مصاحف م الكتاب الاسلامي

/ / / / / / /

دعائي لربي

قلت المدون تم بحمد الله وفضله ثم قلت: اللهم فكما ألهمت بإنشائه وأعنت على إنهائه فاجعله نافعاً في الدنيا وذخيرة صالحة في الأخرى واختم بالسعادة آجالنا وحقق بالزيادة آمالنا واقرن بالعافية غدونا وآصالنا واجعل إلى حصنك مصيرنا ومآلنا وتقبل بفضلك أعمالنا إنك مجيب الدعوات ومفيض الخيرات والحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم إلى يوم الدين اللهم لنا جميعا يا رب العالمين .وسبحان الله وبحمده عدد خلقه وزنة عرشه ورضا نفسه ومداد كلماته } أقولها ما حييت وبعد موتي والي يوم الحساب وارحم واغفر اللهم لوالديَّ ومن مات من اخوتي واهلي والمؤمنين منذ خَلَقْتَ الخلق الي يوم الحساب آمين وفرِّجِ كربي وردَّ اليَّ عافيتي وارضي عني في الدارين واعِنِّي علي أن اُنْفِقها في سبيلك يا ربي اللهم فرِّج كربي واكفني همي واكشف البأساء والضراء عني وعنا.. وردَّ إليَّ عافيتي وثبتني علي دينك الحق ولا تُزِغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب اللهم وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وتوفنا مع الأبرار وألِّفْ بين قلوبنا اجمعين.يا عزيز يا غفار ... اللهم واشفني شفاءاً لا يُغَادر سقما واعفو عني وعافني وارحمني وفرج كربي واكفني همي واعتقني مما أصابني من مكروه أنت تعلمه واعتقني من النار وقني عذاب القبر وعذاب جهنم وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال ومن المأثم والمغرم ومن غلبة الدين وقهر الرجال اللهم آمين /اللهم ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري وأحلل عُقَد لساني واغنني بك عمن سواك يارب . والحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم إلى يوم الدين آمين.

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 3 سبتمبر 2022

ج3.وج4.نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي

 

3. نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي
المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)

من المواضع المشكلة التي تحتاج إلى فكر ونظر، لأن أنى: تكون استفهاما وشرطا، ولا جائز أن تكون هنا استفهاما، لأنها حينئذ تكتفي بما بعدها من فعل أو اسم، نحو: {أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ}، {أَنَّى لَكِ هَذَا}، ولا تفتقر إلى غيره، وهنا يظهر افتقارها وتعلقها، بما قبلها، ثم إن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ولا جائز أن يكون شرطا، لأنها إذ ذاك تكون ظرف مكان فتكون مبيحة لاتيان/ النساء في غير القبل وقد ثبت تحريمه، ثم إن الظرف الشرطي أيضا لا يعمل فيه ما قبله، قال: والذي يظهر والله أعلم، كونها شرطا لافتقارها إلى جملة غير الجملة التي بعدها، ويكون قد جعلت فيها الأحوال كجعل الظروف المكانية، وأجريت مجراها تشبيها للحال بالظرف المكاني، كما أن كيف، خرج بها عن الاستفهام إلى معنى الشرط، في نحو: {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}، وجواب أني محذوف. تقديره: أنى شئتم فأتوه. ثم قال: فإن قلت: قد أخرجت أنى عن الظرفية الحقيقية وأبقيتها لتعميم الأحوال مثل كيف، فهل الماضي بعدها في محل جزم كحالها إذا كانت ظرفا، أم رفع كهو بعد كيف، فالجواب: إنه يحتمل الأمرين، والجزم: أرجح، لأنه قد استقر الجزم بها، فلا يزال، ولم يستقر الجزم بكيف. انتهى.
قوله: (روى إن اليهود) إلى آخره، أخرجه الشيخان عن جابر.
قوله: (وقيل: التسمية عند الوطء، أخرجه ابن جرير، عن ابن

(2/419)


عباس.
قوله: (نزلت في الصديق)، أخرجه ابن جرير، عن ابن جريج.
قوله: أو في عبدالله بن رواحة)، لم أقف عليه.
قوله: (يطلق لما يعرض دون الشيء، وللمعرض للأمر). يعني إنها جاءت اسما لما يعرضه دون الشيء، أي تجعله قدامه بحيث يصير حاجزاً ومانعا منه من عرض العود على الإناء يعرض بالضم والكسر ولما تعرضه للأمر من التعريض للبيع، ونحوه تقول: عرضت فلانا للحرب فتعرض لها، كأنك قدمته لذلك ونصبته له.
قوله: (كقوله عليه الصلاة والسلام، لابن سمرة: (إذا حلفت على يمين) الحديث، أخرجه الشيخان، والمصنف جعل قوله: (على يمين بمعنى، على أمر محلوف عليه مجازاً، وغيره ذهب إلى أن على زائدة، والتقدير: إذا حلفت يمينا.
قوله: (وأن مع صلتها عطف ييان لها) أي: فيكون في موضع جر، قال أبو حيان: ولو قيل إنه بدل منها لكان أولى، لأن عطف البيان

(2/420)


أكثر ما يكون في الأعلام، قال: والجمهور على أن هذا القول في موضع نصب على المفعولية له، أي كراهة أن تبروا، وذهب الزجاج والتبريزي إلى أنه في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي أن تبروا وتتقوا أمثل وأولى أو خير لكم من أن تجعلوا الله عرضة، فهذه ثلاثة أعاريب.
قوله: (وتتعلق أن بالفعل)، قال الشيخ سعد الدين: عبر به دون أن يقول: فلا تجعلوا، تنبيها على أنه متعلق بالمنفى لا بالنفي.
قوله: (أو بعرضه أي ولا تجعلوا الله عرضة لأن تبروا لأجل أيمانكم به) قال أبو حيان: هذا التقدير لا يصح، لأنه إذا علق لأيمانكم بتجلعوا ولا تبروا بعرضه، فقد فصل بين عرضه وبين معموله أن تبروا بقوله: لأيمانكم، وهو أجنبي منهما؛ لأنه معمول لتجعلوا، وذلك لا يجوز.
قوله: (ولا تجعلوه معرضا) إلى آخره، هو على المعنى الثاني بعرضه، وهو كونها بمعنى المعروض للأمر، والإيمان على هذا بمعنى الأقسام على ظاهرها، لا بمعنى المحلوف عليه.
قوله: (وأن تبروا علة)، قال أبو حيان: الذي يظهر لي على هذا القول، أنه في موضع نصب على إسقاط الخافض والعامل فيه لأيمانكم، والتقدير: لاقسامكم على أن تبروا فنهوا عن ابتذال اسم الله تعالى وجعله معرضا لأقسامكم على البر والتقوى والإصلاح، وهي أوصاف جميلة، فما ظنك بغيرها، قال: وعلى هذا يكون الكلام منتظما واقعا كل لفظ منه مكانه الذي يليق به.

(2/421)


قوله: (كقول العرب، لا والله وبلى والله)، قال الشيخ سعد الدين، وهو على طريق المثال وإيراد بعض الجزئيات، قلت: وخصه لأنه الوارد في تفسير الآية مرفوعا، أخرج البخاري عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية، في قول الرجل: لا والