فهو ما لم ينجبر لكون رجاله أعلم أو أتقن أو أجل أو أشهر أو أورع ، أما إذا كان كذلك فليس بمذموم ولا مفضول ، والعالي : ما صح إسناده ولو بلغت رواته مائة والله سبحانه وتعالى أعلم .

 

*~*~*~*~*~*~*~*~*

 

 

النوع التاسع والعشرون :

 

 

المسلسل .

 

هذا النوع من زيادتي : والمسلسل ما تواردت رواته على صفة أو كيفية واحدة ، وقسمه أهل الحديث إلى أقسام لا يتأتى غالبها هنا ومنه ما تسلسل في أوله وانقطع – ولو اعتنى القراء به كاعتناء المحدثين لاتصل لهم من ذلك شيء كثير ، وأكثر ما يقع التسلسل هنا بصفات الرواة كالتسلسل بالقراء الحفاظ ، والقرآن كله بهذه الصفة ، فإنه نقله قارئ عن قارئ إلى منتهاه ، وكان بكون رجال الإسناد كلهم معمرين أو شافعيين أو أندلسيين أو دمشقيين أو مكيين أو نحو ذلك ، وقد وقعت لنا سورة الصف مسلسلة بقراءة كل شيخ على الراوي ، وأخبرني المسنِد المعمر أبو عبيد الله محمد بن أحمد الحاكم رحمه الله بقراءتي عليه ، أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد المقرئ أخبرنا أبو العباس أحمد بن أبي طالب الصالحي أخبرنا أبو النجا بن اللّتي أخبرنا أبو الوقت السّجزي أخبرنا أبو الحسن الداودي أخبرنا أبو محمد السرخسي أخبرنا أبو عمران السمرقندي أخبرنا أبو محمد الدارمي أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحي بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال : قعدنا نفرٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكرنا فقلنا : لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناه فأنزل الله :{ سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم . يا أيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لاتفعلون } حتى ختمها .

قال عبد الله فقرأها علينا ابن سلاَّم ، قال يحي : فقرأها علينا أبو سلمة ، قال الأوزاعي فقرأها علينا يحي ، قال ابن كثير : فقرأها علينا الأوزاعي ، قال الدارمي : فقرأها علينا ابن كثير ، قال السمرقندي : فقرأها علينا الدارمي ، قال السرخسي : فقرأها السمرقندي ، قال الداودي :

فقرأها علينا السرخسي ، قال أبو الوقت : فقرأها علينا الداودي ، قال اللتي : فقرأها علينا أبو الوقت ، قال أبو العباس فقرأها علينا بن اللتي ، قال أبو إسحاق : فقرأها علينا أبو العباس قال أبو عبد الله : فقرأها علينا أبو إسحاق ، قلت : فقرأها علينا أبو عبد الله .

ومن هذا النوع ما رواه البيهقي في الشعب من طريق عكرمة بن سليمان قال : قرأت على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين فلما بلغتُ : والضحى قال : كبر عند خاتمة كل سورة حتى تختم ، وأخبره أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك وأخبره مجاهد أن ابن عباس أمره بذلك وأخبره ابن عباس أن أبيّ بن كعب أمره بذلك ، وأخبره أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بذلك ، ورواه ابن الجزري متصل السلسلة إلى عكرمة ، والله سبحانه أعلم .

 

*~*~*~*~*~*~*~*~*

 

 

النوع الثلاثون والحادي والثلاثون :

 

 

الابتداء والوقف .

 

هذان نوعان مهمان ، ولأئمة القراء فيها تصانيف ، والكلام في ذلك في أمرين : ما يوقف عليه ويبتدأ به ، وكيفية الوقف ، والحاجة إلى الأمر الأول أهم من الثاني كما لا يخفى ، وعجبت للبلقيني كيف تركه وتكلم في الثاني .

الأول : الأفضل الوقف عند رأس كل آية للحديث السابق في النوع الرابع والعشرين ، وممن اختاره : أبو عمرو بن العلاء والبيهقي في الشعب وخلائق . ثم الكلام إما أن يكون تاماً بأن لا يكون له تعلق بما بعده البتة لا معنىً ولا لفظاً ، فالوقف عليه يسمى بالتام ، ويبتدأ بما بعده وأكثره في رؤوس الآي وانقضاء القصص ، وقد يكون قبل انقضاء الآية نحو :{ وجعلوا أعزة أهلها أذلة ..} فيه انقضاء حكاية كلام بلقيس ثم قال تعالى :{ وكذلك يفعلون } كذا قال ابن الجزري وفيه بحث .

وقد يكون وسط الآية نحو :{ لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني } وبعد الآية بكلمة نحو :{ من دونها ستراً كذلك } وقد يكون تاماً على تفسير وإعراب ، غير تام على آخر كآية :{ وما يعلم تأويله إلا الله } وإن كان له تعلق به من جهة المعنى فقط فالوقف عليه يسمى بالكافي و يبتدأ بما بعده أيضاً أو من جهة اللفظ فقط فهو الحسن يوقف عليه ولا يجوز الابتداء بما بعده إلا أن يكون رأس آية ، وقد يكون كافياً وحسناً على تأويل وغيرهما على آخر نحو :{ يعلمون الناس السحر } كافٍ إن جعلت ( ما ) بعده نافية ، وحسنٌ إن جعلت موصولة ، وإن لم يتم الكلام فهو الوقف القبيح وإنما يجوز ضرورة بانقطاع النفس ، كالوقف على المضاف والمبتدأ والموصول والنعت دون متمماتها وبعضه أقبح من بعض ، والمراد بالقبح من جهة الأداء لا الشرع فليس بحرام ولا مكروه إلا أن قُصد تحريف المعنى عن مواضعه وخلاف ما أراد الله تعالى فإنه يحرم ، ومن الوقف ما يتأكد استحبابه ، وهو ما لو وصل طرفاه لأوهم غير المراد وبعضهم عبَّر عنه بالواجب ومراده ما تقدم نحو :{ ولا يجزنك قولهم }ويبتدئ :{ إن العزة لله جميعاً } لئلا يوهم أن ذلك مقول القول ، وقد تحرى قوم الوقف على حرف وآخرون على آخر ويمتنع الجمع بينهما كالوقف على :" لا ريب " وعلى :" فيه " فإنه لا يجوز على أحدهما إلا بشرط وصل الآخر ، ويغتفر مخالفة ما تقدم في طول الفواصل والقصص ونحوها وحالة جمع القراءات . أما الابتداء فلا يكون إلا اختيارياً فلا يجوز إلا بمستقل ، ويكون أيضاً تاماً وكافياً وحسناً وقبيحاً بحسب التمام وعدمه وفساد المعنى وإحالته وقد يكون الوقف قبيحاً والابتداء جيداً نحو :{ من بعثنا من مرقدنا هذا } فالوقف على الإشارة قبيح لأنه مبتدأ ولإيهامه الإشارة إلى مرقد ، والابتداء به مع ما بعده كافٍ أو تام ، والقراء مختلفون في الوقف والابتداء : فنافع كان يراعي محاسنهما بحسب المعنى ، وابن كثير وحمزة : حيث ينقطع النفس ، واستثنى ابن كثير :{ وما يعلم تأويله إلا الله } { وما يشعركم } { إنما يعلمه بشر } فتعمد الوقف عندها ، وأبو عمر ويتعمد رؤوس الآي ، وعاصم و الكسائي ، حيث تم الكلام والباقون راعوا أحسن الحالتين وقفاً وابتداءً .

الثاني : قسمان : الأول : الوقف على أواخر الكلم ، فالمتحرك يوقف عليه بالسكون وهو الأصل ، ووردت الرواية عن الكوفيين وأبي عمرو بالإشارة إلى الحركة ، ولم يأت عن الباقين شيء ، واستحسنه أكثر أهل الأداء في قراءتهم أيضاً –والإشارة إما : روم وهي النطق ببعض الحركة وقيل : تضعيف الصوت بها حتى يذهب معظمها ، قال ابن الجزري : والقولان بمعنى واحد ، ويكون في الضم والكسر ، وإما إشمام وهو الإشارة إليها بلا تصويت بأن تجعل شفتيك على صورتها إذا لفظت بها وإنما يكون في الضم سواء فيهما حركة البناء والإعراب إذا كانت لازمة ، أما العارضة وميم الجمع عند من ضم وهاء التأنيث فلا روم في ذلك ولا إشمام ، وقيد ابن الجزري هاء التأنيث بما وقف عليها بالهاء بخلاف ما يوقف عليها بالتاء للرسم ، ووقف على : ( إذن ) والمنون المنصوب بالألف .

ثانيهما : الوقف على الرسم ، قال الداني : وقف الجمهور عليه ، ولم يُروَ عن ابن كثير وابن عامر فيه شيء ، واختار الأئمة الوقوف عليه في مذهبهما موافقةً للجمهور ، وقد اختلف عنهم في مواضع منها : الهاء المرسومة تاءً فوقف عليها أبو عمرو و الكسائي وابن كثير في رواية البزي بالهاء وكذا الكسائي في : ( مرضات – واللات – وذات بهجة – ولا ت حين - وهيهات) وتابعه البزي على هيهات فقط ، وكذا وقف ابن كثير وابن عامر على : ( يا أبتِ ) حيث وقع ، ووقع الباقون على هذه المواضع بالتاء ، ووقف الكسائي في رواية الدوري على الياء من : ( ويكأن الله ) وروى عن أبي عمرو أنه وقف على الكاف والباقون على الكلمة بأسرها ، ووقفوا على لام نحو : ( مال هذا الرسول ) وعن الكسائي رواية على ( ما ) وعلى ( اللام ) ، وعن أبي عمرو على ( ما ) فقط ، ووقف حمزة و الكسائي على : ( أياً ) في :{ أياً ما تدعو } والباقون على ( ما ) ووقف أبو عمرو و الكسائي بالألف في { أيه المؤمنون } { يا أيه الساحر } { أيه الثقلان } والباقون بلا ألف ، و الكسائي على : { وادي النمل } خاصة بالياء ، والباقون بدونها ، وتفرد البزي بزيادة هاء السكت في الوقف على ( ما ) الاستفهامية مجرورة بحرف ، وسكنها غيره ، وللباب تتمات تعرف من كتب القراءات ، والله تعالى أعلم .

 

*~*~*~*~*~*~*~*~*

 

 

النوع الثاني والثلاثون :

 

 

الإمالة .

 

قال أبو عمرو الداني : أمال حمزة و الكسائي كل اسم أو فعل ألفه منقلبة عن ياء كموسى ، وعيسى ، ومثواكم ، ومأواكم ، وأنى بمعنى كيف ومتى ، وبلى ، وعسى ، وكذا كل مرسوم بالياء إلا : حتى ، ولدى ، وإلى ، وعلى ، وما زكى – ولم يميلا واوياً كالصفا ، وعصا ، وشفا جرف ، ودعا ، وخلا .

وقرأ أبو عمرو ما كان فيه راء بعدها ياء بالإمالة أو رأس آية أجزائها على ياء أو هاء ، أو كان على وزن فُعلى بالفتح أو الكسر أو الضم ولم يكن فيه راء : بين اللفظين ، وما عدا ذلك بالفتح ، وقرأ ورش جميع ذلك : بين اللفظين إلا ما كان في سور أو أجزائها على هاء فأخلص الفتح فيه على خلف بين أهل الأداء في ذلك .

وأمال أبو بكر ( رمى ) في الأنفال ، و( أعمى ) في موضعي ( سبحان ) وأمال أبو عمرو ( أعمى ) الأول فقط ، وأمال حفص عن عاصم ( مجراها ) في هود فقط ، وتفرد هشام بإمالة ( مشارب ) في يس ، وفي ( عين ءانية ) ، وفي ( عابد ) أي في قوله تعالى :{ ولا أنتم عابدون ما أعبد } الثلاث في سورة الكافرون ، وقرأ الباقون بإخلاص الفتح في كل ما ذكر ، هذه أصول الإمالة ومواضع تفرد حمزة و الكسائي ، ومشاركة أبي عمرو و الكسائي ، ومحل عدّها كتب القراءات .

 

*~*~*~*~*~*~*~*~*~*

 

 

النوع الثالث والثلاثون :

 

 

المد .

 

تمد الهمزة إذا أصبحت حرف لين في كلمة واحدة تطرفت أو توسطت فلا خلاف بينهم في تمكين حرف المد زيادة ، فإن كانت الهمزة أول كلمة والمد آخر كلمة أخرى فاختلفوا في زيادة التمكين له نحو :{ ما أنزل إليك } فابن كثير وقالون والبزي يقصرون حرف المد فلا يزيدون على ما فيه من المد الذي لا يوصل إلا به ، والباقون يطولونه وأطولهم مداً في الضربين ورش وحمزة ثم عاصم ثم ابن عامر والكسائي ثم أبو عمرو من طريق أهل العراق وقالون من طريق أبي نشيط ، وهذا كله تقريب ، وإنما هو على مقدار مذاهبهم في التحقيق والحدر ، ونقل بعضهم أن مد ورش وحمزة قدر ست ألفات ، وقيل : بل خمس ، وقيل : أربع ، وعاصم : ثلاث ، وعن الكسائي قدر ألفين ونصف ، وعن قالون : قدر ألفين ، وعن السوسي ، ألف ونصف ، والله سبحانه أعلم .

 

*~*~*~*~*~*~~*

 

 

النوع الرابع والثلاثون :

 

 

تخفيف الهمز .

 

هو أربعة أنواع :

أحدها : النقل لحركتها إلى الساكن قبلها فتسقط نحو :{ قد أفلح } بفتح الدال ، وبه قرأ نافع من رواية ورش ، وذلك حيث كان الساكن صحيحاً آخراً والهمزة أولاً ، واستثنى أصحاب يعقوب عن ورش : { كتابيه إني ظننت } فسكنوا الهاء وحققوا الهمزة ، وأما الباقون فحققوا وسكنوا في جميع ذلك .

ثانيها : إبدالها حرف من جنس حركة ما قبلها ، فتبدل ألفاً بعد فتحة ، وواواً بعد ضمة ، وياءً بعد كسرة ، و به يقرأ أبو عمرو سواء كانت الهمزة فاءً أو عيناً أو لاماً إلا أن يكون سكونها جزماً ، أو بناءً ، أو يكون ترك الهمزة فيه أثقل أو يوقع في الالتباس ، وإن تحركت فلا خلاف عنه في التحقيق .

ثالثها : تسهيلها بينها وبين حرف حركتها ، فإن اتفقت الهمزتان في الفتح سهل الثانية : الحرميان وأبو عمرو وهشام ، وأبدلها ورش ألفاً وابن كثير لا يدخل قبلها ألفاً ، وقالون وهشام وأبو عمرو يدخلونها والباقون يحققون .

وإن اختلفا بالفتح والكسر سهل الحرميان وأبو عمرو الثانية ، وأدخل قالون وأبو عمرو قبلها ألفاً والباقون يحققون ، أو بالفتح والضم وذلك في :{ قل أؤنبئكم } { أءُنزل عليه الذكر } { أءُلقي } فقط ، فالثلاثة يسهلون ، وقالون يدخل ألفاً ، والباقون يحققون ، لكن عن هشام خلاف – قال الداني : وأشار الصحابة إلى التسهيل بكتابة الثانية واواً . انتهى .

رابعها : إسقاطها بلا نقل وبه قرأ أبو عمرو إذا اتفقا في الحركة وكانا في كلمتين ، فإن اتفقا كسراً نحو ) هؤلاء إن كنتم ) جعل ورش وقنبل الثانية كياءٍ ساكنة ، وقالون والبزي الأولى كياءٍ مكسورة ، وأسقطها أبو عمرو والباقون يحققون ، وإن اتفقا بالفتح نحو : ( جاءَ أَجلهم ) جعل ورش وقنبل الثانية كمده ، وأسقط الثلاثة الأولى ، والباقون يحققون ، أو بالضم وهو : ( أولياءُ أُلئك ) فقد أسقطها أبو عمرو وجعلها قالون والبزي كواوٍ مضمومة ، والآخران يجعلان الثانية كواو ساكنة ، والباقون يحققون ، ثم اختلفوا في الساقط هل الأولى أو الثانية ؟

الأولى عند أبي عمرو ، والثانية عند الخليل من النحاة ، وفائدة الخلاف حكمُ المد ، فإن كان الساقط الأولى فهو منفصل أو الثانية فهو متصل ، انتهى .

 

*~*~*~*~*~*~*~*~*

 

 

النوع الخامس والثلاثون :

 

 

الإدغام .

 

وهو قسمان : إدغام الحرف في مثله ، وإدغامه في متقاربه ، والأول إما في كلمة أو كلمتين ، فلم يدغم أبو عمرو المثلين في كلمة إلا في : { مناسككم } و { ما سلككم } وأظهر ما عداهما نحو :{ جباههم } و { وجوههم } وأما في كلمتين فإنه يدغم الأول سواء سكن ما قبله أم تحرك في جميع القرآن إلا في لقمان فلا تحريك كغيره ، وإلا إذا كان الأول من المثلين مشدداً أو منوناً أو تاء خطاب أو تكلم ، فإن كان معتلاً نحو :{ ومن يبتغ غير الإسلام } ففيه خلاف ، إلا :{ ويا قوم من ينصرني } ، { يا قوم مالي } فلا خلاف فيه وإن كان معتلاً ، وأما { آل لوط } حيث وقع فأظهره عامة البغدايين ، وعلله ابن مجاهد بقلة حروف الكلمة ، قال الداني : وقد أجمعوا على إدغام ( لك كثيراً ) وهو أقل حروفاً منه فدل على صحة الإدغام فيه ، قال : وإن صح الأول فذلك لاعتلال عينه إذ كانت هاء فقلبت همزة ، وأما المتقاربان فقسمان أيضاً : فلم يدغم أبو عمرو أيضاً مما في كلمة إلا القاف المتحرك ما قبلها في الكاف في ضمير جمع المذكر ، وأظهر ما عداهما والقاف الساكن ما قبلها أو التي في غير جمع ، وأدغم مما في كلمتين : الحاء في العين في :{ زحزح عن النار } فقط ، والقاف في الكاف وعكسه إذا تحرك ما قبلها ، والجيم في الشين والتاء في { أخرج شطأه } و { ذي المعارج تعرج } فقط ، والشين في السين في :{ العرش سبيلاً } فقط ، والضاد في الشين في :{ لبعض شأنهم } فقط والسين في الزاي والشين في :{ النفوس زوجت }و{الرأس شيباً } فقط ، والدال في حروف بمواضع مخصوصة وحيث كسرت أو ضمت بعد ساكن في الطاء والذال والتاء والجيم والسين وفي الظاء والضاد والشين والصاد والزاي بمواضع مخصوصة ، والتاء : في الذال والثاء والشين والضاد في مواضع مخصوصة ، وفي السين مطلقاً ، والراء : في اللام وعكسه إذا تحرك ما قبلها أو سكن وضمت أو كسرت ، واستثنى :{ قال رب – قال ربكم – قال ربنا} فأدغمه وإن فقد الشرط .

والنون في اللام والراء إن لم يسكن ما قبلها مطلقاً إلا :{ ونحن له – فما نحن لكما – فما نحن لك }

والباء في الميم في { ويعذب من يشاء } حيث وقع لا غير ، فهذه أصول الإدغام وتعداد صورها ، ومحله كتب القراءات ، والله أعلم .

 

*~*~*~*~*~*~*~*

 

 

النوع الثامن والثلاثون :

 

 

مخارج الحروف .

 

هذا النوع من زيادتي ، والحاجة إليه أهم وأشد مما قبله في كيفية النطق بألفاظ القرآن الكريم ، فالصحيح عند القراء ومتقدمي النحاة كالخليل أن المخارج سبعة عشر ، وقال كثير من الفريقين : ستة عشر فأسقطوا مخرج الحروف الجوفيه التي هي حروف المد واللين وجعلوا مخرج الألف من أقصى الحلق والواو من مخرج المتحركة وكذا الياء ، وقال قطرب والجرمي والفراء وابن دريد : أربعة عشر فأسقطوا مخرج النون واللام وجعلوهما من مخرج واحد .

قال ابن الحاجب : وكل ذلك تقريب وإلا فلكل حرف مخرج على حدة .

قال الفراء : واختيار مخرج الحرف محققاً أن تلفظ بهمزة الوصل وتأتي بالحرف بعدها ساكناً أو مشدداً وهو أبين ملاحظاً فيه صفات ذلك الحرف .

المخرج الأول : الجوف للألف والواو والياء الساكنتين بعد حركة تجانسهما .

الثاني : أقصى الحلق للهمزة والهاء .

الثالث : وسطه للعين والحاء المهملتين .

الرابع : أدناه أي الفم للغين والخاء .

الخامس : أقصى اللسان مما يلي الحلق وما فوقه من الحنك الأعلى للقاف .

السادس : أقصاه من أسفل مخرج القاف قليلاً وما يليه من الحنك الأعلى للكاف .

السابع : وسطه بينه وبين وسط الحنك الأعلى للجيم والشين والياء .

الثامن : للضاد المعجمة من أول حافة اللسان وما يليه من الأضراس من الجانب الأيسر وقيل : الأيمن .

التاسع : للام : من حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرفه وما بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى .

العاشر : للنون من طرفه أسفل اللام قليلاً .

الحادي عشر : للراء من مخرج النون لكنها أدخل في ظهر اللسان .

الثاني عشر : للطاء والدال والتاء من طرفه وأصول الثنايا العليا مصعداً إلى جهة الحنك الأعلى .

الثالث عشر : لحروف الصفير : الصاد والسين والزاي من بين طرف اللسان و فويق الثنايا السفلى .

الرابع عشر : للظاء والذال والثاء من بين طرفه وأطراف الثنايا العليا .

الخامس عشر : للفاء من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا .

السادس عشر : للباء والميم والواو غير المدية بين الشفتين .

السابع عشر : الخيشوم للغنة في الإدغام والنون أو الميم الساكنة ، ولبعض هذه الحروف فروعٌ صحت بها القراءة كالهمزة المسهلة وألف الإمالة والتفخيم وصاد الإشمام ولام التفخيم ، وصفات الحروف مبسوطة في كتب القراءات وكتب النحو . انتهى .

 

القسم الرابع

من صفحة ( 198) إلى صفحة ( 263)

*~*~*~*~*~*~*~*

النوع التاسع والثلاثون :

الغريب

هذا نوع مهم وللناس فيه تصانيف ، وأشهرها للقدماء : غريب أبي عبيدة ، معمر بن المثنى وهو فيما أظن أول من صنف فيه ، وأشهرها الآن وأكثرها استعمالاً وأحسنها تلخيصاً ووجازة غريب ( العزيزي ) فقد أقام في جمعه خمس عشرة سنة يحرره هو وشيخه أبو بكر بن الأنباري ، ولأبي حيان في ذلك كتاب لطيف مختصر وينبغي الاعتناء به ، فقد توقف الصحابة في ألفاظ منه حتى سألوا عنها ووقفوا عليها ، فمن ذلك ما رواه أبو عبيدة في الفضائل : حدثنا يحي بن سعيد عن سفيان عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس قال : كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها ، يقول : أنا ابتدأتها ، وقال أيضاً : حدثنا محمد بن يزيد عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التميمي أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله :{ وفاكهة وأباً } فقال : أي سماء تظلني ، وأي أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم .

وقال : حدثنا يزيد بن حميد عن أنس أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قرأ على المنبر :{ وفاكهة وأباً } فقال : هذه الفاكهة قد عرفناها ، فما الأب ؟ ثم رجع إلى نفسه وقال : إن هذا لهو الكلف يا عمر . وقد عرفه ابن عباس كما رواه إسحاق بن راهويه فقال : حدثنا المغيرة بن سلمة المخزومي حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا عاصم بن كليب حدثني أبيّ عن ابن عباس قال : قال لي عمر ما تقول في ليلة القدر ؟ فقلت له : إني سمعت الله تعالى أكثر ذكر السبع فذكر السموات سبعاً والأرضين سبعاً فقال : كل ما قلت قد عرفته غير هذا ما تعني بقولك : وما أنبتت الأرض سبعاً – فقال : إن الله يقول :{ فأنبتنا فيها حباً . وعنباً وقضباً . وزيتوناً ونخلاً . وحدائق غلباً . وفاكهة وأباً } فالحدائق : كل ملتفٍ حديقة ، والأب : ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس . الحديث .

وقال ابن جرير : أنبأنا ابن حميد أنبأنا جرير عن منصور سألت سعيد ابن جبير عن قوله :{ وحناناً من لدنا } فقال : سألت عنها ابن عباس فلم يجب فيها شيئاً . وكذا رواه ابن جرير عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال : لا والله ما أدري ما حناناً .

*~*~*~*~*~*~*~*~*

النوع الأربعون :

المعرب .

وهو نوع استعملته العرب في معنى وضع له في غير لغتهم ، ولا خلاف في وقوع الأعلام الأعجمية في القرآن ، واختلفوا هل وقع فيه غيرها ؟ فالأكثر ومنهم الشافعي وابن جرير أنكروا ذلك لقوله تعالى :{ قرآناً عربياً } وقوله :{ لولا فصلت آياته ءأعجمي وعربي } وأجابوا عن ما يوهم ذلك بأنه مما اتفقت فيه لغة العرب ولغة غيرهم كالصابون ، وذهب جماعة إلى الوقوع .

وأجابوا عن الآية الأولى بأن ذلك لا يخرجه عن كونه عربياً لأن القصيدة لا يخرجها عن كونها عربية كلمة فيها فارسية .

وعن الثانية : بأن المعنى : أكلام أعجمي ومخاطب عربي ؟

وقد ورد عن جماعة من الصحابة والتابعين تفسير ألفاظ فيه أطلقوا أنها بلسان غير العرب ، فعن ابن عباس في قوله تعالى : " طه " هو كقوله : { يا محمد } بلسان الحبشة رواه الحاكم ، وعنه في قوله تعالى :{ إن ناشئة الليل } قال : بلسان الحبشة : إذا شاء قام ، رواه الحاكم والبيهقي وهو في البخاري تعليقاً .

وعن البراء بن عازب في قوله تعالى :{ سرياً } قال : ( نهر صغير بالسريانية علّقه البخاري ) .

وعن أبي موسى الأشعري في قوله تعالى :{ يؤتكم كفلين } قال : ضعفين بالحبشية ، أخرجه وكيع ، وقال أبو ميسرة : الأوّاه : الرحيم بالحبشية ، وقال سعيد ابن عياض اليماني : ( المشكاة ) الكوة بالحبشية ، وقال مجاهد : القسطاس : العدل بالرومية ، رواها كلها البخاري تعليقاً ، وقد جمع الشيخ تاج الدين السبكي في ذلك سبعاً وعشرين لفظة في أبيات فاستدرك عليه شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر أربعاً وعشرين ذيّلها على أبياته ووطأتها قبل ببيت من المُعَرب :

السلسبيل وطه كورت بيع

روم وطوبى وسجيل وكافور

والزنجيل ومشكاة سرادق مع

استبرق صلوات سندس طور

كذا قراطيس ربانيهم وغساق

ثم دينار القسطاس مشهور

كذاك قسورة واليم ناشئة

ويؤت كفلين مذكور ومسطور

له مقاليد فردوس يعد كذا

فيما حكى ابن دريد منه تنور

وزدت جرم ومهل والسجل كذا

السرى والأب ثم الجبت مذكور

وقطنا وإناه ثم متكئاً

دارست يصهر منه فهو منصور

وهيت والسكر الأواه مع حصب

وأوبي معه والطاغوت مسطور

صرهن إصري وغيض الماء مع وزر

ثم الرقيم مناص والسنا النور

*~*~*~*~*~*~*

النوع الحادي والأربعون :

المجاز .

وهو فن عظيم متسع بالغت فيه العرب لاستعمالهم له كثيراً ، ونفى الظاهرية وقوعه في القرآن ، قالوا لأنه كذب ، فإن قولك للبليد : هذا حمار كذب والقرآن منزه عنه ، قلت : الذي قال هذا حمار ، فقد اتفق أهل البلاغة على أن المجاز أبلغ من الحقيقة ، وقد صنف العلماء في مجاز القرآن كتباً منهم : الشيخ عز الدين بن عبد السلام ، وله أنواع كثيرة ذكر منها البلقيني نزراً يسيراً واقتصر على ما أورده أبو عبيدة في أول غريبة وقد سردنا هنا من أنواعه ما لم يجتمع في كتاب :

الأول : الحذف والاختصار كقوله تعالى :{ فمن كان منكم مريضاً أو على سفر ..} أي : فأفطر فعدة ، { أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون . يوسف أيها الصديق ..} أي فأرسلوه فجاء فقال : يا يوسف ، وكثر في القرآن حذف المبتدأ والخبر و المفعول والجواب نحو :{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم } أي : لعذبكم – { ولو ترى إذ وقفوا على النار } أي لرأيت أمراً عظيماً – { ق . والقرآن المجيد } أي لتبعثن أو نحو ذلك ، وربما يطلق على هذا النوع الإضمار ، وبعضهم يجعله قسيماً للمجاز لا قسماً منه ، وقال العراقي : وهو أربعة : قسم يتوقف عليه صحة اللفظ ومعناه من حيث الإسناد نحو :{ واسأل القرية } أي أهلها ، إذ لا يصح إسناد السؤال إليها ، وقسم يصح بدونه لكن يتوقف عليه شرعاً كآية المريض السابقة وقسم يتوقف عليه عادة لا شعاً نحو :{ اضرب بعصاك البحر فانفلق ..} أي فضربه ، وقسم يدل عليه دليل غير شرعي ولا هو عادة نحو :{ فقبضت قبضة من أثر الرسول } دل الدليل على أنه إنما قبض من أثر حافر فرس الرسول ، وليس في هذه الأقسام مجاز إلا الأول .

الثاني : الزيادة نحو :{ ليس كمثله شيء } فالكاف زائدة ، إذ القصد نفي المثل لا نفي مثل المثل – { لا أقسم } أي : أقسم ، فلا زائدة .

{ هل من خالق } أي : هل خالق . { ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه } أي فيما مكناكم . { فلما أسلما وتله للجبين وناديناه} الواو في : ( وناديناه ) : زائدة لأنه جواب لما .

الثالث : التكرار وهو كثير نحو :{ كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون } .

الرابع : إطلاق واحد من المفرد والمثنى والجمع على آخر منها – فمثال إطلاق المفرد على المثنى :{ والله ورسوله أحق أن يرضوه } أي يرضوهما فأفرد لتلازم الرضائين ، وعلى الجمع { إن الإنسان لفي خسر } أي الأناسي بدليل الاستثناء منه – و{ إن الإنسان خلق هلوعاً } بدليل : { إلا المصلين } – { والملائكة بعد ذلك ظهير } ومثال إطلاق المثنى على المفرد : { فألقيا في جهنم } أي ألق ، وعلى الجمع :{ ثم ارجع البصر كرتين } ومثال إطلاق الجمع على المفرد :{ قال رب ارجعون } أي أرجعني وعلى المثنى :{ قالتا أتينا طائعين } { قالوا لا تخف خصمان } { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } فإنها تحجَب بالأخوين – { فقد صغت قلوبكما } أي قلباكم – { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ..} إلى أن قال :{ وكنا لحكمهم شاهدين } .

الخامس : تذكير المؤنث تفخيماً له نحو :{ فمن جاءه موعظة من ربه ..} .

السادس : التقديم والتأخير ، ومثل له البلقيني بتقديم المفعول والخبر وتأخير الفعل والفاعل ، ومثّل له ابن قتيبة بأمثلة دقيقة منها : { أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً . قيماً } أراد : أنزل الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً ، وقوله :{ فضحكت فبشرناها بإسحاق } أي بشرناها فضحكت ، وقوله :{ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا } أراد : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة .

السابع : إسناد الشيء إلى ما ليس له لملابسة ، نحو( عيشةٍ راضية } أي : مرضية – { وإذا تليت عليهم ءاياته زادتهم إيماناً } أي : زادهم الله بها – { يذبح أبناءهم } أي يأمر بذبحهم – { يا هامان ابن لي صرحاً } أي : مر بالبناء { يوماً يجعل الولدان شيباً } و{أخرجت الأرض أثقالها } ولم يفهم البلقيني هذا النوع فمثل له بمثال غير مطابق .

الثامن : القلب ، وممن جوزه في القرآن أبو عبيد وابن قتيبة خلافاً لأبي حيان في قوله إنه ضرورة فلا يكون فيه ، فإن الأصح أنه إن اقتضى معنىً لطيفاً قُبِل ، وذكر ابن قتيبة منه :{ فإنهم عدو لي } أي فإني عدو لهم – { بل الإنسان على نفسه بصيرة } أي : بل على الإنسان من نفسه بصيرة ، { خلق الإنسان من عجل } أي : خلق العجل كائناً من الإنسان بدليل :{ وكان الإنسان عجولاً } وذكر منه غيره :{ ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة ..} أي : لتنوء العصبة بها { فعميت عليكم } أي : فعميت عليها .

ومنه نوع يسمى : قلب التشبيه نحو :{ أفمن يخلق كمن لا يخلق ..} { إنما البيع مثل الراب } { لستن كأحد من النساء ..} والتشبيه المقلوب أبلغ من غيره ، ولهذا اتفق عليه من خالف في غيره .

التاسع : استعمال لفظ موضع غيره وأقسامه منتشرة ، فمنها : تسمية الشيء باسم جزئه :{ بما قدمت يداك } أو عكسه نحو { يجعلون أصابعهم في آذانهم ..} أي : أناملها ، أو باسم سببه : { ينزل لكم من السماء رزقاً } أو ما كان عليه { وءاتوا اليتامى أموالهم } أو مايؤول إليه :{ أعصر خمراً } أو محله : { فليدع ناديه } أو حاله : { ففي رحمة الله هم فيها خالدون } أو آلته :{ واجعل لي لسان صدق } ومنها : ذكر الماضي موضع المستقبل لتحقق وقوعه : { أتى أمر الله } وعكسه : { ويقول الذين كفروا لست مرسلاً } والخبر موضع الأمر :{ والطلقات يتربصن } وعكسه :{ وليبكوا كثيراً } والخبر موضع الدعاء :{ قتل الخراصون } وموضع النهي :{ لا يمسه إلا المطهرون } والأمر لغير الطلب كالتهديد :{ اعملوا ما شئتم } والإنذار :{ قل تمتعوا } والتسخير :{ كونوا قردة } والمن به :{ كلوا مما رزقكم الله } والتكوين : { كن فيكون } والتسوية : { اصبروا أو لا تصبروا } والتعجب :{ انظر كيف ضربوا لك الأمثال } والمشورة : { فانظر ماذا ترى } والتكذيب : { قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا } والنهي لغير الكف : كالتسوية في الآية السابقة ، والاستفهام لغير طلب التصور والتصديق كالاستبطاء { متى نصر الله } والتعجب : { مالي لآ أرى الهدهد } { عم يتساءلون } ، والتوبيخ : { أتأتون الذكران } ، والإنكار :{ أغير الله تدعون } ، والتقرير :{ قل من يكلؤكم } والوعيد :{ ألم نهلك الأولين } ، والتكذيب :{ أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثاً ..} ، والتهكم :{ أصلواتك أمرك } ، والتحقير :{ من فرعون } على قراءة فتح الميم ، والاستبعاد :{ أنى لهم الذكرى } ، والأمر :{ فهل أنتم منتهون } ، والتمني :{فهل لنا من شفعاء ..} والتنبه على الضلال :{ فأين تذهبون } ، والتسوية: { سواء عليهم أءنذرتهم أم لم تنذرهم } ، والنفي :{ هل من خالق ..} ، وسوق المعلوم مساق غيره : ويسمى في غير القرآن تجاهل العارف – والإعنات نحو : { الحاقة مالحاقة } ، والتشويق :{ وهل أتاك نبؤا الخصم ...} ، والتحقيق :{ هل أتى على الإنسان ...} ، ومنها : استعمال لفظ العاقل لغيره نحو قوله :{ قالتا أتينا طائعين } ، ومنها : إنابة حروف الجر وغيرها عن بعضها في المعنى وذلك كثير جداً ولا التفات إلى من منع دخول المجاز في الأفعال والحروف .

العاشر : نسبة الفعل إلى شيئين هو لأحدهما فقط ، ذكره ابن قتيبة ومثّل له بقوله تعالى :{ فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما } ، والناسي يوشع بدليل قوله :{ إني نسيت الحوت } ، وقوله :{ يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم } والرسل من الإنس دون الجن ، { مرج البحرين } إلى قوله :{ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } ، وإنما يخرج من الملح دون العذب ، فهذا ما لخصته من أنواع المجاز ، ولو عددت أقسام كل نوع لقاربت المائة وذلك من فضل الله ولا قوة إلا بالله ، ومن أنواع المجاز ماله اسم خاص مفرد بنوع ، وسيأتي الكلام عليه في محاله إن شاء الله .

*~*~*~*~*~*~*~*~~*

النوع الثاني والأربعون :

المشترك .

الاشتراك : أن يتحد اللفظ ويتعدد المعنى ، واختلف في وقوعه ، فمنعه ثعلب والأزهري والبلخي ، ومنع قوم وقوعه في القرآن، وادعى قوم أنه واجب الوقوع لأن المعاني أكثر من الألفاظ ، والأصح أنه واقع في القرآن وغيره لا على سبيل الوجوب ، فمنه : ( القرء ) مشترك بين الحيض والطهر ، و ( عسعس ) لإقبال الليل وإدباره - ( الند ) للمثل والضد و ( الدين ) للطاعة والجزاء ، و ( المولى ) للسيد { هو مولاكم } ، والقريب :{ وإني خفت الموالي من ورائي } ، ووراء : لخلف وأمام – و ( البلاء ) للنعمة والنقمة – و ( التواب ) للتائب وقابل التوبة – و ( المضارع ) للحال والاستقبال على الأصح من خمسة أقوال بيناها في مؤلفاتنا النحوية – والله أعلم .

*~*~*~*~*~*~*

النوع الثالث والأربعون :

الترادف.

وهو اتحاد المعنى وتعدد اللفظ ، واختلف أيضاً في وقوعه ، فنفاه ثعلب وابن فارس ، والأصح وقوعه فمنه : الإنسان والبشر ، والحرج والضيق – والرجس والرجز و العذاب – واليم والبحر .

قال البلقيني : وكذلك الإيمان والإسلام كل منهما يشمل الآخر عند الإفراد فإن جمع بينهما تخصصا بالذكر ، ومثلهما في ذلك : الشرك والكفر ، والفيء والغنيمة ، والفقير والمسكين , وقد قست على ذلك في النحو : الظرف والمجرور .

مسألة :

الأصح أنه يجوز وقوع كل من الرديفين مكان الآخر ما لم يكن متعبداً بلفظه كلا إله إلا الله ، فلا يجزئ : لا إله إلا الرحمن ، ومحمد رسول الله فلا يجزئ : أحمد رسول الله .

*~*~*~*~*~*~*~*

النوع الرابع والأربعون والخامس والأربعون :

المحكم والمتشابه .

هذان النوعان من زيادتي ، وقد اعتذر البلقيني عن إهمالها بما لا يقبل قال تعالى :{ هو الذي أنزل عليك منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ...} الآية – واختلف في المحكم والمتشابه ما هو وفي تفسيره ، وهل المتشابه مما يختص الله بعلمه ؟ فعن ابن عباس : المحكم : ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما نؤمن به ونعمل به ، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك ومقاتل وغيرهم أنهم قالوا : المحكم : ما يعمل به ، وعن ابن عباس : المحكم قوله تعالى :{ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } الآيات الثلاث .

وقوله :{ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } الآيات الثلاث ، وقال يحي بن يعمر : الفرائض والأمر والنهي والحلال والحرام . وقال سعيد بن جبير : هن أم الكتاب أي أصله لأنهن مكتوبات في جميع الكتب ، وقال مقاتل : لأنه ليس من دين إلا يرضى بهن .

وقيل في المتشابه : إنه المنسوخ والمقدم والمؤخر والأمثال والأقسام وما يؤمن به ولا يعمل به ، وروى ابن عباس ، وقال مقاتل : هي الحروف المقطعة في أوائل السور – واختلف الناس في تفسير المتشابه بحسب اختلافهم في : هل يعلمه الراسخون أو لا ؟ فعلى الأول هو ما لم يتضح معناه ، وعلى الثاني : ما استأثر الله بعلمه . وكذا اختلف القراء في الوقف : هل هو على قول : ( إلا الله ) أو ( والراسخون في العلم ) ؟ والذي عليه الجمهور أن المتشابه لا يعلمه إلا الله ، فقد روى البخاري من حديث عائشة قالت : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية :{ هو الذي أنزل عليك الكتاب } فقال : فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم .

*~*~*~*~*~*~*~*

النوع السادس والأربعون :

المشكل .

هذا النوع من زيادتي ، ويشبهه من أنواع علم الحديث : مختلف الحديث والفرق بينه وبين المتشابه : أن المتشابه لا يفهم معناه والمراد منه وهذا يفهم بالجمع ، إذ المراد منه الآيات التي ظاهرها التعارض المنزه عنه كلام الله ، وقد صنف ابن قتيبة كتاباً جيداً في هذا النوع .

مثال ذلك ما رواه الحاكم وعلقه البخاري : أن رجلاً سأل ابن عباس عن قوله تعالى :{ والله ربنا ما كنا مشركين } وقوله في آية أخرى :{ ولا يكتمون الله حديثاً } فقال ابن عباس : أما قوله : :{ والله ربنا ما كنا مشركين } فإنهم لما رأوا يوم القيامة أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا : تعالوا فلنجحد فختم الله على أفواههم فتكلمت أيديهم وأرجلهم فلا يكتمون الله حديثاً ، وكذا روي عنه في آيات نحو ذلك : أن في القيامة مواقف ففي بعضها ينكرون ، وفي بعضها يقرون ، و في بعضها يسألون ، وفي بعضها لا يسألون كما في قوله تعالى : { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } ، وقال تعالى في آية أخرى :{ فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } وقال :{ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } وقال في آية أخرى :{ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان } وقال تعالى :{ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } وقال :{ إنك لا تهدي من أحببت } والجميع أن الهدى مشترك فيطلق على الدلالة وهو المنسوب إليه في الأول ، وعلى خلق الاهتداء وهو المنفي عنه في الثاني - ومن رسخ قدمه في معرفة مواد العرب واستعمالاتها وفنون اللغة ورزق فهماً وبصيرة لم يخف عليه الجمع بين الآيات المشكلة ، وقد روي أن ابن عباس توقف في بعض ذلك فروى أبو عبيد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن أبي مليكة قال : سأل رجل ابن عباس عن :{ يوم كان مقداره ألف سنة } فقال له ابن عباس : فما { يوم مقداره خمسين ألف سنة }؟ فقال الرجل : إنما سألتك لتحدثني ، فقال ابن عباس : هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله أعلم بهما . انتهى .

*~*~*~*~*~*~*

النوع السابع والثامن والأربعون :

المجمل والمبين .

المجمل : ما لم تتضح أدلته ، ومنع داود الظاهري وقوعه في القرآن وفي جواز إبقائه على إجماله ثلاثة أقوال : أصحها : لا يجوز إبقاء المكلف بالعمل به ، ويجوز إبقاء غيره ، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى :{ وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة } { ولله على الناس حج البيت ..} وقد بينت السنة أفعال الصلاة والحج ومقادير نصب الزكاة في أنواعها وقوله تعالى :{ وما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم يقولون ءامنا به ..} تردد لفظ ( الراسخون ) بين العطف والابتداء ، وقد حمله الجمهور على الابتداء للحديث السابق – { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } يحتمل أن يكون للولي ، وأ، يكون الزوج ، وقد حمله إمامنا الشافعي على الزوج ومالك على الولي لما قام عندهما .

{ إلا ما يتلى عليكم } للجهل حينئذ بمعناه ، وقد بينه بعد نزوله :{ جرمت عليكم الميتة ..} إلى آخره ، واختلف في قوله قوله تعالى :{ وأحل الله البيع } هل هو عام خصصت منه السنة البيوع الفاسدة أو مجمل بينت السنة ما أجمل منه ، أو عام اللفظ مجمل المعنى على أقوال . وادعى الحنفية أن منه :{ وامسحوا برؤوسكم } لتردده بين الكل والبعض فبينه حديث مسح الناصية ، ورُد بأنه لمطلق المسح الصادق باقل ما ينطلق عليه الاسم ويفيده .

*~*~*~*~*~*~*~*~*

النوع التاسع والأربعون:

الاستعارة .

وهي نوع من المجاز لكنها مختصة باسم وحدّه ، وبعضهم يطلق على المجاز كله استعارة ، كأنك استعرت اللفظ من مستحقه الذي وضع له ونقلته إلى غيره ، ومنهم من يخصها بمالم يذكر المستعار له وعرفها أهل البيان بأنها : مجاز علاقته المشابهة ، فإطلاق المِشفر مثلاً على شفة الإنسان إن كان للتشبيه بمشفر الإبل في الغلظ فهو استعارة ، أو لإطلاق المقيد على المطلق من غير قصد التشبيه فمجاز ويسمى : مرسلاً ، وهي أقسام كثيرة فمنها : تحقيقية وهي : ما تحقق معناها عقلاً أو حساً نحو :{ اهدنا الصراط المستقيم } أي : الدين الحق – { أو من كن ميتاً فأحييناه ..} أي : ضالاً فهديناه .

ومنها : تهكمية وتمليحية – وهما ما استعملا في ضده أو نقيضه نحو :{ فبشرهم بعذاب أليم } استعير لفظ البشارة للعذاب ، وهي موضوعة للسرور تهكماً بهم .

ومنها : مجردة وهي : ما قرن بملائم المستعار له نحو :{ فأذاقها الله لباس الجوع ..} لم يقل : ( فكساها ) لأن الإدراك بالذوق يستلزم الإدراك باللمس ولا عكس .

ومنها : مرشحة وهي : ما قرن بما يلائم المستعار منه نحو : { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم ..} استعار الاشتراء للاستبدال والاختيار ثم قرنها بما يلائم الاشتراء من الربح والتجارة .

ومنها : استعارة بالكناية وهي : أن تضمر التشبيه في النفس فلا تصرح بشيء من أركانه سوى المشبه ، ويدل عليه بأن يثبت للمشبه أمر مختص بالمشبه به ، فنفس التشبيه هو الكناية ، وإثبات ذلك الأمر للمشبه استعارة تخييلة نحو :{ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } شبه ما يدرك من أثر الضر والألم بما يدرك من طعم المر البشع فأوقع عليه الإذاقة ، فتكون الإذاقة بمنزلة الأظفار للمنية في قوله :

وإذا المنية أنشبت أظفارها

وكذا قولته تعالى :{ جداراً يريد أن ينقض ..} شبه ميلانه للسقوط بانحراف الحي فأثبت له الإرادة التي هي من خواص العقلاء ، وقوله تعالى :{ ختم الله على قلوبهم ..} بأن لا تقبل الحق بالشيء الموثوق المختوم ثم اثبت لها الختم .

ومنها : تبعية وهي : أن يكون المستعار فعلاً أو صفة أو حرفاً كما تقدم في آية :{ فبشرهم ..} وآية :{ إنك لأنت الحليم الرشيد } ومنه قوله تعالى :{ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً } استعيرت لام ( كي ) التي هي للعلة للغاية .

ومنها : تمثيلية : وهي ما استعمل فيما شُبّه بمعناه الأصلي تشبيه مبالغة نحو :{ واعتصموا بحبل الله جميعاً..} شُبه استظهار العبد بالله ووثوقه به والتجاؤه إليه باستمساك الواقع في مهواة مهلكة بحبل وثيق مدلى من مكان مرتفع يأمن انقطاعه ، و لها أنواع أخر مبينة في علم البيان والله أعلم .

*~*~*~*~*~*~*

النوع الخمسون :

التشبيه .

وهو أيضاً نوع من المجاز ، ويفارق الاستعارة باقترانه بالأداة وهي الكاف ومثل وكأن ونحوها ، وإن تجرد منها لفظاً فإن قدَّرْتها فهو تشبيه وإلا فاستعارة كقوله تعالى :{ صم بكم عمي ..} والتقدير أعم من كونه جزء كلام كهذه الآية ، وكون الكلام فيه ما يقتضي تقديره كقوله تعالى :{ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } فالخيط الأسود تشبيه لأن بيان الخيط الأبيض بالفجر قرينة على أن الأسود أيضاً مبين بسواد آخر الليل ، ومن أمثلته قوله تعالى :{ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً ..} { والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم } { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ..} وأبلغه المقلوب كما تقدم في نوع المجاز .

*~*~*~*~*~*~*~*

النوع الحادي والخمسون والثاني والخمسون :

الكناية والتعريض .

هذان النوعان من زيادتي وهما مهمان ، وقد ألف الشيخ تقي الدين السبكي فيهما كتاباً ، واختلف الناس في الفرق بينهما وبين الحقيقة والمجاز بما هو مبسوط في كتب البيان ، والذي تحرر منه أن الكناية لفظ استعمل في معناه مراداً به لازم المعنى ، فهي بحسب استعمال اللفظ في المعنى حقيقة ، والتجوز في إرادة إفادة ما لم يوضع له ، وقد لا يراد منها المعنى بل يعبر بالملزوم عن اللازم وهي حينئذ مجاز كقولك : زيد طويل النجاد أي طويل حمائل السيف مريداً به طول القامة الذي هو لازم لطوله حقيقة ومنه في القرآن :{ قل نار جهنم أشد حراً ..} فإنه لم يقصد إفادة ذلك لأنه معلوم بل إفادة لازمه ، وهو أنهم يرِدُونها ويجدون حرّها إن لم يجاهدوا .

وأما التعريض : فهو لفظ استعمل في معناه للتلويح بغيره نحو :{ بل فعله كبيرهم هذا } نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتخذة آلهة كأنه غضب أن تعبد الصغار معه تلويحاً لعابديها بأنها لا تصلح أن تكون آلهة لما يعلمون إذا نظروا بعقولهم من عَجز كبيرها عن ذلك الفعل والإله لا يكون عاجزاً ، فهو حقيقة أبداً .

ومنه قوله تعالى :{ لئن أشركتم ليحبطن عملك } الخطاب له صلى الله عليه وسلم وهو تعريض بالكفار .

{ ومالي لآ أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون } أي : ومالكم لا تعبدون ، وقريب مما تقدم في حدهما قول الزمخشري : الكناية ذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له ، والتعريض : أن يذكر شيئاً يدل على شيء لم يذكره .

وقول ابن الأثير : الكناية : ما دل على معنى يجوز حمله على الحقيقة والمجاز بوصف جامع بينهما ، والتعريض : اللفظ الدال على معنى لا من جهة الوضع الحقيقي أو المجازي ، كقول من يتوقع صلة : والله إني لمحتاج – فإنه تعريض بالطلب مع أنه لم يوضع له حقيقة ولا مجازاً وإنما فهم من عرض اللفظ أي جانبه .

*~*~*~*~*~*~*

النوع الثالث والخمسون :

العام الباقي على عمومه .

هذا النوع مثاله عزيز إذ ما من عام إلا ويتخيل فيه التخصيص ، فقوله تعالى : { يا أيها الناس اتقوا ربكم } قد يخص منه غير المكلف ، و { حرمت عليكم الميتة } خص منه حالة الاضطرار وميتة السمك والجراد .{ وحرم الربا } خُص منه العرايا .

ومما يصلح مثالاً له : { خلقكم من نفس واحدة } وقوله تعالى :{ والله بكل شيء عليم } .

*~*~*~*~*~*

النوع الرابع والخمسون والخامس والخمسون :

المخصوص والذي أريد به الخصوص .

هذان النوعان : من الناس من لم يفرق بينهما حيث ذكر العقل من المخصوصات والأصح التفرقة ، وللسبكي فيهما رسالة مستقلة ، ولهم بينهما فروق :

أحدها : أن العام الذي أريد به الخصوص قرينته عقلية { الله خالق كل شيء }.

الثاني : أن قرينته معه نحو :{ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم } قال الشافعي : فإذا كان من مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً غير من جمع لهم الناس ، وكان المخبِرون لهم ناساً غير من جُمع لهم ، وغير من معه ممن جُمع عليه ، وكان الجامعون لهم ناساً فالدلالة بينة بما وصفت من أنه إنما جُمع لهم بعض الناس دون بعض ، والعلم محيط أنه لم يُجمع الناس كلهم ولم يُخبرهم الناس كلهم ولم يكونوا هم الناس ، ولكنه لما كان اسم الناس يقع على ثلاثة نفر وعلى جميع الناس وعلى من بين جمعيهم وثلاثة منهم كان صحيحاً في لسان العرب أن يقال : ( الذين قال لهم الناس ) وإنما قال ذلك أربعة نفر ( إن الناس قد جمعوا لكم ) يعني المنصرفين من أُحُد .

قال البلقيني : ولم يبين الشافعي – رضي الله عنه – سند ما ذكره من أنهم أربعة نفر ، ويحتمل أن يكون ذلك صح عنده بطريق ، انتهى .

وقد ذكر أهل التفسير أن المراد بالناس القائل وهو نعيم بن مسعود الأشجعي وحده ،وسيأتي الكلام عليه في المبهمات .

الثالث: إن المراد به الخصوص لا يصح أن يراد به العموم بخلاف المخصوص .

الرابع : أنه يصح أن يراد به واحدٌ اتفاقاً ، والمخصوص لا بد فيه من جمع أي على خلف فيه .

الخامس : أن المراد منه أقل مما خرج والداخل في المخصوص أكثر مما خرج وهو قريب من الذي قبله .

قلت : بقي فرق آخر هو أعظم مما ذكره وهو أن المراد به الخصوص مجازٌ قطعاً لأنه لفظ استعمل في بعض أفراده ، والمخصوص حقيقة على الأصح لأن تناول اللفظ للبعض الباقي في التخصيص كتناوله له بلا تخصيص وذلك التناول حقيقي اتفاقاً فكذا هذا .

ومن أمثلة المراد به الخصوص :{ أم يحسدون الناس } أي رسول الله ، { وأوتيت من كل شيء } {وءاتيناه من كل شيء سبباً } { تدمر كل شيء بأمر ربها } .

وأما المخصوص فأمثلته كثيرة جداً .

*~*~*~*~*~*~*~*

النوع السادس والخمسون والسابع والخمسون :

ما خص فيه الكتابُ السنةَ

وما خصت فيه السنة الكتاب.

وقد أنكرهما قوم وقالوا : لا يُخص الكتابُ إلا بكتاب ، ولا السنة إلا بسنة ، وأوجبهما آخرون وقالوا : لا يَخُصُّ الكتاب الكتاب ولا السنة السنة ، والأصح جواز الجميع .

فأما النوع الأول فقليل جداً ، ومن أمثلته قوله تعالى :{ حتى يعطوا الجزية ..} خص عموم قوله صلى الله عليه وسلم :" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " وقوله تعالى :{ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } خص عموم نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الأوقات المكروهة بإخراج الفرائض ، وقوله تعالى :{ ومن أصوافها وأوبارها } الآية ، خص عموم قوله صلى الله عليه وسلم :" ما أُبِين من حي فهو ميت " وقوله تعالى :{ والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم } خص عموم قوله صلى الله عليه وسلم :" لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرّة سوي " فإنهما يعطيان مع الغني ، وكذا سبيل الله – وقوله تعالى :{ فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } خص عموم قوله صلى الله عليه وسلم :" إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار } .

وأما النوع الثاني : فأمثلته كثيرة كتخصيص ( وحرم الربا ) بغير العرايا ، وتخصيص :{ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } بالأحرار ، وكذا عدة الوفاة وآيات المواريث بغير القاتل والمخالف في الدين والرقيق ، وتخصيص :{ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } بغير الكافر والفاسق والأحوال التي يجب فيها الرد والله أعلم .

*~*~*~*~*~*~*~*

النوع الثامن والخمسون :

المؤول .

هو ما تُرك ظاهره لدليل نحو :{ إذا قمتم إلى الصلاة } أي : أرتم القيام – { إذا طلقتم النساء } { فإذا قرأت القرآن فاستعذ } أي : أردتم الطلاق والقراءة ، وكذا قوله تعالى :{ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها } دل الدليل على أن المؤمن لا يخلد فأول الخلود بالمكث الطويل أو الأبدي للمُستحل ، والتأيول إنما يقبل إذا قام دليل وكان قريباً ، أما البعيد فلا .

كتأويل الحنفية قوله تعالى :{فإطعام ستين مسكينً } ستين مداً على أن يقدر مضاف ، أي طعام ستين مسكيناً هو ستون مداً حتى جوزوا إعطاءه لمسكين واحد في ستين يوماً ، ووجهُ بُعده : اعتبار ما لم يُذكر وهو المضاف وإلغاء ما ذُكر وهو العدد ، مع ظهور قصده لفضل الجامعة وبركتهم وتظافر قلوبهم على الدعاء للمحسن .

*~*~*~*~*~*~*

النوع التاسع والخمسون :

المفهوم .

وهو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق ، وخلافه المنطوق وهو : ما دل عليه في محل النطق ، ولم يذكره البلقيني ؛ لأنه الأصل . وفي النفس منه شيء .

فإن له أقساماً ينبغي التنبيه عليها ولنتكلم عليه مضموماً إلى هذا النوع – فأما المفهوم فهو قسمان :

موافقة : وهو ما يوافق حكمه المنطوق ، ويسمى : ( فحوى الخطاب ) إن كان أولى ، و ( لحن الخطاب ) إن كان مساوياً .

مثال الأول :{ فلا تقل لهما أف } فإنه يُفهم تحريم الضرب من باب أولى . ومثال الثاني :{ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ..} الآية ، فإنه يفهم تحريم الإحراق أيضاً لمساواته للأكل في الإتلاف .

ومخالفة : وهو المخالف له ، إذا لم يخرج مخرج الغالب ، فإن خرج لم يسم مفهوماً نحو :{ وربائبكم اللاتي في حجوركم ..} إذ الغالب كون الربيبة في حجر الزوج فلا يفهم إباحة التي ليست في حجره ، ويلحق به نجوه مما لا يقتضي التخصيص بالذكر لموافقة الواقع نحو :{ ومن يدع مع الله إلهاً آخر لابرهان له } { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً }.

ثم المفهوم : إما صفة نحو :{ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } فوجب التبيين في الفاسق.

أو عدد نحو :{ فاجلدوهم ثمانين جلدة } أي : لا أقل ولا أكثر .

أو شرط نحو:{ وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن } أي : فغير أولات الحمل لا يجب الإنفاق عليهن .

أو غاية نحو :{ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره } أي : فإذا نكحته تحل للأول بشرطه .

أو أداة حصر نحو :{ إنما إلهكم الله } أي : فغيره ليس بإله .

أو فصل المبتدأ من الخبر بضمير الفصل نحو : { فالله هو الولي } أي : فغيره ليس بولي .

أو تقديم المعمول نحو :{ إياك نعبد } أي : لا غيرك . { لإلى الله تحشرون } أي : لا إلى غيره .

والمنطوق تارة يتوقف صحة دلالته على إضمار فيسمى ( دلالة اقتضاء ) نحو :{ واسأل القرية } أي : أهلها .

وتارة لا يتوقف ويدل على ما لم يُقصد به فيسمى ( دلالة إشارة ) نحو :{ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } فإن المقصود به جواز الجماع في الليل وهو صادق بآخر جزء منه فيدل بالإشارة على صحة صوم من أصبح جنباً .

قلت : وقد استنبطت بهذه القاعدة أحكاماً من عدة آيات منها قوله تعالى :ر إنما جزاؤا الذين يحاربون الله ورسوله } إلى قوله : { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم } أشار بجواب الشرط بأنه غفور رحيم إلى أن التوبة إنما تسقط الحق المتعلق به تعالى دون المتعلق بالآدمي ، لأن التوبة لا تسقطه وتوهم بعض الشافعية من قوله تعالى في المُؤلي : { فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم } أنه لا يجب عليه كفارة اليمين ، لأن الله ذكر له المغفرة والرحمة ، وغفل قائل هذا عن هذه النكتة فالمغفرة فيه لما تعلق بالله من الحلف به الذي في الحنث فيه حزازة دون ما تعلق بالآدمي من الكفارة فإن فيها حقاً لآدمي فتأمل هذا المحل فإنه نفيس جداً ، والله يهدي للصواب .

*~*~*~*~*~*~*~*~*

النوع الستون والحادي والستون :

المطلق والمقيد.

المطلق : الدال على الماهية بلا قيد ، وقد اشتهر من مذهب الشافعي أنه يحمل المطلق على المقيد وفي ذلك تفصيل ، لأنهما إن اتحد حكمهما وموجبهما وكانا مثبتين وتأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق فالمقيد ناسخ للمطلق وإلا حمل عليه ، وكذا إن كانا منفيين ، وإن كان أحدهما أمراً والآخر نهياً قيد المطلق بضد الصفة ، وإن اختلف السبب فمذهب الشافعي الحمل عليه قياساً ما في قوله تعالى في كفارة القتل :{ فتحرير رقبة مؤمنة } ، وفي كفارة الظهار :{ فتحرير رقبة } ، وإن اتحد الموجب واختلف الحكم : حمل عليه أيضاً كما في قوله تعالى في آية الوضوء :{ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } وفي آية لتيمم :{ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم }.

وأما المقيد في موضعين وقد أُطلق في موضع وليس أَولى بأحدهما من الآخر فلا يُحمل على شيء منهما كقوله تعالى في قضاء أيام رمضان :{ فعدة من أيام أخر } وفي كفارة الظهار :{ فصيام شهرين متتابعين } وفي صوم التمتع :{ فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم } فأوجب التتابع في الثاني ، والتفريق في الثالث وليس الأول أولى بأحدهما من الآخر فلا يجب فيه تتابع ولا تفريق .

وقد يكون الكتاب مقيداً للسنة المطلقة ، والسنة مقيدة للكتاب المطلق كالتخصيص والله سبحانه أعلم .

*~*~*~*~~*~*~*

النوع الثاني والستون والثالث والستون :

الناسخ والمنسوخ .

هذان النوعان مهمان ، وللناس فيهما مصنفات جمة ، وذلك على ثلاثة أقسام :

الأول : ما نسخ حكمه دون رسمه وهو أضرب :

أحدها : ما نسخه كتابٌ كقوله تعالى :{ والذين يتوفون منم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول ..} فإنه منسوخ بقوله تعالى :{ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً } .

وكقوله تعالى :{ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ..} الآية ، نسخ بقوله :{ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ..} الآية .

وكقوله تعالى :{ واللاتي يأتين الفاحشة ... إلى قوله : فأمسكوهن في البيوت } نسخ بقوله تعالى :{ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } .

وهنا فوائد :

الأولى : كل ما في القرآن من الصفح عن الكفار والتولي والإعراض والكف عنهم فهو منسوخ بآية السيف ، قال بعضهم وهي :{ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ..} الآية ، نسخت مائة وأربعاً وعشرين آية ثم نسخ أخرُها أولها .

الثانية : ليس في القرآن ناسخ إلا والمنسوخ قبله في الترتيب إلا آية العدة السابقة – وقوله تعالى : { لا يحل لك النساء من بعد ..} الآية ، نسخها قوله تعالى :{ يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك ..} الآية ، وهي قبلها في الترتيب ، قيل : وقوله تعالى :{ خذ العفو } يعني الفضل من أموالهم ، فإنه منسوخ بآية الزكاة ، قالوا : وهي من عجيب المنسوخ فإن أولها وآخرها وهو :{ وأعرض عن المشركين } منسوخ ووسطها وهو :{ وأمر بالعرف } محكم .

الثالثة : روى أبو عبيد عن الحسن وأبي ميسرة أهما قالا : (( ليس في المائدة منسوخ )) وهو مشكل ، ففي المستدرك عن ابن عباس أن قوله تعالى :{ فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } منسوخ بقوله :{ وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله } وقال بعض من صنف في هذا النوع : السور التي لا ناسخ فيها ولا منسوخ : الفاتحة ، ويوسف ، وإبراهيم ، والكهف ، والشعراء ، ويس ، والحجرات ، والرحمن ، والحديد ، والصف ، والجمعة ، والتحريم ، والملك ، والحاقة ، ونوح ، والجن ، والقيامة ، والمرسلات ، والنبأ ، والنازعات ، والانفطار ، والمطففين ، والانشقاق ، والروج ، والفجر ، وخمس بعدها – والقلم وما بعدها .

والسور التي فيها الناسخ فقط : الفتح ، والحشر ، والمنافقون ، والتغابن ، والطلاق ، والأعلى .

والتي فيها الناسخ والمنسوخ : البقرة ، وثلاث بعدها ، والأنفال ، وبراءة ، ومريم ، والأنبياء ، والحج ، والنور ، والفرقان ،والأحزاب ، وسبأ ، والمؤمن ، والشورى ، والذاريات ، والطور ، والواقعة ، والمجادلة ، والمزمل ، والمدثر ، والتكوير ، والبواقي فيها المنسوخ فقط .

الرابعة : قال السدي : لم يمكث منسوخ مدة أكثر من قوله تعالى :{ قل ما كنت بدعاً من الرسل ...ؤ مكثت ست عشرة سنة حتى نسخها أول الفتح عام الحديبية

الضرب الثاني : ما نسخه سنةٌ ، واختلف في جواز هذا والذي بعده .

مثاله قوله تعالى :{ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين ..} نسخه قوله صلى الله عليه وسلم :" لا وصية لوارث " ومن أنكره قال : الناسخ آية الميراث .

الضرب الثالث : ما كان ناسخاً لسنة ، كآية القبلة ، فإنها ناسخة لاستقبال بيت المقدس الثابت بالسنة .

القسم الثاني : ما نسخ رسمه دون حكمه ، وهو كثير أيضاً فقد قال أبو عبيد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال : لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله ، قد ذهب منه قرآن كثير ، ولكن ليقل : قد أخذت منه ما ظهر . وقال : حدثنا ابن أبي مريم عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت : كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبي صلى الله عليه وسلم مائتي آية فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلا على ما هو الآن وهو ثلاث وسبعون آية ، قاله الجلالان .

وقال : حدثنا إسماعيل بن جعفر عن المبارك بن فضالة عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال : قال لي أبي بن كعب : كم كانت تعد سورة الأحزاب ؟

قلنا : ثنتين وسبعين آية أو ثلاثاً وسبعين آية ، فقال : إن كانت لتعدل سورة البقرة ، وإن كنا لنقرأ فيها آية الرجم . قلت : وما آية الرجم ؟ قال :{ إذا زنى الشيخ و الشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم } أخرجه الحاكم مختصراً وصححه وقال أيضاً : حدثنا عبد الله ابن صالح عن الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن هلال عن مروان بن عثمان عن أبي أمامة بن سهل أن خالته قالت : لقد اقرأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الرجم /{ الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله } وقال : حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني ابن أبي حميد بنت أبي يونس قالت : قرأ عليَّ أبيّ وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة :{ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وعلى الذين يصلون في الصفوف الأول } قالت : قبل أن يغير عثمان المصاحف .

وقال : حدثنا عبد الله بن صالح عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي واقد الليثي قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوحي إليه أتيناه فعلَّمنا مما أوحي إليه ، قال : فجئت ذات يوم فقال : إن الله تعالى يقول :{ إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولو أن لابن آدم وادياً لأحب أن يكون إليه الثاني ولو كان له الثاني لأحب إن يكون إليهما الثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب } .

وقال الحاكم في المستدرك : أخبرني عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد الأسدي أنبأنا إبراهيم بن الحسين أنبأنا آدم بن أبي إلياس ، نا شعبة عن عاصم عن زر عن أبي بن كعب قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن ، فقرأ :{ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ..} ومن بقيتها :{ لو أن ابن آدم سأل وادياً من مال فأُعطيه سأل ثانياً وإن سأل ثالثاً فأعطيه سأل ثانياً ، وإن سأل ثالثاً فأعطيه سأل رابعاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب ، وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية والنصرانية ، ومن يعمل خيراً فلن يكفره } .

وقال أبو عبيد : حدثنا حجاج عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي حرب بن أبي الأسود عن ابي موسى الأشعري قال : نزلت سورة نحو ( براءة ) ثم رفعت وحفظ منها :{ إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب } .

وقال الحاكم في المستدرك : حدثنا علي بن حماد العدل نا بن المغيرة اليشكري نا القاسم بن الحكم الشعراني نا سفيان بن سعيد عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن حذيفة قال : ما تقرأون ربعها يعني ( براءة ) وإنكم تسمونا سورة التوبة وهي سورة العذاب .

وقال أبو عبيد : حدثنا حجاج عن سعيد عن الحكم بن عيينة عن عدي بن عدي قال : ، قال عمر : كنا نقرأ : لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم ، ثم قال لزيد بن ثابت : أكذلك ؟ قال : نعم .

وقال : حدثنا ابن أبي مريم عن نافع بن عمر الجمحي وحدثني ابن أبي مليكة عن المسور بن خرمة قال : قال عمر لعبد الرحمن بن عوف : ألم تجد فيما أنزل علينا :{ أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة } فإنا لا نجدها ؟ فقال : أسقطت فيما أسقط من القرآن .

وقال : حدثنا ابن أبي مريم عن ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي سفيان الكلاعي أن ملمة بن مخلد الأنصاري قال لهم ذات يوم : أخبِروني بآيتين من القرآن لم يكتبا في المصحف ، فلم يخبروه ، وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك ، فقال مسلمة :{ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون . والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون } .

وقال الطبراني نا أبو سهل عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد نا أبي نا العباس بن الفضل عن سليمان بن أرقم عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانا يقرآن بهما فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف فأصبحا غاديين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال : إنها مما نسخ وأنسي فالهوا عنها .

وفي الصحيحين عن أنس في قصة بئر أصحاب معونة الذين قتلوا وقنت صلى اله عليه وسلم يدعو على قاتليهم قال أنس : ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع :{ أن بلغوا عنا قومنا إنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا }

القسم الثالث : ما نسخ رسمه وحكمه معاً ، كما روى البخاري عن عائشة : كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات .

*~*~*~*~*~*~*~*

النوع الرابع والستون :

ما عَمِل به واحدُ ثم نسخ .

هو قوله تعالى :{ يا أيها الذين ءامنوا إذا ناجيتم الرسول ..} قال ابن عطية : قال جماعة : لم يعمل بهذه الآية بل نسخ حكمها قبل العمل . وصح عن علي أنه قال : ما عمل بهذه الآية أحد غيري ولا يعمل بها أحد بعدي . رواه الحاكم وصححه وفيه : كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم فكنت كلما ناجيت النبي صلى الله عليه وسلم قدمت بين يدي نجواي درهماً ثم نسخت فلم يعمل بها أحد فنزلت :{ ءأشفقتم ...} الآية .

وروى الترمذي عنه قال : لما نزلت هذه الآية قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : ما ترى ؟ دينار . قلت : لا يطيقونه ، قال : فنصف دينار ، قلت : لا يطيقونه ، قال: فكم ؟ قلت : شعيرة ، قال : إنك لزهيد ، فنزلت : {ءأشفقتم... } الآية ، قال : فبي خفف الله عن هذه الأمة .

قال نقاتل : بقي هذا الحكم عشرة أيام ، وقال قتادة : ساعة من نار ، قلت : الظاهر قول قتادة كما لا يخفى .

*~*~*~*~*~*~*~*~*

النوع الخامس والستون :

ما كان واجباً على واحد فقط .

هذا النوع من زيادتي وهو لطيف إلا أن أمثلته إنما توجد كثيرة في الحديث ، وليس في القرآن منه إلا خصائص النبي صلى الله عليه وسلم . فمنها : التهجد ، فإنه كان واجباً عليه وحده صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :{ ومن الليل فتهجد به نافلة لك }

زمنها : وجوب التضحية بقوله تعالى :{ فصل لربك وانحر } .

ومنها : وجوب طلاق كارهته بقوله تعالى :{ يا أيها النبي قل لأزواجك ..إلى قوله : فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً }.

 

 

القسم الخامس

من صفحة 264 إلى صفحة 304

 

النوع الخامس والستون: ما كان واجبا على واحد فقط

 

هذا النوع من زيادتي وهو لطيف إلا أن أمثلته إنما توجد كثيرة في الحديث وليس في القرآن منه إلا خصائص النبي صلى الله عليه وسلم.

فمنها التهجد فإنه كان واجبا عليه وحده صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: { ومن الليل فتهجد به نافلة لك }

ومنها: وجوب التضحية بقوله تعالى { فصل لربك وانحر}

ومنها: وجوب طلاق كارهته بقوله تعالى: { يأيها النبي قل لأزواجك.... إلى قوله: { فتعالن أمتعكن وأُسرحكن سراحاً جميلا}

 

النوع السادس والستون والسابع والستون والثامن والستون

 

الإيجاز والإطناب والمساواة

 

وهي من أنواع البلاغة حتى نقل صاحب ( سر الفصاحة) أن هذه الأنواع هي البلاغة، واختلف في حدودها والأقرب ما قاله صاحب التلخيص: إن المقبول من طرق التعبير عن المراد تأدية أصله بلفظ مساوٍ له ، او ناقص عنه وافٍ ، أو زائد عنه لفائدة.

و الأول : المساواة، والثاني: الإيجاز، والثالث: الإطناب فخرج بقولنا وافٍ الإخلال _ ولفائدة: التطويل والحشو وذهب ابن الأثير إلى أن الإيجاز: التعبير عن المراد بلفظ غير زائد عنهـ الإطناب: بلفظ زائد عنه فتدخل المساواة في الإيجاز ولا واسطة و الأقرب الأول.

ومثل في التلخيص للمساواة بقوله تعالى{ ولا يحيق المكر السيء إلا بإهله.....} وأورد عليه أمران: أحدهما: أن فيه إطنابا لأن السيء زيادة، لأن كل مكر لا يكون إلا سيئاً، ولأنه باعتبار ما قبله تذييل لقوله: {ومكر السيئ}

الثاني: أن فيه إيجاز لأن الاستثناء إذا كان مفرغا ففيه إيجاز القصر ، وإلا ففيه إيجاز قصر بالاستثناء، و إيجاز حذف المستثنى منه فإن تقديره: " بأحد "

ومثل في الإيضاح بقوله تعالى: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض منه ...}

وأما الإيجاز فقسمان: إيجاز حذف وسبق أمثلته في إيجاز الحذف ، وإيجاز قصر: وهو ما لا حذف فيه ، و من أبلغه قوله تعالى: ولكم في القصاص حياة ...} فإن معناه كثير ولفظه يسير، لأنه قائم مقام قولنا الإنسان إذا علم أنه إذا قتل يُقتص منه كان ذلك داعياً قوياً مانعاً له من القتل فارتفع بالقتل الذي هو قصاص كثير من قتل بعضهم لبعض فكان ارتفاع القتل حياة لهم، و وقد كان عند العرب أبلغ عبارةٍ في هذا المعنى" القتل أنفى للقتل" وما يفيده تنكير "حياة " من التعظيم لمنعه عما كانوا عليه من قتل جماعة بواحد ، واطراده ، وخلوه من التكرار، واستغناؤه عن تقدير محذوف والمطابقة وأما الإطناب فإنه يكون بأُمور: أحدها: الايضاح بعد الإبهام نحو: { رب اشرح لي صدري } فإن " اشرح لي " يُفيد طلب شرح شيء ما له و" صدري" يُفسره والمقام يقتضي التأكيد للإرسال للمؤذن بتلقي الشدائدـ ـ وكذا : { ألم نشرح لك صدرك } فإن المقام يقتضي التأكيد لأنه مقام امتنان وتفخيم.

الثاني: ذكر الخاص بعد العام تنبيهاً على فضل الخاص حتى كأنه ليس من جنس العام نحو: { من كان عدواًلله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل... } { يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر... }

الثالث: التكرير وتقدم في المجاز.

الرابع: الإيغال وهو: ختم الكلام بما بفيد نكته يتم المعنى بدونها نحو: { اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون } لأن المقصود حث السامعين على الاتباع ، ففي وصفهم بالثاني زيادة مبالغة وحث على اتباع الناس لهم من ذكر كونهم مرسلين، وكذا: { اُولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى... } الآية ـ فقوله: { وما كانوا مهتدين} إيغال.

الخامس: التذييل وهو: أن يأتي عقب الجملة بجملة تشتمل على معناهاللتوكيد، ثم منه ما خرج مخرج المثل لاستقلاله بنفسه نحو: { وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا...}

وما لم يخرج مخرجه لعدم استقلاله نحو: { ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور } واجتمعا في قوله: { و ما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفأن مت فهم الخالدون. كل نفس ذائقة الموت...} فإن: { أفأن مت فهم الخالدون} من الثاني و{ كل نفس ذائقة الموت } من الأول.

ومنه نوع سماه بعضهم: حشو التمهيد كقوله تعالى:{ إن الملوك إذا دخلوا قرية ... } الآية ، فقوله تعالى: وكذلك يفعلون} تقرير لكلام "بلقيس" لا من تتمة كلامها.

السادس:التكميل ويسمى أيضاً احتراساً و هو: أن يؤتى في

كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفعه نحو: { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين...} فلو اقتصر على ( أذلةٍ ) لتوهم أنهم أذلة لضعفهم فجاء قوله: ( أعزةٍ ) لنفي ذلك ـ وكذلك { أشداء على الكفار رحماء بينهم ...} لأنه لو اقتصر على الأول لأوهم الغلظ والفظاظة، وكذا: ( والله يعلم إنك لرسوله...) بين: ( قالوا نشهد إنك لرسول الله) ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) ولولاه لكان يوهم رد التكذيب إلى نفس الشهادة.

السابع: التتميم ـ وهو: أن يؤتى في كلام لا يوهم خلاف المقصود بفضلةٍ لنكتةٍ كالمبالغة نحو: { ويطعمون الطعام على حبه ؤ أي مع حبه فإن الإطعام وإيتاء المال مع حبه أبلغ.

الثامن: الاعتراض ـ وهو: أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لنكتة كالتنزيه في قوله تعالى: { ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون}.

" فسبحانه" هنا تضمنت تنزيهاً لله تعالى عن البنات، وكقوله تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك...} قوله: " حملته " إلى آخلره اعتراض لتأكيد الوصية، وقوله: { فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. نساؤكم حرث لكم...} فنساؤكم متصل بقوله: ( فإتوهن) لأنه بيان له وما بينهما اعتراض وأمثلته في القرآن كثيرة.

وقد يكون الإطناب بغير أحد هذه الأمور نحو:{ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به} فقوله: ويؤمنون به ـ إطناب لأن إيمانهم ليس مما ينكر، وحسن ذكره إظهار شرف الايمان ترغيباً فيه، وكذا قوله تعالى: { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس...} الآية ـ فيها أبلغ الإطناب لكونها وردت مع المنكرين وحدانية الله تاعلى الطالبين على ذلك دليلاً. انتهى.

 

 

النوع التاسع والستون: الأشباه

 

هذا النوع من زيادتي والمراد به: الآيات المتشابهه ، وحكمة تكرارها ونُكتته: مافي إحدى المتشابهتين مما ليس في الأخرى من تقديم وتأخير أو زيادة، وقد صنف في ذلك جماعة تصانيف منها: البرهان في متشابه القرآن لمحمود بن حمزة الكرماني، ومن أمثلته: الرحمن الرحيم في الفاتحه ـ كرره بعد ذكره في البسملة تأكيداً لرحمته تعالى ـ ولأنه ذكره أولاً مع غير المنعم عليهم بالرحمة فأعاده معهم وهم العالمون ـ فأشار بالرحمن إلى أنه رحمن لجميعهم في الدنيا، ومنها قوله تعالى في البقرة: {اهبطوا منها } مكرار في موضعين، لأن المراد: الهبوط من الجنة. والثاني من السماء.

ومنها قوله: ( يذبحون) بغير واو، في الأعراف ( يُقتلون) وفي إبراهيم بالواو ـ لأن الأولين من كلام الله فلا يراد تعداد المحن عليهم ـ والثالث من كلام موسى لهم فعددها عليهم وكان مأموراً بذلك في قوله: ( وذكرهم بأيام الله )

ومنها قوله فيها: { إن الذين ءامنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين....} وقال في الحج: { والصابئين والنصارى} وفي المائدة:{ والصابئون والنصارى } لأن النصارى تُقدم على الصابئين في الرتبة لأنهم أهل كتلب فقدمهم في البقرة، والصابئين تُقدم في الزمان لأنهم كانوا قبلهم فقدمهم في الحج، وراعى في المائدة المعنيين فقدمهم في اللفظ وأخرهم في التقدير لأن التقدير: { والصابئون كذلك}.

ومنها في قوله فيها : { اجعل هذا بلداً ءامناً} وفي إبراهيم: {هذا البلد ءامناً} لأن الأول إشارة إلى غير بلدٍ وهو الوادي قبل بناء الكعبةـ والثاني: إشارة إليه بعد بنائها.

ومنها قوله: { إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا... } وليس فيه من بعد ذلك وهو في غيرها ـ لأن هُنا " من بعد ما بيناه" فأغنى عن إعادته.

ومنها في بعض المسبحات :سبح ـ وفي بعضها يُسبح ـ وهي كطلمة استأثر الله بها فأتى بها على جميع وجوهها ـ فذكر المصدر في أول الإسراء والماضي والمضارع في المسبحات، والأمر في الأعلى .

ومنها تكرار ( شر ) أربع مرات في الفلق لأن كل شر من الأربعة المضاف إليه غير شر الآخر والله تعالى أعلم.

 

 

النوع السبعون والحادي والسبعون: الفصل والوصل

 

الفصل: ترك عطف الجمل، والوصل: عطفها ـ فالأول: يكون لفقدان التغاير ويسمى كمال الاتصال ـ ككون الثانية تأكيداً للأولى كقوله تعالى: { لا ريب فيه } فإنه لما بولغ في وصفه ببلوغه الدرجة القصوىفي الكمال بجعل المبتدأ (ذلك) وتعريف الخبر باللام ـ جاز أن يتوهم السامع قبل التأمل أنه مما يرمى به جُزافاً تبع نفياً بذلك، وكقوله: { هدى للمتقين} فإن معناه : أنه في الهداية بالغ درجة لا يدرك كُنهها حتى كأنه هداية محضة فهو معنى: { ذلك الكتاب } إذ معناه: الكتاب الكامل ـ والمراد كماله في الهداية.

أو بدلاً منها لعدم توفيتها المراد نحو:{ أمدكم بما تعملون.أمدكم بأنعام وبنين.وجنات وعيون } فإن المراد التنبيه على نعم الله والثاني أوفى لدلالته عليها بالتفصيل من غير إحالة على علم المخاطبين المعاندين.

أو بياناً نحو: { فوسوس إليه الشيطان قال يأدم هل أدُلك....} الآية. ويكون لفقد الجامع المشترك بين الجمل نحو: { إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم...} فُصل لكون ما قبله حديثاً عن القرآن وصفاته وهذا حديث عن الكفار وصفاتهم.

ولاختلاف الجملتين خبراً و إنشاءً، وجوز النحاة العطف في مثل ذلك كقوله تعالى: { وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات...} في سورة البقرة ويُسمى هذا القسم والذي قبله عند أهل المعاني : كمال الانقطاع.

ومن المقتضى للفصل: ألا يُقصد إعطاء الثانية حُكم الأولى نحو: {وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون. الله يستهزىء بهم ...} لم يعطف: { الله يستهزىء بهم} على: { إنا معكم } لأنه ليس من مقولهم ـ ولا على : ( قالوا) لئلا يُشاركه في الاختصاص بالظرف.

وكذا كونها جواباً لسؤال اقتضته الأولى ويسمى: استئنافا بيانيا نحو: { يُسبح له فيها بالغدو والآصال رجال... } { وما أُبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء...} ، { قالوا سلاماً قال سلام...} أي: فماذا قال؟

وأما الوصل فيكون للجامع نحو: { يُخدعون الله وهو خدعهم} { إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم} ـ{ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا}ـ { لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا} أي لا تعبدوا وأحسنوا والله أعلم.

 

 

النوع الثاني والسبعون: القصر

 

هو تخصيص صفة ٍبأمر دون آخر، أو أمر بصفة دون أُخرى، فهو قصر موصوف على صفة ، وصفة على موصوف.

وله أدوات منها: النفي والاستثناء نحو: { وما محمد إلا رسول } أي: لا يتعدى إلى التبري من الموت ـ { وما المسيح ابن مريم إلا رسول...} أي لا يتعدى إلى الألوهية، و يسمى ذلك قصر إفراد، ويخاطب به من يعتقد الشركة لقطعها ـ { إن هو إلا عبد...} خُوطب به من يعتقد أنه إله فيُسمى قصر قلب.

ومنها نحو: { إنما حرم عليكم الميتة} أي: ما حرم إلا ذلك دون ما ادعوه من البحيرة والسائبة ونحوهما ـ { قل من إنما اتبع ما يوحى إلي من ربي ...} { فإنما عليك البلاغ ..} { وإنما أشكو بثي وحزني إلى الله}.

ومنها: غير نحو:{ هل من خالق غير الله } ومنها: التقديم نحو:{ إياك نعبد } ـ { بل الله فاعبد }.

ومنها: أنما بالفتح عند الزمخشري والبيضاوي والتنوخي: ومثلوا بقوله :{ قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد }.

ومنها: قلب حروف بعض الكلمة عند الزمخشري أيضاً ومثل له بقوله تعالى{ والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها...} فإن القلب للاختصاص بالنسبة إى لفظ" الطاغوت" لأن وزنه : فعلوت من الطغيان قلب تقديم اللام على العين فوزنه: فعلوت مبالغة.

ومنها: أدوات اُخر مختلف فيها وحررناها في كتبنا البيانية.

وأكثر ما تستعمل (إنما) في مواقع التعريض نحو: { إنما يتذكر أُولوا الألباب} فإنه تعريض بإن الكفار من فرط جهلهم كالبهائم.

فائدة: أطلق الناس أن الحصر هو الاختصاص ، واختار السبكي التفرقة بينهما وصنف في ذلك كتاباً لطيفاً قال فيه:

الحصر: نفي غير المذكور وإثبات المذكور ـ والاختصاص: قصد الخاص من جهة خصوصه فيُقدم للاهتمام به من غير تعرض لنفي غيره، قال: وإنما جاء النفي في :{ إياك نعبد} للعلم بأن قائليه لا يعبدون غير الله ، ولذا لم يطرد ذلك في بقية الآيات ، فإن قوله تعالى: { أفغير دين الله يبغون} [ لو جعل في معنى ما يبغون إلا غير دين الله ] وهمزة الإنكار داخلة عليه وليس المراد ـ وكذلك: { أئفكاً ءآلهة دون الله تريدون} المنكر إرادتهم آلهة دون الله من غير حصرٍ انتهى، وهذا الذي قاله هو التحقيق.

 

 

النوع الثالث والسبعون: الاحتباك

 

هذا النوع من زيادتي وهو نوع لطبف، ولم نر أحداً ذكره من أهل المعاني والبيان والبديع، وكنت تأملت قوله تعالى: { لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً} والقولين اللذين في الزمهرير، فقيل: هو القمر في مقابلة الشمس، وقيل: هو البَرد فقلت: لعل المراد به البَرد، وأفاد بالشمس، أنه لا قمر فيها ، وبالزمهرير: أنه لا حر فيها فحذف من كل شق مقابل الآخر.

وقلت في نفسي: هذا نوع من البديع لطيف لكني لا أدري ما اسمه ولا أعرف في أنواع البديع ما يناسبه حتى أفادني بعض الأئمة الفضلاء أنه سمع بعض شيوخه قرر له مثل ذلك في قوله تعالى: { فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة } قال: فأفاد بقوله: كافرة أن الفئة الأولى مؤمنة، وبقوله: { تقاتل في سبيل الله } أن الأخرى تُقاتل في سبيل الطاغوت قال : وهذا النوع يسمى بالاحتباك قال الإمام الفاضل المذكور: وتطلبت ذلك في عدة كتب فلم أقف عليه، وأظنه في شرح الحاوي لابن الأثير، ثم صنف المذكور في هذا النوع تأليفاً لطيفاً سماه: الإدراك لفن الاحتباك.

ثم وقفت في التبيان للطيبي على ما يشبه هذا النوع وسماه: الطرد والعكس وقال: هو أن يؤتى بكلامين يُقرر الأول بمنطوقه مفهوم الثاني وبالعكس كقوله تعالى: { ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم...} الآية ـ فقوله : { ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن } كلام مقرر لمفهوم رفع الجناح وبالعكس.

قال: وكذا قوله تعالى: { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} ثم وجدت هذا النوع بعينه مذكوراً في شرح بديعية أبي عبد الله بن جابر لرفيقه أحمد بن يوسف الأندلسي وهما المشهوران بالأعمى والبصير قال ما نصه: من أنواع البديع: الاحتباك ـ وهو نوع عزيز ـ وهو أن يُحذف من الأول ما أُثبت نظيره في الثاني ومن الثاني ما أُثبت نظيره في الأول كقوله تعالى:{ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق...} الآية، التقدير: مثل الأنبياء والكفار كمثل الذي ينعق والذي ينعق به لدلالة الذين كفروا عليه.

وقوله: { ليُنذر بأساً شديداً من لدنه... وينذر الذين قالوا...} الآية، حذف من الأول مفعول: " لينذر" الأول وهو:" الذين قالوا ومن الثاني: مفعوله الثاني وهو:" بأساً شديداً".

وقوله: { وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء...} التقدير: تدخل غير بيضاء، وأخرجها تخرج إلى آخره، فحذف من الأول: تدخل إلى آخره، ومن الثاني: وأخرجها انتهى مُلخصاً.

 

النوع الرابع والسبعون: القول بالموجب

 

هذا النوع من زيادتي، وهو من فنون البديع، وألف الصلاح الصفدي فيه تأليفاً وهو: أن تقع صفة في كلام الغير كناية عن شيء أُثبت له حكم فيثبتها لغيره من غير تعرض لثبوته وانتفائه نحو: { يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين....}

فالأعز وقعت في كلام المنافقين كناية عن فريقهم والأذل كناية عن المؤمنين، وقد أثبتوا لفريقهم المكني عنه بالأعز الإخراج، فأثبت الله في الرد عليهم صفة العزة لغير فريقهم: وهو الله و رسوله والمؤمنون، ولم يتعرض لثُبوت ذلك الحكم الذي هو الإخراج للموصوفين بالعزة ، وهو الله ورسوله والمؤمنون، ولا لنفيه عنهم، كذا عرفوه غي البديع. وعرفوه في الأصول بتسليم الدليل مع بقاء لنزاع، و بيانه هنا أن يقال : صحيح أن الأعز يُخرج الأذل كما قلتم لكن الله ورسوله والمؤمنون هم الأعز المخرجون وأنتم الأذل المخرجون، فالدليل وهو كون الأعز يُخرج الأذل مسلم، لكن النزاع بين الله والمنافقين في المتصف به وهذا أدق من الأول.

 

 

النوع الخامس والسبعون: المطابقة

 

هذا النوع من زيادتي ـ وهي الجمع بين متقابلين في الجملة ـ ويكون بلفظين من نوع: اسمين نحو: { وتحسبهم أيقاظاً وهو رقود } أو فعلين نحو: { يُحيي ويميت } أو حرفين نحو:{ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت...} أو نوعين نحو: { أومن كان ميتاً فأحيينه....}

ويكون مثبتاً كما ذكر ومنفياً نحو:{ فلا تخشوا الناس واخشون} { ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعملون ظاهراً

من الحياة الدنيا....}

ويلحق به نحو: { أشداء عللا الكفار رحماء بينهم...} فإن مُسببة عن اللين .

ومنها نوع يخص باسم المقابلة وهو: أن يؤتى بمعنين متوافقين أو أكثر ثم بما يُقابل ذلك على الترتيب نحو: { فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً}

ونحو:{ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويُحل لهم الطيبات ويُحرم عليهم الخبئث... }.

ونحو:{ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى. وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى}. فإن المراد باستغنى: أنه زهد فيما عند الله كأنه مُستغنٍ عنه فلم يتق ، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة فلم يتق.

 

 

النوع السادس والسبعون: المناسبة

 

هذا النوع من زيادتي وهو: ذكر الشيء وما يناسبه، ويسمى أيضاً: مراعاة النظير نحو:{ الشمس والقمر بحسبان} ومنه نوع يُسمى: تشابه الأطراف وهو: أن يُختم الكلام بما يُناسب ابتداءه في المعنى نحو:{ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} فإن الذي لا تدركه الأبصار يُناسبه اللطيف ، والذي يُدرك يُناسبه الخبير.

ومنه:{ إن تعذبهم فإنهم عبادك...} الآية.

قال الطيبي: هو من خفي هذا القسم ، لأن قوله: { وإن تغفر لهم } يوهم أن الفاصلة:{ الغفور الرحيم} لكن التقدير: إن تغفر لمن يستحق العذاب فالمناسب له: العزيز الحكيم الذي ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه ويعلم الحكمة فيما يفعله وإن خفيت.

ويُحكى أن أعرابياً سمع قارئاًُ يَقرأ: { فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله غفور رحيم } فأنكره ولم يكن قرأ القرآن وقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه.

ومنه يُسمى المشاكلة ـ وهو ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، وهذا نوع مهم ينبغي إتقانه لأنه كثير في القرآن نحو: { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك...} فإطلاق النفس على الله لمشاكلة ما قبله ، وكذا قوله: { إنما نحن مستهزءون. الله يستهزىء بهم...} { ومكروا ومكر الله }، { وجزؤا سيئة سيئة مثلها...}

وقد يُذكر بلفظ غيره لتقدير وقوعه في صحبته نحو: { صبغة الله} فهو مصدر مؤكد لأمنا بالله ـ أي: تطهير الله ، لأن الإيمان يُطهر النفس والأصل : أن النصارى كانوا يَغمسون أولادهم في ماء أصفر يُسمونه المعمودية ويقولون: أنه تطهير لهم ، فعبر عن الإيمان بالله " بصبغة الله للمشاكلة بهذه القرينة"

 

 

النوع السابع والسبعون: المجانسه

 

هذا النوع من زيادتي ، ويطلق عليه الجناس، وهو: تشابه اللفظين وأقسامه كثيرة، وألف فيه الصلاح الصفدي تألبفاً، ونذكر منه ما وقع في القرآن:

الأول: التام ـ وهو أن يتفق اللفظان في : أنواع الحروف وأعدادها، وهيئاتها، وترتيبها.

ثم ظغن كانا من نوع كاسمين فهو مماثل نحو:{ ويوم تقوم الساعة يُقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة...} أو من نوعين سُمي مستوفى نحو: { وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر } فإذا الأولى شرطية وهي اسم والثانية فُجائية وهي حرف.

الثاني: الناقص: وهو أم يختلفا في العدد نحو: { والتفت الساق بالساق. إلى ربك يومئذالمساق}

الثالث: اللفظي: وهو أن يتفقا لفظاً ويختلفا خطاً نحو:{ وجوه يومئذ ناظرة. إلى ربها ناظرة}

الرابع: المضارع: وهو أن يختلفا في الحروف بمتقاربين نحو:{ وهو ينهون عنه وينأون عنه}

الخامس: اللاحق وهو: أن يختلفا بغير متقاربين نحو:{ ويل لكل همزة لمزة} ـ { ذلكم بما تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون} ـ {وأنه على ذلك لشهيد. وإنه لحب الخير لشديد }.{ وإذا جاءهم أمر من الأمن ...}.

السادس: المصحف وهو: أن تتفق الكلمتان خطاً ويختلف نقط الحروف نحو: { وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} { والذي هو يطعمني ويسقين . وإذا مرضت فهو يشفين}

السابع: المحرف وهو: أن يختلفا شكلاً نحو: { ولقد أرسلنا فيهم منذرين. فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } { وعتوا عتوا} ومنه نوع يسمى: المقلوب المستوي نحو: { وربك فكبر} ـ { كل في فلك}.

ويلحق بالجناس شيئان:

الأول: أن يجمع اللفظين الاشتقاق نحو: {فأقم وجهك للدين القيم }، وسماه المتأخرون: الجناس المطلق.

الثاني: أن تجمعهما المتشابهة، وهي ما يشبه الاشتقاق نحو:{ قال إني لعملكم من القالين}.

وإذا ولي أحد المتجانسين الآخر فهو المزدوج نحو: { من سبأ بنبأ }أو وقع احدهما في أول الآية والآخر آخرها فهو: رد العجز على الصدر كالآية التي قبله، وهو { استغفلروا ربكم إنه كان غفاراً}

{ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} ويقرب منه ما يسمى بالعكس وهو: ان يقدم في الكلام جزء ثم يؤخر نحو:{ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي } ـ { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن}.

 

النوع الثامن والسبعون والتاسع والسبعون: التورية والاستخدام.

هذان النوعان من زيادتي، وأفردهما الناس بالتصنيف، وهما مهمان خصوصاً التورية.

قال الزمخشري: لا نرى باباً في البيان أدق ولا ألطف من التورية ولا أنفع ولا أعون على تعاطى المشتبهات في كلام الله ورسوله ، وهي:أن يطلق لفظ له معنيان : قريب وبعيد، ويراد البعيد، ثم تارة تكون مجردة وهي التي لا تجامع شيئاً مما يلائم القريب نحو:{ الرحمن على العرش استوى} فإن الاستواء له معنيان : الاستقرار وهو المعنى القريب المورى به لأنه غير مقصود لتنزيه الحق عنه ـ والاستيلاء وهو البعيد المقصود المورى عنه بالقريب.

وتارة تكون مرشحة نحو: { والسماء بنينها بأيد...} فإنه يحتمل الجارحة وهو المورى به، وقد ذكر مما يلائمه البناء، ويحتمل القوة والقدرة وهو البعيد المقصود.

وأما الاستخدام فلهم فيه تعريفان.

أحدهما: أن يذكر لفظ له معنيان فأكثر مراداً به أحد معانيه ، ثم يُؤتى بضميره مراداً به المعنى الآخر كقوله تعالى: { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى...} الآية.

فالصلاة يحتمل أن تكون : فعل الصلاة وموضع الصلاة ، فأراد الأول بلفظها بقرينة: { حتى تعلموا ما تقولون} والثاني بقوله:{ إلا عابري سبيل}.

الثاني: أن يؤتى بلفظ مشترك ، ثم بلفظين يٌُفهم من أحدهما أحد المعنين ومن الأخر كقوله تعالى:{ لكل أجل كتاب} الآية، فلفظ"كتاب" يحتمل الأمد المحتوم، والكتاب المكتوب ولفظ (أجل) يخدم المعنى الأول،و (يمحو) يخدم المعنى الثاني. انتهى.

 

 

النوع الثامنون: اللف والنشر

 

هذا النوع من زيادتي وهو: أن يذكر متعدد على التفصيل أو الإجمال ثم ما لكل من غير تعيين ثقة بأن السامع يرده إليه.

ثم هو ثلاثة أقسام:

أحدها : المرتب نحو: { ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتكنوا فيه ولتبتغوا من فضله}

وقوله: { مثل الفريقين كالأعمى و الأصم والبصير والسميع...}

الثاني: المعكوس نحو: { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم..} الخ.

الثالث: المشوش ولا أستحضر الآن في القرآن مثاله انتهى.

 

 

النوع الحادي والثمانون: الالتفات

 

هذا النوع من زيادتي وهو: الانتقال من التكلم والخطاب أو الغيبة إلى آخر تطريةً للكلام وتفنناً في الأسلوب مثاله من التكلم إلى الخطاب:{ وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} ومقتضى السياق:{ وإليه أرجع}.

وإلى الغيبة : { إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك و انحر}ـ { إنا كنا مرسلين . رحمة من ربك إنه هو السميع العليم}

ومثاله من الخطاب إلى التكلم لم أجده في القرآن.

وإلى الغيبة : { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} { وأنا ربكم فاعبدون . وتقطعوا أمرهم بينهم...}

ومثاله من الغيبة إلى التكلم : {و الله الذي أرسل الريح فتثير سحاباً فسقناه..} ، { وأوحى في كل سماء أمرها}.

وإلى الخطاب: { مالك يوم الدين . إياك نعبد }.

وقد يكون في الآية التفاتان وأكثر نحو: { إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً. لتؤمنوا بالله ورسوله..} ففيه التفاتان:

أحدهما: بين: أرسلنا والجلالة.

الثاني: بين الكاف في: أرسلناك ورسوله.

وذكر التنوخي وابن الأثير أن منه: بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله أو تكلمه نحو: { غير المغضوب عليهم} بعد) أنعمت ) فإن المعنى: غير الذين غضب عليهم وهو نوع غريب ويقرب من الالتفات: الانتقال من خطاب الواحد أو الاثنين أو الجمع إلى خطاب الآخر، وهو منه لأنه ليس فيه انتقال من أحد الأساليب الثلاثة التي هي: التكلم والخطاب والغيبة إلى آخره.

مثاله من خطاب الواحد إل الاثنين: { أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه ءاباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض} ، وإلى الجمع: { ياأيها النبي إذا طلقتم النساء}.

ومثله من الاثنين إلى الواحد:{ فمن ربكما يا موسى} ، وإلى الجمع:{ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة}.

ومثاله من الجمع إلى الواحد: { وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين } وإلى الاثنين:{ يا معشر الجن والإنس إن استطعتم...} إلى قوله:{ فبأي ءالاء ربكما تكذبان}.

وقد سبق في المجاز نوع يُشبه هذا وليس هو هو ، لأن هناك ستعمل أحد الثلاثة في غيره، وهنا استعمل كل في موضوعه ، لكنه انتقل من شيء إلى شيء فهو حقيقة ، وكذا الالتفات فهذه الثلاثة أنواع متقاربة في الجنس والمعنى مستوية في الأقسام.

 

 

النوع الثاني والثامنون: الفواصل والغايات

 

هذا النوع من زيادتي، والفواصل: أواخر الآي وهي: جمع فاصلة وتسمى في غير القرآن: السجع، ولا يطلق ذلك على القرآن تأدباً.. والفاصلة إن اختلفت مع قرينتها في الوزن لا في التقفية فهوالمطرف نحو: { ما لكم لا ترجون لله وقاراً. وقد خلقكم أطواراً}.

وغن اتفقنا فمتوازٍ نحو: {فيها سرر مرفوعة. وأكواب موضوعة} وأحسنه: ما تساوت قرائته نحو: { في سدر مخضود. وطلح منضود. وظل ممدود}. ثم ما طالت قرينته الثانية نحو: { والنجم إذا هوى . ما ضل صاحبكم وما غوى..}، أو الثالثة نحو: { خذوه فغلوه. ثم الجحيم صلوه. ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه}.

وإن تساوت الفاصلتان في الوزن دون التقفية فموازنة نحو: { و نمارق مصفوفة. وزرابي مبثوثة}.

فإن كان ما في إحدى القرنتين أو أكثره مثل ما يقابله من الأخرى فمماثلة نحو:{ و ءاتيناهم الكتب المستبين. وهديتهما الصراط المستقيم}.

و إن أتفقنا في الحرف الذي قبل الأخير فلزوم ما لا يلزم نحو: { فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر} وآيات سورة { ألم نشرح }.

وأما الغايات فهي: أواخر السور، والقصد بذلك: أن آخر كل سورة أتى على الوجه الأكمل والنمط الأبلغ في براعة الانتهاء. وما ينبغي أن تختم به.

 

 

القسم السادس

من صفحة 305 إلى صفحة 367

 

النوع الثالث والرابع والخامس و الثامنون: أفضل القرآن وفاضله ومفضوله

هذه الأنواع من زيادتي، ويُشبهها من علم الحديث: الكلام على أصح الأسانيد ، واختلف في تفاضل الآيات والسور على بعض فذهب كثيرون إلى القول به منهم : إسحاق بن راهويه،و أبو بكر ابن العربي ، والشيخ عز الدين بن عبد السلام.

وقال القرطبي: إنه الحق ونقله عن جماعة من العلماء والمتكلمين.

وقال ابن الحصار: العجب ممن يذكر الاختلاف في ذلك مع النصوص الواردة بالتفصيل، قال البيهقي في شُعب الإيمان : قال الحليمي: ومعنى التفصيل يرجع إلى أشياء:

أحدها : أن يكون العمل بآية أولى من العمل بأخرى وأعود على الناس، وعلى هذا يقال: آيات الأمر واانهي، والوعد والوعيد خير من آيات القصص لأنها إنما أُريد بها تأكيد الأمر والنهي والإنذار والتبشير ولا غنى بالناس عن هذه الأمور، وقد يُستغنون عن القصص، فكان ما هو أعود عليهم وأنفع لهم مما يجري مجرى الأصول خيرا ًلهم مما يُجعل تبعاً لما لابد منه.

الثاني : أن يقال : الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء الله وبيان صفاته والدلالة على عظمته أفصل، بمعنى أن مخبراتها أسنى وأجل قدراً وعلى هذا نحا ابن عبد السلام في قوله الآتي.

الثالث: أن يقال: إن سورة خير من سورة ، أو آية خير من آية، يعني أن القارئ يتعجل له بقراءتها فائدة سوى الثواب الآجل و يتأدى منه بتلاوتها عبادة، كقراءة آية الكرسي و الإخلاص والمعوذتين فإن قارئها يتعجل بقراءتها الاحتراز مما يخشى والاعتصام بالله، و يتأدى بتلاوتها عبادة لله لما فيها من ذكره سبحانه بالصفات العُلى عل سبيل الاعتقاد لها وسكون النفس إلى فضل ذلك الذكر.

وذهبت طائفة إلى أنه لا تفاضل لأن الجميع كلام الله ولئلا يًوهم التفضيل نقص المفضل عليه.

ونُقل عن الأشعري والباقلاني وابن حبان ورُوي عن مالك وعلى الأول:قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: القرآن على قسمين: فاضل : وهو كلام الله في الله ـ و مفضول وهو: كلامه وهو كلامه عن غيره كقوله تعالى حكاية عن فرعون :{مل علمت لكم من إله ٍ غيري..}وكحكاياته عن الكفار ونحو ذلك.

قلت:بل هو ثلاثة أقسام : أفضل، وفاضل ، ومفضول، لأن كلامه تعالى فيه بعض أفضل من بعض كتفضيل الفاتحة والإخلاص كما سنذكره.

وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد المُعلى: أعظم سورة في القرآن الفاتحة ، وكذا رواه الترمذي من حديث أبي هريرة وأُبي وأحمد من حديث عبد الله بن جابر العبدي ولفظه: أخير سورة في القرآن.

وفي صحيح مسام وغيره من طريق مرفوعاً: أعظم آية في القرآن آية الكرسي.

وروى ابن خزيمة والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس: أعظم آية في القرآن البسملة.

وعند الترمذي: سيدة آي القرآن آية الكرسي، وسنام القرآن سورة اليقرة، وقلب يس.

وكذا وردت أحاديث مشعرة بالتفصيل، ككون " الإخلاص" تعدل ثلث القرآن.

وذكر في حكمة ذلك: أن القرآن توحيد وأحكام ووعظ، وسورة الإخلاص فيها التوحيد كله.

وفي مسند عبد بن حميد: أن الفاتحة تعدل ثلثيه وفي المستدرك أحاديث: أن الزلزلة تعدل نصفه، والكافرين تعدل ربعه، والمعوذتين تعدل ثلثه، وألهاكم تعدل ألف آية وعند الترمذي: { إذا جاء نصر الله} تعدل ربعه.

النوع السادس والثمانون: مفردات القرآن.

هذه النوع من زيادتي، وهو نوع لطيف قريب مما قبله: أعظم آية في القرآن آية الكرسي أو البسملة كما تقدم، والجمع بينهما قريب. أطول آية فيه آية الدين.

أجمع آية:{ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ..} رواه البيهقي في الشعب وأبو عبيد في الفضائل عن ابن مسعود، وروى عنه أنه قال: ما في القرآن آية أعظم فرحاً من آية في سورة الغرف:{ قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ...} الآية. وقال: ما في القرآن آية أكثر تفويضاً من آية في سرورة النساء القصرى : {ومن يتوكل على الله فهو حسبه ...} الآية.

وروى عبد الرزاق في تفسيره أن ابن مسعود قال: أعدل آية على القرآن: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان...} الآية، وأحكم آية:{ فمن يعمل مثقال ذرة ...} الايتين.

وروى أبو عبيد عن صفوان بن سليم ومحمد بن المنكدر قالا: التقى ابن عباس وابن عمر فقال ابن عباس: أي آية في كتاب الله أرجى فقال عبد الله بن عمر:{ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ...} الآية، فقال ابن عباس: لكن قول الله:{ وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تُحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} قال: فرضي منه بقوله (بلى) قال: فهذا لما يعترض في الصدر مما يوسوس به الشيطان، أخرجه الحاكم في المستدرك.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي أنه قال:إنكم يا معشر أهل العراق تقولون: أرجى آية في القرآن:{ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم...} الآية، لكنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله : { ولسوف يُعطيك ربك تترضى..} وهي : الشفاعة.

وأخوف آية: { أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم } وعندي أنها قوله تعالى:{ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم صنعا}.

وروى عبد الرزاق عن ابن مسعود أنها: { من يعمل سوءاً يُجزبه..} وفي البخاري قال سفيان: ما في القرآن آية أشد علي من :{لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم..}.

روى أحمد في مسنده عن علي قال: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير} و سأٌفسرها لك ياعلي: ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله أكرم من أن يُثنى العقوبة، وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أحلم من أن يعود بعد عفوه.

وقال البُلقيني في أول كتابه: قد قيل إن سورة الحج من عجب القرآن فيها مكي ومدني وحضري وسفري وليلي ونهاري وحربي وسلمي وناسخ ومنسوخ. انتهى.

وقد ذكر هذا الكلام محمد بن بركات السعيدي النحوي في كتابه في الناسخ والمنسوخ وقال: المكي منها: من رأس الثلاثين إلى أخرها ـ والمدني: من رأس خمس عشرة إلى رأس الثلاثين. والليلي: خمس آيات من أولها ـ والنهاري: من رأس تسع آيات إلى رأس اثنتي عشرة ، والحصري:إلى رأس العشرين.

قلت: والسفري أولها كما تقدم ، والناسخ : { أُذن للذين يُقتلون...} الآية، والمنسوخ:{ وما أرسلناك من قبلك...} الآية. نسختها: { سنقرئك فلا تنسى} وقوله: { الله يحكم بينكم...} الآية نسختها آية السيف.

النوع السابع والثمانون: الأمثال

هذا النوع من زيادتي، وللناس في أمثال القرآن تصانيف منهم الإمام أبو الحسن المارودي.

روى البيهقي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه وسلم : إن القرآن نزل على خمسة أوجه: حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال ـ فاعلموا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، و آمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال.

ولقد قال تعالى: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل...} ومن أمثال القرآن ما صُرح فيه بذكر المثل وهو الأغلب.

ومنها ما لم يُصرح فيه بذكر المثل ولكنها كامنة فيه ، كما حكى الماوردي أن بعضهم سُئل فقيل له: إنك تُخرج أمثال العرب والعجم من القرآن فهل تجد في كتاب الله: " خير الأمور أوسطها" ؟فقال : نعم في اربعة مواضع، في قوله:{ لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك} وقوله: { والذين إذا أنفقوا لم يُسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً} ، وقوله: { ولا تجهر بصلاتك ولا تُخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً} ، وقوله: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط...} . فقيل له: هل تجد فيه: احذر شر من أحسنت إليه ؟ قال: نعم في قوله تعالى:{ وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله}.

فقيل له: فهل تجد فيه: " لا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين"؟ قال: نعم في قوله تعالى:{ هل ءآمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل ..}، فقيل له: هل تجد فيهك{ من أعان ظالماً سُلط عليه} قال: نعم في قوله تعالى: { كتب عليه أنه من تولاه فإنه يُضله}.

وسئل بعضهم: أين تجد في القرآن: الحبيب لا يعذب حبيبه؟فقال: في قوله تعالى:{ وقالت اليهود والنصارى نحن أبناؤا الله وأحبؤه قل فلم يعذبكم...} انتهى.

 

النوع الثامن والثامنون والتاسع والثمانون: آداب القارئ والمقرئ

هذان النوعان من زيادتي، وشبههما من علم الحديث: آداب المحدث وآداب طالب الحديث ، وللناس في ذلك تصانيف أشهرها:التبيان للنووي، ومختصره له، وأنا أُشير هنا إلى مقاصده حاذفاً معظم الأدلة اختصاراً.

فعلى كل من القارئ والمقرىء: إخلاص النية، وقصد وجه الله، وأن لا يقصد بتعلمه أو بتعليمه غرضاً من الدنيا كرئاسة أو مال. ولا يشين المقرئ إقراؤه بطمع في رفق يحصل له من بعض من يقرأ عليه، ولا التكثر بكثرة المشتغلين عليه والمترددين إليه، ولا يكره قراءة أصحابه على غيره ـ والتخلق بآداب القرآن ويقف عند حدوده وأوامره ونواهيه، ويعمل بمكارم الأخلاق المرضية من الزهد في الدنيا وعدم الالتفات إليها وإلى أهلها، والجود وطلاقة الوجه والمسكنة و الوقار والخضوع واجتناب الضحك وكثرة المزح، والتنظف بإزالة الأوساخ والشعر والظفر والريح الكريه وتسريح اللحية ودهنها، والمحافظة على الطهاره و اتباع الأحاديث اللواردة بالأ>كار وفضائل الأعمال والتبري من أمراض القلوب كالحسد والرياء والعجب والمبر، وإن كان غيره دونه ـ وأن لا يرى نفسه خيراًمن أحد، ويرفق بطلبته، ويرحب بهم ويُحسن إليهم بحسب حاله وحالهم، وينصحهم ما استطاع، ويتواضع لهم ويحرضهم على التعلم ويؤلفهم عليه، ويعنتى بمصالحهم ويصبر على بطئ الفهم ويعذر من قل أدبه في بعض الأحيان ويُعرفه ذلك بلطف، لئلا يعود إلى مثله، ويعودهم بالتدرج بالآداب السنية، ويأخذهم بإعادة محفوظاتهم ـ ويُثنى على من ظهرت نجابته ما لم يخش عليه الإعجاب ـ ويعنف من قصر تعنيفاً لطيفاً ما لم يخش تنفيره، ويُقدم في تعليمهم السابق فالسابق، ولا يمكنه من إيثاره بنوبته إلا لمصلحة شرعية، فإن الإيثار في القرب مكروه ـ ويفتقد أحوالهم، ويسأل عن غائبهم، ولا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيص النية، ويصون يديه حال الإقراء عن العبث وعينيه وأُذنيه عن النظر والسمع لغير القارئ، ويقعد متطهراً مستقبل القبلة في ثياب بيض نظيفة، وإذا وصل لموضع جلوسه صلى ركعتين ، فإن كان مسجدأ تأكد، وليكن مجلسه حسناً واسعاً، ولا يدل العلم فيذهب إلى موضع يُنسب إلى من يتعلم منه فيُعلمه فيه ولو كان خليفة فمن دونه.

وعلى المتعلم أن يتجنب الأسباب الشاغلة عن العلم إلا مالا بد منه ويُطهر قلبه ويتواضع لمعلمه وإن كان أصغر سناً منه أو أقل شهرة، وينقاد له ويقبل قوله كالمريض مع الطبيب الناصح الحاذق.

ولا يتعلم إلا ممن تأهل وظهر دينه وصيانته ـ فالعلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ـ وينظر إلى معلمه بعين الاحترام والتعظيم ـ ولا يدخل عليه بلا إذن إلا إن كان بموضع لا يحتاج إلى استئذان ، ويسلم على الحاظرين، ويخصه بزيادة تودد، ويسلم عند انصرافه أيضاً، ولا يتخطى الناس، ويجلس حيث انتهى به المجلس إلا أن يأذن له الشيخ في التقدم، ولا يقيم أحداً ويجلس موضعه، ولا يجلس وسط الحلقة، ولا بين صاحبين بغير إذنيهما، ولا يغمز بعينه عند الشيخ، ولا يقول له: قال فلان بخلاف قولك، ولا يغتاب عنده أداً، ولا يُلح عليه إذا كسل، ولا يشبع من طول صحبته، ويرد غيبة شيخه إذا قدر ـ ولا يُفارق ذلك المجلس، ويتأدب مع رفقائه ـ ولا يحسد أحداً منهم، ولا يعجب بما حصله، ولا يرفع صوته بلا حاجة عند الشيخ، ولا يضحك، ولا يكثر الكلام، ولا يعبث بيده، ولا يلتفت بلا حاجة، بل يتوجه إلى الشيخ ، ولا يقرأ على الشيخ في حال ملله، ويحتمل جفوة الشيخ وسوء خلقه، وإذا جفاه ابتدأه هو بالاعتذار وإظهار الذنب له، وإذا صدر من الشيخ أفعال ظاهرها منكر أولها ولا ينكرها.

ومما يشترك فيه القارئ والمُقرئ: الحذر من اتخاذ القرآن معيشة يكتسب بها، نعم يجوز عند الشافعي زماللك أخذ الأجرة على تعليمه، وملازمة التلاوة، والإكثار منها، ونسيانه كبيرة، وإذا أراد القراءة استاك وتؤضأ، فإن قرأ محدثاً جاز بلا كراهة.

ويحرم مس المصحف والقراءة على الجنب والحائض، ويجوز لهما النظر في المصحف، وإمرار القرآن على قلبيهما، ويسن أن يقرأ في مكان نظيف ، ولا يكره في الحمام عندنا، ولا في الطريق، ويستقبل القبلة، ويجلس بخشوع وسكينة وحضور قلب، ولا يكون قائماً ,

ولا مضطجعاً، ويستعيذ ، وأفضل ألفاظ الاستعاذة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ـ ولو تعوذ بغير ذلك أجزأه، ويتدبر القرآن.

وتقدمت كيفيات القراءة في كيفية التحمل ، ويبكي عند القراءة ، فإن لم يبك تباك ـ وإذا أمر بآية رحمة سأل من فضل الله أو عذاب استعاذ أو تنزيه نوه أو تفكير تفكر، ويقرأ على ترتيب المصحف, ويجوز مخالفته إلا أن يقرأ السورة معكوساً فلا، والقراءة في المصحف أفضل، لأن النظر فيه عبادة ، والجهر، إلا إذا خاف الرياء، ويسن تحسين الصوت به ما لم يخرج إلى حد التمطيط والإفراط بزيادة حرفأ و إخفائه أو مد ما لا يجوز مده فحرام، ويُراعى الوقف عند تمام الكلام ولا يتقيد بالأحزاب والأعشار، ويقطع القراءة إذا نعس أو مل أو عرض له ريح حتى يتم خروجها، أو يتثاؤب حتى ينقضي، وإذا قرأ نحو :{ وقالت اليهود يد الله مغلولة..}،{ وقالوا اتخذ الرحمن ولداً} خفض بها صوته، ويتأكد الاعتناء بسجود التلاوة وهي أربع عشرة عندنا ومحالها معروفة، وإنما اختلف في التي في ( حم) ، والأصح أنها عندنا أنها عند قوله: { وهم لا يسمئون} والتي في النمل والأصح أنها عند { رب العرش العظيم} وتحرم القراءة بغير العربية مطلقاً للقادر وغيره ، ولا يكره النفث معه للرقية ولا أن يقول : قراءة أبي عمرو وقراءة فلان، وكرههما بعض السلف، ويكره أن يقول: نسيت آية كذا بل أُنسيت ولبعض مسائل هذا الباب تتمات مبسوطة في كتب الفقه انتهى.

النوع التسعون:آداب المفسر

هذا النوع من زيادتي ـ قال العلماء: من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولاً من القرآن ـ فإن ما أُجمل في مكان قد فسر في مكان آخر، فإن أعياه ذلك طلبه في السنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له.

وقد قال الشافعي: كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ممما فهمه من القرآن ـ قال تعالى:{ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أرئك الله..}في آيات آخر، وفي الحديث) ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) يعني السنة ـ وفيه: كان ينزل جبريل بالسنة كما ينزل بالقرآن ـ وأما حديث عائشة الذي رواه البزار وابن جرير: ( ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر شيئاً من القرآن إلا آيات بعدد علمه إياهن جبريل ) فهو حديث منكر وإن أوله ابن جرير.

فإن لم يجده في السنة راجع أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله ـ ولما اختصوا به من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح، فإن لم يجد عن أحد من الصحابة رجع إلى أقوال التابعين ، وربما وقع في عباراتهم تباين في الألفاظ فحسبها بعض من لا فطنة له اختلافاً فيحكيها أقوالاً وليس كذلك، فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو بنظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن فليتفطن البيب لذلك.

وأما قول سعيد بن الحجاج: أقوال التابعين في الفروع غير حجة فكيف تكون حجة في التفسير؟ فمعناه أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم وهو صحيح. أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا لم يكن قول بعضهم حجة على بعضهم ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة.

وعليه أن يستحضر الحديث الذي رواه ابن جرير عن ابن عباس مرفوعاً قال: التفسير أربعة أوجه وجه تعرفه العرب من كلامها ـ وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته ـ وتفسير تفسره العرب ـ وتفسير تفسره العلماء ـ ومتشابه لا يعلمه إلا الله ـ ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب.

وعليه أن لا يكثر من الأقوال المحتملة البعيدة والتفاسير الغريبة، وألا يتكلف في حمل الآية على مذهبه إذا كان ظاهرها يخالفه، ففي الحديث( مراقي القرآن كفر) وأن يرجح من الأقوال ما وافق قراءة أخرى كقوله تعالى:{ أو لامستم النساء..} فتفسير الملامسة بالمس باليد أولى من الجماع لموافقته للقراءة الأخرى: (أو لمستم ) ويحرم تحريماً غليظاً أن يفسر القرآن بما لا يقتضيه جوهر اللفظ كما فعل ( ابن عربي ) المبتدع الذي ينسب إليه كتاب " الفصوص" الذي هو كفر كله.

وكما يحكى عن بعض الملحدة أنه قال في قوله تعالى:{ من ذا الذي يشفع} إن معناه: من ذل ـ أي من الذل ـ "ذي" إشارة للنفس ـ " يشف" جواب " من" من الشفاءـ "ع" فعل أمر من الوعى.

ويحرم أن يخرج القرآن على القواعد المنطقية, وقد اتفق أهل عصرنا ممن يبيح المنطق منهم ومن يحرمه على التغليظ على بعض العجم، وقد خرج بعض آيات القرآن عليه وأفتوا بتعزيره وزجره وأنه أتى باباً من العظائم ـ وإذا أعرب آية أعربها على أظهر محتملاتها وأرجحها، ولا يذكر كل ما تحتمله وإن كان بعيداً جائزاً إلا لقصد التمرين، ولا يذكر الأقاصيص التي لا يدري صحتها خصوصاً الإسرائيليات، وليقتصر منها على ما تدعو إليه الضرورة إذا كان في الآية إشارة إليه متحرياً أصح ما ورد و سيأتي حكم التفسير بالرأي.

النوع الحادي والتسعون: من يقبل تفسيره ومن يرد

هذا النوع من زيادتي، ويشبهه من علم الحديث: معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل.

قد تقدم في آداب المفسر أن التفسير يطلب أولا من القرآن ثم السنة ثم أقوال الصحابة والتابعين، فناقل ذلك عنهم شرطة شروط الرواية وهي: العدالة والحفظ والإتقان وهو مقرر في علم الحديث، وكذا رجال القرآن لما تقدم من أحد أركان صحة السند.

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة أن التفسيربالرأي حرام، وتقدم في المقدمة الفرق بينه وبين التأويل.

فأما الأول فحرام مطلقاً لما فيه من الشهادة على الله والقطع بأنه مراده.

وأما الثاني: وهو التأويل فقد اختلف في جوازه فمنعه قوم سداً للباب وتمسكاً بظاهر الحديث، وجوزه آخرون لمن كان عالماً بعلوم:

أحدها: اللغة لأن بها يعرف شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها.

الثاني: النحو ـ لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب فلا بد من اعتباره.

الثالث: التصريف ـ ولم يذكره بعضهم وهو الأصوب، ووجه من ذكره أن به تُعرف الأبنية والصيغ.

الرابع: الاشتقاق ـ لأن الاسم اذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين اختلف المعنى باختلافهما ـ كالمسيح هل هو من السياحة أو المسح.

الخامس: المعاني لأن به تعرف خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها.

السادس: البيان لأن به يُعرف خواص التراكيب من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها.

السابع: البديع لأن به يُعرف وجوه تحسين الكلام.

الثامن: علم القراءات ـ لأن به تعرف كيفية النطق بالقرآن، وبالقراءات تُرجح بعض الوجوه المحتمله على بعض.

التاسع: علم أصول الدين لما في القرآن من الآيات الدالة بظاهرها على ما لا يجوز على الله ـ فالأصولي يؤؤل ذلك ويستدل على ما يستحيل وما يجب وما يجوز.

العاشر: أصول الفقه ـ لأن به يُعرف وجه الاستدلال على الأحكام والاستباط.

الحادي عشر: أسباب النزول والقصص ـ إذ بسبب النزول يُعرف معنى الآية المنزلة فيه بحسب ما أُنزلت فيه.

الثاني عشر: الناسخ والمنسوخ ليُعلم المحكم من غيره.

الثالث عشر: علم الفقه.

الرابع عشر : الأحاديث المبينة لتفسير المجمل والمبهم.

الخامس عشر: علم الموهبة ـ وهو علم يورثه الله لمن عمل بما علم، وإليه الإشارة بحديث:)) من عمل بما عمل أورثه الله علم ما لم يعلم )).

قال ابن أبي الدنيا : وعلوم القرآن وما يستبط منه بحر لا ساحل له.

قال: فهذه العلوم التي هي كالآية للمفسر لا يكون مفسراً إلا بتحصيله فمن فسر بدونها كان مفسراً بالرأي المنهي عنه، وإذا فسر مع حصولها لم يكن مفسراً بالرأي المنهي عنه.

قال: والصحابة والتابعون كان عندهم علوم العربية بالطبع لا بالاكتساب، واستفادوا العلوم الأخرى من القرآن والسنن التي تلقوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: ولهذا كان علم التفسير الموضوع فيه هذا الكتاب مستمداً من هذه العلوم، وأنواعه مأخوذة منه. ومن أتقن الأنواع المذكورة في هذا الكتاب حصل له من ذلك ما يرومه ولم يحتج معه إلى غيره.

ولعلك تستشكل علم الموهية وتقول: هذا هو شيء ليس في قدرة الإنسان تحصيله وليس كما ظننت من الإشكال ـ وقد خطر لي تشبيه بقولهم في حد المجتهد: هو فقيه النفس ـ أي: شديد الفهم بالطبع لمقاصد الكلام بحيث يقدر على الاستنباط.

وممن لا يقبل تفسيره: المبتدع خصوصاً الزمخشري في كشافه فقد أكثر فيه من إخراج الآيات عن وجهها إلى معتقده الفاسد بحيث يسرق الإنسان من حيث لا يشعر وأساء فيه الأدب على سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم في مواضع عديدة فضلاً عن الصحابة وأهل السنة.

وقد أحسن الذهبي إذ ذكره في الميزان، وقال: كن حذراً من كشافه، وألف الشيخ: تقي الدين السبكي كتاباً سماه الانكفاف عن إقراء الكشاف ـ ذكر فيه أنه عقد التوبة من إقرائه وتاب إلى الله فلا يقرأه ولا ينظر فيه أبداً لما حواه من الإساءة المذكورة.

قال: وقد استشارني بعض أهل المدينة النبوية أن يشتري منه نسخة ويحملها إلى المدينة فأشرت عليه بأن لا يفعل حياء من النبي صلى الله عليه وسلم ـ على أنه آية في بيان أنواع البلاغة والإعجاز لولا ما شأنه مما ذكرنا.

وفي تفسير البيضاوي بحمد لله غنية في هذا النوع.

ولا يُقبل ممن بالجدال و المراء و التعصب لقول قاله وعدم الرجوع إلى الحق إذا ظهر له، ولا من يُقدم الرأي على السنة، ولا من عُرف بالمجازفة وعدم التثبت أو بالجرأة والإقدام على الله وقلة المبالاة، (ومن المطعون فيهم: جبير، والعوفي، والكلبي ومقاتل،و السدي الصغير وهو: محمد بن مروان بخلاف الكبير واسمه: إسماعيل بن عبد الرحمن.

ثم إن التفسير عن ترجمان القرآن ابن عباس ورد من طرق، فمن جيدها: طريق سعيد بن منصور عن نوح عن ابن قيس عن عثمان ابن محصن عنه، وطريق محمد ابن اسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عنه هكذا بالترديد وربما يُجزم بأحدهما في بعض الروايات. وطريق مالك بن إسماعيل عن قيس عن عطاء بن السائب عن سعيد عنه ومن واهيها: طريق الكلبي عن أبي صالح، وطريق الضحاك عنه منقطعة لأنه لم يتثبت سماعه منه بل قيل: وطريق علي بن أبي طلحة كذلك وأنه إنما سمع التفسير من مجاهد أو سعيد عنه)

النوع الثاني والتسعون: غرائب التفسير

هذا النوع من زيادتي، وهو يشبه من علم الحديث: المنكر أو الغريب والمراد به: ما قيل في القرآن من الأقوال الغريبة التي لا يحل حمل القرآن عليها ولا ذكرها على سبيل التحذير منها.

وألف فيه بعض المتقدمين كتاباً في مجلدين وهو: محمود بن حمزة الكرماني في حدود الخمسمائة، فمنها قوله تعالى:{ ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } قال قوم: يعني العشق وقوله تعالى:{ ولها عرش عظيم } قال قوم:فرج عظيم. وقوله تعالى: { ومن شر غاسق إذا وقب} قال بعضهم: أي من شر الذكر إذا قام ـ وقوله تعالى:{ حم عسق } قال بعضهم: هو رجل يُقال له: أبو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق يبتني عليه مدينتين ونحو ذلك.

وهذه أمثلة منها ليحذرها المفسر ولا يعول عليها و إن وقع الأول منها في التفسير الكواشي وغيره من المعتمدين.

ومن أعجبه ما اشتهر في قوله تعالى: { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } فقد لهج العوام بأن معناه: متزوجون ـ وهذا قول لا يعرف أصلاً ولا يجوز الإقدام على تفسير كلام الله بمجرد ما يحدث في النفس أو يسمع ممن لا عهدة عليه. انتهى. والله أعلم .

النوع الثالث والتسعون: معرفة المفسرين

هذا النوع من زيادتي وهو مهم ، وقد ألف الناس فيهم طبقات ، فيمن اشتهر بمعرفة التفسير من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ : الخلفاء الأربعة ، وعبد الله بن مسعود، فقد روى ابن جرير عنه أنه قال: والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا و أنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت ـ ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته.

ومنهم:عبد الله بن عباس البحر ترجمان القرآن، فقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"، وقال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس ومن التابعين: مجاهد بن جبر، فقد قرأ القرآن على ابن عباس ثلاث مرات يسأله في كل مرة عن تفسير آية، ولهذا قال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به.

ومنهم: سعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء أبي رباح والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبو العالية والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم ، وخلق ، ثم حمل التفسير من كل خلف خلق وألفوا فيه من الكتب كمقاتل والسدي و وكيع وعبد الرازق ومحمد بن يوسف الفريابي وأبي جعفر بن جرير وهو أجلهم والله سبحانه أعلم.

النوع الرابع والتسعون: كتابة القرآن

هذا النوع من زيادتي، وهو نوع من أنواع علوم الحديث، وفيه مسائل:

الأولى: تُستحب كتابة المصحف وتحسين كتابته وتبيينها وإيضاحها، وتحقيق الخط دون مشقه وتعليقه، فقد روى أبو عبيد في فضائله عن عمر أنه وجد مع رجل مصحفاً قد كتبه بقلم دقيق فكره ذلك وضربه وقال: عظموا كتاب الله ـ وكان عمر إذا رأى مُصحفاً عظيماً سُر به، وروي عن علي أنه كره أن يكتب في شيء صغير وأنه مر على رجل يكتب فقال له: أجل قلمك ونوره كما نوره الله.

وروي عن ابن سيرين أنه كره كتابته مشقاً، وتحرم كتابته بنجس، وأما المذهب فهو حسن كما قال الغزالي، وروى أبو عبيد عن ابن مسعود أنه مر عليه بمصحف زين بالذهب فقال: إن أحسن ما زين به المصحف تلاوته بالحق، وروى عن ابن عباس وأبي ذر وأبي الدرداء أنهم كرهوا ذلك، وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: لا تكتبوا القرآن حيث يُوطأ ـ وذكر أصحابنا أنه تكره كتابته على الحيطان والجدران وعلى السقوف أشد كراهة لأنه يُوطأ.

الثانية: اختلف في نقط المصحف وشكله ويقال: أول من فعل ذلك: أبو الأسود الدؤلي بأمر عبد الملك بن مروان، وقيل: الحسن البصري، ويحيى بن يعمر، وقيل: نصر بن عاصم الليثي.

وأول من وضع الهمز والتشديد والروم والإشمام : الخليل.

وقال قتادة: بدأُوا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا، وقال غيره: أول ما أحدثوا النقط عند آخر الآي ثم الفواتح والخواتم.

وقال يحيى بن أبي كثير: ما كانوا يعرفون شيئاً مما أُحدث في المصاحف إلا النقط الثلاث على رؤوس الآي.

وقد روى أبو عبيد عن ابن مسعود أنه قال: جردوا القرآن، ولا تخلطوه بشيء، وروي عن إبراهيم: أنه كره نقط المصاحف، وعن ابن سيرين: أنه كره النقط والفواتح والخواتم، وعن ابن مسعود ومجاهد: أنهما كرها التعشير، وقال مالك: لا بأس به في المصاحف التي يتعلم فيها الغلمان، أما الأمهات فلا.

وقال النووي: نقط المصحف وشكله مستحب لأنه صيانة له من اللحن والتحريف.

وقال البيهقي في الشعب: من آداب القرآن أن يُفخم فيُكتب مفرجاً بأحسن خط، ولا يُصغر، ولا تقرمط حروفه، ولا يُخلط به ما ليس منه كعدد الآيات والسجدات والعشرات والوقوف واختلاف القراءات ومعاني الآيات.

وقال ابن مجاهد: ولا ينبغي أن يُشكل إلا ما يُشكل.

وقال الداني: لا أستجيز النقط بالسواد لما فيه من التغيير لصورة الرسم، ولا أستجيز جمع قراءات شتى في مصحف واحدٍ بألوان مختلفةٍ لأنه من أعظم التخليط والتغيير للمرسوم، وأرى أن تكون الحركات والتنوين والتشديد والسكون والمد بالحُمرة والهمزات بالصفرة، انتهى.

الثالثة: في رسم المصحف وفيه تصانيف كثيرة أشهرها: المقنع للداني والرائية للشاطبي وهو مُتبع لا يُراعى فيه القواعد النحوية وقد حررته على ترتيب لم أسبق إليه وضبطته بقواعد بعد أن يعرف أن الأصل في كل كلمة أن ترسم بحروف هجائها ـ القاعدة الأولى: في الحذف ـ تُحذف الألف من ياء النداء نحو: يأيها الناس ـ يآدم ـ يرب.

وهاء التنبيه نحو: هؤلاء ـ هأنتم، ونا مع ضمير نحو : أنجينكم ـ آتينه ـ ومن ذلك: أولئك ـ و "لكن " و"ترك" وفروع الأربعة:ـ و" الله" ـ و"إله" كيف وقع ـ و" الرحمن" ـ و " سبحان " كيف وقع إلا: " قل سبحان ربي" وبعد لام نحو:" خلئف" ـ " خلف رسول الله" صلى الله عليه وسلم ـ " علم "ـ "إيلف"ـ" يلقوا"ـ وبين لامين نحو: "الكللة" و" الضللة" ـ "خلل" ـ " للدار" ـ "للذي ببكة" ـ ومن كل علم زائد على ثلاثة : كإبراهيم وصلح ـ وميكئيل ـ واللت ـ إلا جالوت وطالوت ويأجوج ومأجوج وداود لحذف واوه وإسرائيل لحذف يائه ـ واختلف في هاروت وماروت وهامان وقارون، ومن كل مثنى اسم أو فعل إن لم يتطرف نحو: " رجلين يُعلمن" ـ أصلنا ـ إن هذان ـ إلا " بما قدمت يداك ـ ومن كل جمع تصحيح لمذكر أو مؤنث نحو:اللعنون ـ ملقوا ربهم إلا : " طاغون" في الذاريات والطور، و" كراماً كاتبين" ـ وإلا: " روضات " و" آيات للسائلين" ـ و "مكر في ءآياتنا" ـ و "ءآياتنا بينات" في يونس ـ وإلا إن تلاها همزة نحو: " الصائمين و الصائمات" ـ أو تشديد نحو: " الضالين" و" الصافات" ـ فإن كان في الكلمة ألف ثانية حُذفت أيضاً إلا : " سبع سموات" في فُصلت ـ ومن كل جمع على " مفاعل " أو شبهه نحو: المسجد [ ومسكن واليتمى والنصرى والمسكين والملائكة والخبئث]

والثانية من:" خطينا" كيف وقع ـ ومن كل عدد كثلث وثلث، وسحر إلا في آخر الذاريات ـ فإن ثني فألفاه والقيمة، والشيطان،وسلطن، واللتي، والئي، وخلق وعلم ، وبقدر، والأصحبُ، والأنهر، والكتب، ومنكر الثلاثة إلا أربعة مواضع " لكل أجل كتاب" ـ " كتاب معلوم" ـ " كتاب ربك" ـ في الكهف ـ و" كتاب مبين" في النمل ـ ومن البسملة ، و "بسم الله مجرتهاـ ، ومن أول الأمر من سأل ـ ومن كل ما اجتمع فيه ألفان أو ثلاثة نحو: ءادم ـ ءآخر ـ ءأشفقتم ـ ءأنذرتهمـ ومن: رءا كيف وقع إلا : " مارأى" ـ و" لقد رأى" في النجم ـ و" ءالئن" ـ إلا:" فمن بستمع الأن "ـ والألفان من : " لئيكة" إلا9 في الحجر وق

وتحذف الياء من كل منقوص منون رفعاً وجراً نحو" باغ ولا عاد" ـ والمضاف لها إذا نودي إلا: " يعبادي الذين ءآمنوا " في العنكبوت ـ أو لم يُناد إلا " وقل لعبادي" " أسر بعبادي" في طه والدخان ـ " فادخلي في عبادي وادخلي جنتي"- ومع مثلها نحو: " ولي" ـ و" الحواريون"ـ و" متكئين" ـ إلا " عليين" ـ و " يُهيى" ـ " هيئ" و"مكر السيء " و" سيئة" و " السيئة" ـ أفعيينا ـ و" يُحيى" مع ضمير لا مفرداً وحيث وقع " أطيعون" ـ" اتقون" " خافون" " ارهبون" " فأرسلون" و" اعبدون" إلا في يس" واخشون" إلا في لبقرة ـ ويكيدون إلا " فكيدوني جميعاً" و" اتبعون" إل في آل عمران وطه ـ و" لا تنظرون" و" لا تستعجلون" "ولا تكفرون" و" لا تقربون" و" لا تخزون" و" لا تفضحون" ، " يهدين" و"سيهدين" و" كذبون" " يقتلون" و" أن يكذبون" و"وعيد" و" الجوار" و" بالواد" و"المهتد"ـ إلا في الأعراف ـ وتحذف الواو مع أخرى نحو: " لا يستون" ـ " فاءو" وإذا المؤدة ـ يؤساً ـ وتحذف اللام مدغمة في مثلها نحو: الليلـ الذي، إلا الله، اللهم، اللعنة وفروعه واللهو، واللغو، واللؤلؤ، واللات، واللمم ـ واللهبـ واللطيفـ واللوامة.

فرع: في الحذف الذي لم يدخل تحت القاعدة

حذفت الألف من :{ ملك الملك} ـ { ذرية ضعفاً} ـ { مرغماً} ـ { خدعهم} ـ { أكلون للسحت} ـ { بلغ} ـ { ليجدلوكم }ـ{ وبطل ما كانوا يعملون} الأعراف وهود " الميعاد" في الأنفال ـ تُراباً في الرعد والنمل وعم ـ جذاذاً ـ يُسرعون ـ { آيه المؤمنون} ـ { يأيه الساحر}ـ{ أيه الثقلان} ـ{ أم موسى فرغاً} ـ { وهل يُجزى} ـ{ من هو كذب} ـ{ للقسية} في الزمر{ أثرة} ــ{ عهد عليه الله} ـ { ولا كذباً} ـ وحذفت الياء من " إبراهيم" في سورة البقرة و{ الداع إذا دعان } ـ و{ من اتبعن } ـ و { فسوف يأت الله } ـ و { قد هدان} { ننج المؤمنين} ـ { فلا تسألن ما ليس} ـ { يوم يأت لا تكلم} ـ{ حتى تؤتون موثقاً} ـ { تفندون} ـ { المتعال} ـ { متاب} ـ { مآب} ـ { عقاب} في الرعد وغافر وص " أشركتمون من قبل" ـ { و تقبل دعاء} ـ { لئن أخرتن } ـ { أن يهدين } ـ {إن ترن}ـ { أن يؤتين} ـ{ أن تعلمن} ـ { نبغ} الخمسة في الكهف ـ { ألا تتبعن} في طه ـ { والباد} ـ {وإن الله لهاد} ـ{ أن يحضرون} ـ { رب ارجعون}ـ { ولا تكلمون} ـ { يسقين} ـ{ يشفين}ـ{ يُحيين} ـ { واد النمل} ـ{ أتمدونن} ـ { فماءاتن} ـ { تشهدون} ـ { بهدي العُمي} ـ { كالجواب} ـ { إن يردن الرحمن} ـ { لا ينقذون}ـ{ فاسمعون} ـ { لتردين} ـ{ صال الجحيم} ـ { التلاق} ـ { التناد} ـ { ترجمون} ـ { فاعتزلون} ـ { يُناد المناد} ـ { ليعبدون} { يطعمون} ـ { يدع الداع} مرتين في القمر ويسر} ـ{ أكرمن } ـ { أهنن } { ولي دين} وحذفت الواو من: ويدع الإنسان ـ { ويمح الله} في حم} ـ {يوم يدع الداع} ـ { سندع الزبانية}.

القاعدة الثانية في الزيادة: زيدت ألف بعد الواو آخر اسم مجموع نحو: { بنوا إسرائيل} ـ{ ملقوا ربهم} ـ { أُولوا الألباب} ـ بخلاف المفرد نحو: { لذو علم} إلا { الربوا} ـ {إن امرو أهلك} وآخر فعل مفرد أو جمع مرفوع أو منصوب إلا:{ جاءوا} و { باءو} حيث وقعا ـ و{ عتوعتوا} {فإن فاءوا} { والذين تبوءو الدار} ـ { وعسى الله أن يعفو عنهم} في النساء ـ { وسعوا في ءايتنا} في سباء [ وبعد الهمزة المرسومة واواً نحو] : { تفتؤا} وفي:{ مائة } و { مائتين} و{ الظنونا} و{ الرسولا} و{ السبيلا} { ولا تقولن لشايء} ـ { أو لأذبحنه} { ولا اوضعوا} ـ و{ لا إلى الله} و { لا إلى الجحيم} ـ و {تايئسوا} ـ { وإنه لا يايئس} ـ { أفلم يايئس} [ وبين الياء والجيم في { جايء} في الزمر/ وزيدت ياء في :{ نبإي المرسلين ـ و{ ملاءيه} و{ ملإيهم} ـ { ومن ءاناءي الليل } في طه ـ { من تلقائي نفسي} ـ {ومن وراءي حجاب} في شورى ـ { وإيتاءي ذي القربى} في النحل ـ { ولقاءي الآخرة} في الروم { بأييكم المفتون } ـ { بنبنها بأييد}ـ { أفإين مات} ـ{ أفإين مت} ـ وزيدت واو في: اُولوا وفرعه ـ و{ سأُوريكم} ـ وكتب ابن بالهمزة مطلقاً].

القاعدة الثالثة في الهمز: يُكتب الساكن بحرف حركة ما قبله أولاً أو وسطاً أو آخراً نحو: ائذن ـ اؤتمن ـ والبأساء ـ اقرأ ـ جئناك ـ هيىء ـ المؤتون ـ تسوؤهم ـ إلا: { فادارءتهم} { رءيا} ـ { الرءيا} ـ { شطئه} فحذف فيها ـ وكذا أول الأمر بعد فاءٍ نحو: { فأتوا} أو واو نحو:{ وأتمروا} ـ والمتحرك: إن كان أولاً أو اتصل به حرف زائد بالألف مطلقاً نحو:{ أيوب} {إذ} ـ أولواـ { سأصرف} ـ { فبأي} ـ{ سأنزل} ـ إلا مواضع: { أئنكم لتشهدون}ـ{ أئنكم لتأتون} في النمل والعنكبوت { أئنكم لتكفرون} ـ { أئنا لمخرجون} في النمل ـ { أئنا لتاركوا} { أئن لنا} في الشعراء ـ { أئذا متنا} ـ{ أئن ذكرتم} { أئفكاً}ـ{أئمة} ـ{لئلاً} ـ { لئن} ـ { يومئذ} ـ{ حينئذ} ـ فتكتب فيها بالياء إلا { قل أؤنبئكم} ـ و{ هؤلاء} فتكتب بالواو/ وإن كان وسطاً فبحرف حركته نحو: سأل ـ سئل ـ نقرؤه ـ إلا:جزاؤه الثلاثة في يوسف ـ ولأملئن ـ وامتئلت ـ واشمئزت ـ واطمئنوا ـ فحذف فيها ـ وإلا إن فتح وكسر أو ضم ما قبله ، أو ضم وكسر ما قبله فبحرفه نحو ـ الخاطئة ـ فؤادك ـ سنقرئك ـ فإن كان ما قبله ساكناً حذف هو نحو: يُسئل ـ لا تجزُوا ـ إلا النشاة ـ ومؤئلاً ـ في الكهف ، فإن كان ألفاً وهو مفتوح فقد سبق أنها تحذف لاجتماعها مع ألف مثلها ـ إذا الهمزة حينئذ بصورتها نحو: أبناءنا ـ وحذف منها أيضاً في : { قرءنا} في يوسف والزخرف ـ فإن ضم أو كسر فلا نحو: آباؤكم ـ آبائهم ـ إلا: { وقال أولياؤهم ـ { إلى أوليائهم} في

الأنعام ـ { إن أولياؤه} في الأنفال ـ { نحن أولياؤكم} في فصلت ـ وإن كان بعده حرف يجانسه فقد سبق أيضاً أنه يُحذف نحو:{ شنئان}ـ خسئين} ـ { مستهزءون}ـ وإن كان آخراً فبحرف حركة ما قبله نحو: سبأ ـ شاطئ ـ لؤلؤ ـ إلا في موضع : تفتؤا ـ يتفيؤا ـ أتوكؤا ـ لا تظمؤا ـ ما يعبؤا ـ يبدؤا ـ يُنشؤا ـ يذرؤا ـ نبؤ ـ فقال الملؤا الأول في قد أفلح والثلاثة في النمل { جزاؤ} ـ في خمسة مواضع: اثنان في المائدة وفي الزمر والشورى والحشر ـ { شُركؤا} في الأنعام وشورى ـ { يأتيهم أنبؤا} في الأنعام والشعراء ـ{ علمؤا بني} ـ { من عباده العلمؤا} ـ { الضعفؤا} في إبراهيم وغافر ـ { في أموالنا ما نشؤا} ـ و{ ما دعؤا} في غافر { شفعؤا} في الروم ـ { إن هذا لهو البلؤا} ـ { بلؤا مبين} في الدخان ـ { برءاؤا منكم} ـ فكتب في الكل بالواو ـ فإن سكن ما قبله حذف هو نحو: { ملء الأرض} دفء ـ شيء ـ الخبء ـ ماء ـ إلا { لتنوا} ـ { وإن تبوءا} ـ { والسواي} ـ كذا قاله الفراء ـ والذي عندي أن هذه الثلاثة لا تستثنى لأن الألف التي بعد الواو ليست صورة الهمزة بل هي المزيدة بعد واو الفعل فتأمل.

القاعدة الرابعة في البدل: يُكتب بالواو ألف الصلواه، والزكوة, والحيوة والربوا غير مضافات. والغدوة ، ومشكوة، والنجوة، ومنوة ـ وبالياء كل ألف منقلبة عنها نحو:{ يتوفكم} ـ في اسم أو فعل اتصل به ضمير أولا لقي ساكنا أم لا ومنه: { ياويلتي} ـ { ياحسرتي} { ياأسفي} إلا {تترا} ـ و{ كلتا} ـ { ومن عصاني} ـ والأقصا} ـ و { وأقصا المدينة} ـ [ و{ من تولاه} ـ و{ طغا الماء} ـ و{ سيماهم} ـ وما قبلها ياء كالدنيا، والحوايا، وهدايا، إلا يحيى اسماً وفعلاً ـ ويُكتب بها: على، وإلى وأنى بمعنى كيف، ومتى ، وبلى، وحتى، ولدي إلا :{ لدا الباب}] / ويكتب بالألف الثلاثي الواوي اسماً أو فعلاً نحو: الصفا ، وشفا، وعفا. إلا: ضُحى كيف وقع، و{ ما زكى منكم} ـ ودحها ـ وتلها ـ وطحها، وسجى ـ ويكتب بالألف نون التأكيد الخفيفة، وإذا ، وبالنون: كأين ـ وبالهاء هاء التأنيث إلا: { رحمت} في البقرة، والأعراف ، وهود، ومريم، والروم، والزخرف و { نعمت} في البقرة وآل عمران والمائدة وإبراهيم والنحل ولقمان وفاطر والطور و{سنت} في الأنفال وفاطر وغافر و{امرأت} مع زوجها ـ { وتمت كلمت ربك الحسنى} ـ { فنجعل لعنت الله} ـ و{ الخامسة أن لعنت الله عليه} و { معصيت} في المجادلة ـ { إن شجرت الزقوم} ـ { قرت عين} و{ جنت نعيم} ـ { بقيت الله} ـ { يا أبت} ـ و{ اللات} ـ و{ مرضات} ـ و{ هيهات} ـ و{ ذات} ـ و{ ابنت} ـ و{ فطرت}.

القاعدة الخامسة في الوصل والفصل: توصل ألا بالفتح إلا عشرة : { أن لا أقول} ـ { أن لا تقولوا} في الأعراف ـ { أن لا ملجأ} في التوبة ـ { أن لا إله} ـ{ أن لا تعبدون إلا الله إني أخاف} ـ{ أن لا تُشرك} في الحج ـ { أن لا تعبدوا} في يس ـ {وأن لا تعلوا} في الدخان ـ { أن لا يُشركن} في الممتحنةـ {أن لا يدخلنها} في ن و{ مما} : إلا: {من ما ملكت} في النساء والروم ـ { من ما رزقناكم} في المنافقين ـ و{ ممن} مُطلقاً ـ و{ عماً} إلا : { عن ما نهوا} ـ و{ إما بالكسر إلا : و{ إن ما نرينك} في الرعد ـ و{ أما بالفتح مُطلقاً ـ و { عمن} إلا: و{ يصرفه عن من } في النور ـ { عن من تولى } في النجم ـ و{أمن} إلا: { أم من يكون} في النساء ـ { أم من أسس} ـ { أم من خلقنا} في الصافات ـ { أم من يأتي آمنا} ، و{ إلم } بالكسر إلا : {فإن لم يستجيبوا} في القصص ـ و{ فيما} إلا : أحد عشر:{ في ما فعلن} الثاني في البقرة ـ { ليبلوكم في ما} في المائدة والأنعام ـ { قل لا أجد في ما} ـ { في ما اشتهت} في الأنبياء ـ { في ما أفضتم } ـ { في ما ههنا} في الشعراء ـ{ في ما رزقناكم} في الروم ـ { في ما هم فيه} ـ { في ما كانوا فيه } كلاهما في الزمر ـ { ونُنشئكم في ما لا تعلمون } ـ } ونعماً} و { مهما} و{ رُبما} و{ كأنما} و{ إنما} إلا: { إن ما توعدون لآت} في الأنعام ـ وأنما بالفتح إلا: { وأن ما يدعون} في الحج ولقمان ـ و { كلما} إلا: { كل ما ردوا إلى الفتنة} ـ { من كل سألتموه} ـ و{ بئسما} ـ إلا مع اللام ـ و{ ويكأن} وتقُطع { حيث ما } ـ { أن لم } بالفتح ـ و{ أن لن} إلا في الكهف والقيامة ـ و { أين ما} إلا: { فأينما تولوا} { أينما بوجهه} ـ واختلف في : { أين ما تكونوا يدرككم} ـ{ أينما كنتم تعبدون } في الشعراء ـ { أينما ثقفوا } في الأحزاب ـ و{ لكي لا } إلا في آل عمران والحج والحديد والثاني في الأحزاب ـ و{ يوم هم } ـ ونحو:{ فمال} ـ و{ لأت حين} ـ { وابن أُم } ـ إلا في طه الهمزة حينئذ واواًـ وحذفت همزة {ابن } فصارت هكذا : { يبنؤم}.

القاعدة السادسة: في ما فيه قراءتان فكتب على إحداهما ـ ومرادنا:{ القراءات المشهورة} فمن ذلك :{ ملك يوم الدين} ـ { يُخدعون} ـ { واعدنا} ـ{ والصعقة} و{ الريح} ـ و{ تفدوهم} ـ و{لولا دفع} ـ{ فرهن} ـ {طئراً} في {المائدة} و{ آل عمران} ـ { فيضاعفه} ونحو:{ عقدت أيمانكم} ـ {الأولين}ـ {لمستم} { قسية} ـ { قيماً للناس} ـ { وسيعلم الكفر} ـ{ تزاور} ـ { زاكية } ـ { فلا تصحبني} ـ { لتخذت} ـ { مهداً} ـ { وحرم على قرية} ـ { إن الله يدفع} ـ { سُكرى وما هم بسُكرى} ـ { المضغة عظماً فكسونا العظم} ـ { سراجاً ـ {بل ادارك} ـ { و لاتصعر} ـ { ربنا بعد} ـ { أسورة} بلا ألف في الكل ـ{ غيبت الجب} ، { لولا أُنزل عليه ءايت} في العنكبوت ـ { من ثمرات من أكمامها} في فصلت { جملت} ـ { فهم على بينات} ـ { وهم في الغرفات ءامنون} ـ {لأهب} بالألف ـ { ينقص الحق} بلا ياء ـ {ءاتوني زبر الحديد} ـ بألف فقط ـ { فنجي من نشاء} ـ { نجي المؤمنين} ـ بنون واحدة ـ و{ الصراط} كيف وقع ـ و{ بصطة} في الأعراف ـ و{ المصيطرون} ـ و{ مصيطر} بالصاد ـ وقد تكتب الكلمة صالحة للقراءتين نحو: { فكهين} بلا ألف وهي قراءة، وعلى قراءتها هي محذوفة رسماً لأنه جمع تصحيح.

فصل: فيما كُتب موافقاً لقراءة شاذة : فمن ذلك: { إن البقر تشبه علينا} ـ { أو كلما عهدوا} ـ{ فلقتلوكم} ـ { طئرهم}ـ { طئره في عنقه}{تسقط ثمراً} ـ { وفصله في عامين} ـ { عليهم ثياب سندس} ـ { ختمه مسك} ـ{ فادخلي في عبدي}.

فصل: وأما القراءات المختلفة المشهورة بزيادة لا يحتملها الرسم ونحوها نحو: { أوصى ووصى} ـ و{ تجري تحتها} و{ من تحتها ـ و{سيقولون الله ولله} ـ { وما عملت أيديهم، وما عملته} فكتابته على نحو قراءته ـ وكل ذلك وجد في مصاحف الإمام ـ فهذا ما حرزته من كتب الرسم على انتشارها بعد تعب شديد فضبطته بهذه القواعد التي لم أُسبق إلى تحريرها ولا يخرج عنها إن شاء الله إلا ما اختلف فيه.

خاتمة: كان الشكل في الصدر الأول نقطاً، فالفتحة نقطة على أول الحرف، والضمة على آخره ، والكسرة تحت أوله، وعليه مشى الداني والذي اشتهر الآن الضبط بالحركات المأخوذة من الحروف وهو الذي أخرجه الخليل وهو أكثر وأوضح وعليه العمل ـ فالفتح شكله مستطيلة فوق الحرف والكسر كذلك تحته، والضم واو صغرى فوقه، والتنوين زيادة مثلها ـ فإن كان مظهراً وذلك قبل حرف حلق ركبت فوقها و إلا تابعت بينهما.

وكتب الألف المحذوفة والمبدل منها في محلها حمراء، والهمزة المحذوفة تكتب همزة بلا حرف حمراء أيضاً ـ وعلى النون والتنوين قبل الباء علامة الإقلاب (م) حمراء ـ وقبل الحلق سُكون وتقرأ عند الإدغام والإخفاء ـ ويُسكن كل مسكن ، ويٌعرى المدغم ويشدد ما بعده إلا الطاء قبل التاء فيٌكتب عليها السكون نحو:{ فرطت} ومطة الممدود لا تجاوزه.

 

القسم السابع والأخير

من صفحة 368-إلى صفحة 446

النوع الخامس والتسعون :

تسمية السور .

هذا النوع من زيادتي ، وفيه مسائل :

الأولى : اختلف هل يجوز أن يقال : سورة البقرة ، وسورة آل عمران ، وسورة النساء ، وسورة المائدة ، ونحو ذلك .

والجمهور على جوازه ففي الصحيح عن ابن مسعود أنه قال : هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة ، وفي مسند أحمد أن العباس نادى بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فر الصحابة يوم حنين : يا أصحاب السُّمرة – يا أصحاب البقرة – فجعلوا يقبلون .

وقال جماعة : لا يقال ذلك ، بل السورة التي يذكر فيها كذا .

ففي الطبراني عن أنس مرفوعاً : لا تقولوا سورة البقرة ، ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء ، وكذلك القرآن كله ، ولكن قولوا : السورة التي يذكر فيها البقرة ، والتي يذكر فيها آل عمران ، وكذا القرآن كله ، وهذا حديث ضعيف غريب ، وقال ابن كثير : لا يصح رفعه ، وقال البيهقي : إنما يصح موقوفاً على ابن عمر .

الثانية : قد سبق في حد السورة أنها المسماة توقيفاً ، فظاهره أنه لا يجوز إلا بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم – والمراد : الاسم الذي تذكر به وتشتهر ، وإلا فقد سمى جماعة من الصحابة والتابعين سوراً بأسماء من عندهم – كما سمى حذيفة التوبة بالفاضحة وسورة العذاب وسمى خالد بن معدان البقرة : قسطاط القرآن – وسمى سفيان بن عيينة : الفاتحة : الوافية – وسماها يحي بن أبي كثير : الكافية – لأنها تكفي عما عداها .

الثالثة : من السور ما كان له اسمان فأكثر – فالفاتحة تسمى : أم القرآن وأم الكتاب ، وسورة الحمد ، وسورة الصلاة ، والشفاء ، والسبع المثاني ، والراقية والنور ، والدعاء ، والمناجاة ، والشافية ، والكافية ، والكنز ، والأساس .

وبراءة تسمى : التوبة ، والفاضحة ، وسورة العذاب .

ويونس تسمى : السابعة لأنها سابعة السبع الطوال .

والإسراء تسمى : سورة بني إسرائيل .

والسجدة تسمى : المضاجع .

وفاطر تسمى : سورة الملائكة .

وغافر تسمى : المؤمن .

وفصلت تسمى : السجدة .

والجاثية تسمى : الشريعة .

وسورة محمد صلى الله عليه وسلم تسمى : القتال .

والطلاق تسمى : سورة النساء القصرى .

وقد يوضع اسم لجملة من السور : كالزهراوين للبقرة وآل عمران ، والسبع الطوال وهي : البقرة وما بعدها إلى الأعراف ، والسابعة : يونس ، كذا روي عن سعيد بن جبير ومجاهد .

والمفصل : والأصح أنه من الحجرات إلى آخر القرآن لكثرة الفصل بين سورة بالبسملة ، والمعوذات : للإخلاص والفلق والناس . انتهى .

*~*~*~*~*~~*~*~*~*

النوع السادس والتسعون :

ترتيب الآي والسور .

هذا النوع من زيادتي . اختلف هل ترتيب الآي والسور على النظم الذي هو عليه الآن توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم أو باجتهاد من الصحابة ؟ فذهب قوم إلى الثاني تمسكاً بحديث سؤال ابن عباس الآتي .

وبما روي عن علي أنه كان عزم على ترتيب القرآن بحسب نزوله وأن أول مصحفه كان :{ اقرأ باسم ربك الذي خلق } وكذا مصحف أبي وابن مسعود فيه اختلاف شديد في الترتيب ، واختار مكي وغيره أن ترتيب الآيات والبسملة في الأوائل من النبي صلى الله عليه وسلم وترتيب السور باجتهاد الصحابة .

والمختار أن لكل من النبي صلى الله عليه وسلم .

فقال الكرماني في البرهان بعد أن ذكر الحكمة في قوله تعالى في البقرة :{ يا أيها الناس اعبدوا ربكم } وليس في القرآن غيره – إن العبادة المراد بها التوحيد ، وهو أول ما يلزم العبد ، فكان هذا أول خطاب خاطب الله به الناس في القرآن فخاطبهم أولاً بما ألزمهم ، ثم ذكر سائر العبادات فما بعدها من السور والآيات .

فإن قيل : ليست سورة البقرة بأول القرآن نوزلاً فيحسن فيها ما ذكرت ..

قلت : أول القرآن : الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران على الترتيب إلى سورة الناس ، وهكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب وكان صلى الله عليه وسلم يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه ، وعرضه عليه في السنة التي توفي فيها مرتين ، وكان آخر الآيات نزولاً :{ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله } فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا والدين . انتهى .

وكذا قال الطيبي : أنزل القرآن أولاً جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، ثم نزل متفرقاً على حسب المصالح ، ثم أثبت في المصاحف على التأليف والنظم المثبت في اللوح المحفوظ .

وقال البيهقي في المدخل : كان القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مرتباً سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة .

لما روى الحاكم وغيره عن ابن عباس قال : قلت لعثمان : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين قفرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر : بسم الله الرحمن الرحيم ، ووضعتموها في السبع الطوال فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه من السور ذوات العدد ، وكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من يكتب له فيقول : ضعوا في السورة التي فيها كذا وكذا .

وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ، وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها ، فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر : بسم الله الرحمن الرحيم .

وقال الحاكم : جمع القرآن ثلاث مرات :

إحداها : بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم روي عن زيد بن ثابت قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع – الحديث – وقال : صحيح على شرط الشيخين .

الثانية : بحضرة أبي بكر ، فروى البخاري عن زيد بن ثابت قال : أرسل إلي أبو بكر بقتل أهل اليمامة ، فإذا عمر بن الخطاب عنده ، فقال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال : إن القتل قد استحر بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن ، فقلت لعمر : كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال عمر : هذا والله خير ، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر . قال زيد : قال أبو بكر : إنك شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتتبع القرآن فاجمعه . فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن .

قلت : كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : هو والله خير ، ولم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال ، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره :{ لقد جاءكم رسول من أنفسكم..} حتى خاتمة براءة ، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى ، ثم عند عمر حياته ، ثم عند حفصة بنت عمر .

وروى وكيع عن السدي عن عبد خير عن علي قال : أعظم الناس أجراً في المصاحف : أبو بكر ، كان أول من جمع بين اللوحين .

قال الحاكم : والجمع الثالث هو : ترتيب السور في زمن عثمان ، فقد روى البخاري عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال لعثمان : أدرك الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ، فأرسل إلى حفصة : أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت ، وعبد الله بن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف ، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما أنزل بلسانهم ، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق .

قال زيد : ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري :{ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ..} فألحقناها في سورتها بالمصحف .

*~*~*~*~*~*~*~*~*

النوع السابع والتسعون :

الأسماء .

قال البلقيني : في القرآن من أسماء الأنبياء والمرسلين خمسة وعشرون هم مشاهيرهم : آدم ، قال ابن خيثمة : عاش تسعمائة سنة وستين سنة ، وكان بينه وبين نوح ألف ومائتا سنة .

وروى الطبراني عن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله : من أول الأنبياء ؟ قال : آدم ، قلت : ثم من ؟ قال : نوح وبينهما عشرة قرون .

ونوح وإدريس ، واختلف الناس أيهما أول ؟ قال الحاكم : وأكثر الصحابة على أن نوحاً أول .

وقال ابن إسحاق : هو أول بني آدم ، أعطي النبوة ، وهو أخنوخ ابن يزيد بن أهلاليل بن قينان بن ياسر بن شيث بن آدم .

وقال وهب : هو جد نوح الذي يقال له : أخنوخ ، واختلف في ضبطه : فقيل : بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وآخره معجمة أيضاً ، وقيل : خنوخ بفتح الخاء المعجمة وإسقاط الهمزة ، وقيل : بإهمال أوله .

وقال ابن الأثير : ولد وآدم حي قبل موته بمائة سنة وبعث بعد موته بمائتي سنة وعاش بعد نبوته مائة وخمس سنين .

وقال ابن عباس : كان بين إدريس ونوح ألف سنة ، وبعث نوح لأربعين سنة ، ومكث في قومه ألف سنة إلا خمسين وعاش بعد الطوفان ستين سنة ، رواه الحاكم .

وروى ابن جرير عن ابن عباس أنه بعث وهو ابن ثلاثمائة وخمسين .

وقال ابن الأثير : هو نوح بن لمك بفتح اللام وسكون الميم وبالكاف ، وقيل : ملكان بفتح الميم وسكون اللام وابن متوشلخ بضم الميم وفتح التاء الفوقية والواو وسكون الشين المعجمة وكسر اللام وبالخاء المعجمة ، كذا ضبطه ابن الأثير ، ابن إدريس .

وإبراهيم وهو : ابن آزر ، قال ابن إسحاق : ولد على رأس ألفي سنة من آدم ، وبينه وبين نوح عشرة قرون .

وقال ابن الأثير : ألف ومائة واثنتان وأربعون سنة ، وعاش مائة وخمساً وسبعين سنة ، وقيل : مائتي سنة .

ولده : إسماعيل ، وقال ابن الأثير : وعاش مائة وثلاثين ، وقيل : وسبعاً وثلاثين ، وكان له حين مات أبوه تسع وثمانون سنة .

وأخوه : إسحاق ، وولد بعده بأربع عشرة سنة وعاش مائة وثمانين .

وولده : يعقوب وعاش مائة وسبعاً وأربعين .

وولده : يوسف ، قال البلقيني : وهو مرسل بنص القرآن .

قلت : وقد قيل : إن الذي في غافر ليس هو هو ، وإنما هو حفيده يوسف بن أفراثيم – لبث فيهم نبياً عشرين سنة ، وعاش يوسف بن يعقوب مائة وعشرين سنة وبينه وبين موسى أربعمائة سنة .

ولوط : وهو ابن أخي إبراهيم هاران بن آزر وقيل : أحو سارة .

وهود : وهو ابن عبد الله بن رياح بن جارود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام ، وقيل : بن شالخ بن أرفخشد بن سام كان بينه وبين نوح ثمانمائة سنة وعاش أربعمائة وأربعاً وستين .

وصالح : وهو ابن عبيد بن أسف بن ماسخ بن عبيد بن عامر بن ثمود بن عوص بن عاد بن إرم بن سام بينه وبين هود مائة سنة وعاش مائتين وثمانين .

وشعيب : وهو ابن صيفون وقيل : ابن ملكاين .

وموسى : وهو ابن عمران بن فاهت بن يصهر بن عازر بن لاوى ابن يعقوب ، بينه وبين إبراهيم خمسمائة وخمس وستون ، وقيل : سبعمائة وعاش مائة وعشرين وأخوه هارون .

وداود : وهو ابن إيشا بكسر الهمز وسكون الياء التحتية وبالشين المعجمة بن عويد بن باعر ابن سلمون بن يخشون بن عمى بن يأرب بن ارم بن حضرون ابن قارص بن يهوذ بن يعقوب ، وبينه وبين موسى خمسمائة وتسع وستو سنة ، وقيل : تسع وسبعون ، وعاش مائة .

وولده سليمان وعاش نيفاً وخمسين سنة ، وبينه وبين مولد النبي صلى الله عليه وسلم فيما قيل : نحو ألف وسبعمائة سنة .

وأيوب : وهو ابن موص بن رعويل بن عنصر بن إسحاق عاش ثلاثاً وستين ، وقيل : أكثر ، وكانت مدة بلائه سبع سنين .

وولده : ذو الكفل فروى الحاكم عن وهب أن الله بعث بعد أيوب ابنه بشر بن أيوب نبياً وسماه : ذا الكفل ، وأمره بالدعاء إلى توحيده ، وكان مقيماً بالشام عمره حتى مات وعمره خمس وسبعون سنة .

ويونس : وهو ابن متى وهي أمه .

وإلياس : وهو ابن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون أخي موسى وقيل : هو إدريس وهو ضعيف .

واليسع : وهو ابن حاطور .

وزكريا : وهو ابن اذن ، وقيل : ابن حيسا ، وولده يحي وهو ابن خالة عيسى ، قيل : ولد بعده بستة أشهر .

وعيسى ابن مريم : وهي بنت عمران بن ناثان ، كان بينه وبين موسى ألف وتسعمائة وخمس وعشرون سنة ، وبين مولده والهجرة ستمائة سوى ثلاثون ، ورفع إلى السماء وله ثلاث وثلاثون سنة .

ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين عليهم الصلاة والسلام ، وقد ولد يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول عام الفيل ، وبعث يوم الاثنين على رأس أربعين سنة ,أقام بمكة ثلاث عشرة سنة ، وهاجر إلى المدينة في ربيع الأول ، وتوفي في سنة إحدى عشرة من الهجرة في ربيع الأول يوم الاثنين لليلتين خلتا منه ، وقيل : لاثنتي عشرة .

وفيه من أسماء الملائكة : جبريل ، وميكائيل ، وهاروت ، وماروت . إن صح أنهما ملكان ، هذا ما ذكره البلقيني .

قلت : والرعد ، ففي الترمذي ، من حديث ابن عباس أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أحبرنا عن الرعد ، فقال : ملك من الملائكة موكل بالسحاب .

ومالك : خازن جهنم .

وقعيد : فقد ذكر مجاهد : أنه اسم كاتب السيئات .

والسجل : فقد قال السهيلي وتابعوه : هو ملك في السماء الثالثة ترفع إليه الحفظة أعمال العباد في كل اثنين وخميس ، وقيل : كان كاتباً للنبي صلى الله عليه وسلم ، رواه أبو داوود والنسائي عن ابن عباس .

وفيه من أسماء الصحابة : زيد وهو ابن حارثة لا غير .

قلت : والسجل على القول السابق .

وفيه من أسماء المتقدمين غير الأنبياء والرسل : عمران أبو مريم ، وأخو هارون ، وليس بأخي موسى ، وأما الحديث الآخر :" فما ادري أكان تبع لعيناً أن لا "؟ فأجيب عنه بأنه قبل أن يوحى إليه أنه آمن .

ولقمان : وقد قيل : إنه كان نبياً والأكثر على خلافه .

وفيه من أسماء النساء : مريم ، قال السهيلي : وقد تكرر اسمها في نحو ثلاثين موضعاً لحكمة وهو أن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في ملغً ولا يتبذلون أسماءهم ، بل يكنون عن الزوجة بالعرس والعيال ونحو ذلك ، فإذا ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ، ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر ، فلما قالت النصارى في مريم ما قالوا : صرح الله باسمها ولم يكنّ تأكيداً للعبودية التي هي صفة لها ، وتأكيداً لأن عيسى لا أب له ، وإلا لنسب إليه .

وفيه من أسماء الكفار : إبليس ، وكان اسمه : عَزازير ومعناه : الحارث ، وكنيته : أبو مرة ، وقيل : أبو كردوس ، وقارون ، وجالوت ، وهامان ، وبشرى الذي ناداه الوارد المذكور في سورة يوسف بقوله :{ يا بشرى } في قول .

وآزر : أبو غبراهيم ، وقيل : اسمه : تارخ ، وآزر لقب .

وفيه من أسماء القبائل : يأجوج ومأجوج ، وعاد ، وثمود ، ومدين ، وقريش ، والروم .

وفيه من اٌوام بالإضافة : قوم نوح ، وقوم لوط ، وأصحاب الرس ، وهم بقية من ثمود ، والرس : قريتهم باليمامة ، وقيل : بين المدينة ووادي القرى ، وقيل : بئر بأنطاكيه ، وأصحاب الأيكة ، وقوم تبع .

وفيه من أسماء البلاد والأمكنة والجبال : بكة ، والمدينة وهي : يثرب في الأحزاب ، وبدر ، وحنين ، ومصر ، وبابل ، وطور سيناء جبل ، والجودي ، وهو جبل بالجزيرة ، وطوى وهو : بين مصر ومدين ، والأيكة وليكة بفتح اللام بلد قوم شعيب ، والثاني : اسم البلدة ،والأول : اسمة الكورة ، والمؤتفكات وهي : بلاد قوم لوط ، والكهف وهو : الغار لجبل بقرب طرسوس ، وقيل : بين أيلة وعمان دون فلسطين ، والرقيم : وادٍ هناك ، وقيل : اسم لكلبهم ، والأحقاف وهي : جبال الرمل بين عمان وحضرموت .

وفيه من أسماء الأماكن الأخروية : الفردوس ، وهو أعلى مكان في الجنة ، وعليون : قيل : أعلى مكان في الجنة ، وقيل : اسم لما دون فيه أعمال صلحاء الثقلين ، والكوثر وهو : نهر في الجنة وفي الموقف أيضاً واستمداده من الأول .

وسجين : اسم لمكان أرواح الكفار .

وغي وهو : واد في جهنم ، رواه الحاكم عن ابن مسعود .

والصعود : جبل فيها كما في حديث رواه الترمذي .

وويل : واد فيها رواه الترمذي أيضاً .

ويحموم : جبل فيها ، حكاه القرطبي .

وموبق : قال مجاهد : واد فيها ، وقال عكرمة : نهر فيها .

والفلق في حديث رواه أبو يعلى أنه جهنم ، وقال ابن عباس : سجن في جهنم ، وقال كعب : بيت فيها .

وآثام : واد فيها – حكاه القرطبي .

وفيه من أسماء الأصنام : ود ، وسواع ، ويغوث ، ويعوق ، ونسر ، وهي أصنام قوم نوح ، وكانت أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إليهم : أن انصبوا على مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى هلك أولئك ونسخ القلم ، واللات ، والعزى ، ومناة ، وهي : أصنام قريش ، وبعل : وهو صنم قوم إلياس .

وفيه من أسماء الكواكب : الشمس والقمر والطارق والشعرى .

*~*~*~*~*~*~*~~*

النوع الثامن والتسعون والتاسع والتسعون :

الكنى والألقاب .

أما الكنى : فليس في القرآن منها غير أبي لهب واسمه : عبد العزى ولذلك لم يذكر باسمه لأنه حرام شرعاً ، وقيل : للإشارة إلى أ،ه جهنمي .

وأما الألقاب فمنها : إسرائيل ليعقوب ومعناه : عبد الله ، وقيل : صفوة الله ، وقيل : سري الله ، لأنه أسرى لما هاجر .

ومنها : المسيح لعيسى ، وفي معناه أوجه كثيرة ذكرتها في شرح الأسماء النبوية .

ونوح فإن اسمه : عبد الغفار ولقب به لكثرة نواحه على نفسه .

وذو النون : وهو يونس .

وذو الكفل : إن صح أنه بشر بن أيوب .

والروح ، وروح القدس ، والأمين ، ألقاب للملك الكريم جبريل عليه السلام .

وذوالقرنين : واسمه : الاسكندر ، ولم يكن نبياً ، قيل : كان رجلاً صالحاً ، وقيل : اسمه : هرمس ، وقيل : هرديس ، وقيل : مرزبان ابن مردويه ، وقيل : هو الصهب بن ذي يزن الحميري ، وقيل : هو يوناني وسمي ذا القرنين : لأنه ملك فارس والروم ، أو دخل النور والظلمة أو كان برأسه شبه القرنين ، أو كان له ذؤابتتان ، أو رأى في النوم أنه أخذ بقرني الشمس – أقوال .

والعزيز : واسمه : قطفير أو اطفير .

وطالوت : لقب به لفرط طوله واسمه : شاول بن انبار بن ضرار .

وفرعون : واسمه : الوليد بن مصعب بن الريان وكنيته : أبو مرة وقيل : أبو العباس وهو فرعون الثاني الذي أرسل إليه موسى ، وكان قبله فرعون آخر وهو أخوه .

قالوص بن مصعب : ملك العمالقة ، ولم يذكر في القرآن .

*~*~*~*~*~~*~*~*

النوع المائة :

المبهمات .

هذا النوع مهم ، وذكر البلقيني منه أمثلة ، وللناس فيه تصانيف منها : التعريف والأعلام للسهيلي ، والتبيان لقاضي القضاة : بدر الدين بن جماعة ، وقد وقفت عليهما وعلى مختصر التعريف لبعض الفضلاء وفيه زيادات عليه .

وقد حررتها في فصول :

الأول : فيما أبهم من رجل أو امرأة أو ملك أو جني أو مثنى أو مجموع عرف أسماء كلهم ، أو مَن ، أو الذي ، إذا كان نصاً للواحد ، كقوله تعالى :{ إني جاعل في الأرض خليفة } هو آدم ، وزوجه هي : حواء بالمد وقد تكررت . { وإذ قتلتم } اسمه : قابيل . { إذ قالوا لنبي لهم } هو شمويل بن بال ابن علقمة يعرف بابن العجوز ، وقيل فيه : شمعون ، وقيل : هو يوشع وهو بعيد جداً .

{ الذي حاج إبراهيم في ربه } هو النمروذ بن كوش بن كنعان ابن حام بن نوح .

{ الذي مر على قرية } هو : غرمة ، أو ارميا ، أو شعيا – أقوال .

{ امرأت عمران } حنة بالنون بنت فاقوذ .

{ امرأة زكريا } أشياع بنت فاقوذ فهي خالة مريم .

{ منادياً ينادي للإيمان } هو النبي صلى الله عليه وسلم .

{ الجبت } هو : حيي بن أخطب ، وقيل : اسم شيطان .

{ الطاغوت } : هو كعب بن الأشرف .

{ ومن يخرج من بيته مهاجراً } هو وإن كان عاماً لكن ذكرته في هذا الفصل لما روي عن عكرمة قال : طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته وهو : حمزة بن العيص ويقال فيه : ضمرة ، وقيل : هو جندب بن ضمرة ، وقيل : خالد بن حزام بن خويلد .

{ اثني عشر نقيباً } هم : شموع بن زكور من سبط روبيل ، وشوقط ابن حورى من سبط شمعون ، وكالب بن يوقنا من سبط يهوذا ، ويفورك بن يوسف من سبط أشاجوه ، ويوشع بن نون من سبط أفراثيم بن يوسف ، وبلطي بن روقوا من سبط بنيامين ، وكرابيل بن سورى من سبط زبالون ، وكذى بن شونا من سبط منشا ابن يوسف ، وعمائيل بن كنسل من سبط دان ، وستور بن ميخائيل من سبط أشير ، ويوحنا بن وقوس من سبط نفتال ، واإل ابن موخا من سبط كاذلوا .

{ قال رجلان } هما يوشع وكالب .

{ ابني آدم } عهما : قابيل وهابيل وهو المقتول ، والقول بأنهما ليسا لصلبه بل من بني إسرائيل باطل.

{ تحبسونهما } قال أصحاب المبهمات : الضمير لتميم الداري وعدي بن بر النازل فيهما الآية .

قلت : الأولى أن يقال : هو راجع لاثنين في أول الآية وهي عامة وإن كان سبب نزولها قصتهما .

{ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ } هو بلعم بن باعورا ، ويقال فيه : بلعام من بني إسرائيل وكان مع الجبارين .

{ وإني جار لكم } عنى سراقة بن مالك بن جعشم سيد بني مدلج لأنه أتى في صورته .

{ إذ يقول لصاحبه لا تحزن } هو أبو بكر الصديق – رضي الله عنه –

{ ومنهم مني قول ائذن لي هو الجد بن قيس

{ ومنهم من عاهد الله } هو ثعلبة بن حاطب

{ و إرصاداً لمن حارب الله ورسوله } هو أبو حنظلة الراهب

{الثلاثة الذين خلفوا }كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع

{ويتلوه شاهد منه} قيل : هو جبريل .

{ و نادى نوح ابنه }هو : كنعان بن حام ، وقيل : يام .

امرأة إبراهيم : سارة

والغلام الذي بشرت به في الذاريات : إسحاق بلا خلاف إذ لم تلد غيره .

بنات لوط ريثا ورغوثا . امرأتـه : والهة ، وقيل : واعلة .

إخوة يوسف : أحد عشر : يهوذا ، وشمعون ، ولاوى ، وروبيل ، وتفتال لا، وكاذلوا ، وثير ، ودان ، وقباب ، وبنيامين وهو شقيقه المراد حيث ذكر في السورة ، وكبيرهم : روبيلا لأنه أسنهم ، وقيل : شمعون أي : رئيسهم ، يهودذا : أي صاحب رايهم وهو القائل الذي قال { لا تقتلوا } وهو البشير .

{ فأرسلوا واردهم }: هو مالك بن دعر .

{ امرأت العزيز } : راعيل ، وقيل : زليخا .

{ الذي اشتراه } : العزيز .

{ وشهد شاهد من أهلها } : كان ابن عمها ، وقيل : ابن خالها ولم يسم ، وفي الحديث : إنه كان طفلاً في المهد .

{ ودخل معه السجن فتيان } : هما شرهم وسرهم وهو الناجي .

{ وقال الملك } : هو الريان بن الوليد بن عمرو بن أراشه يجتمع مع فرعون في اراشه .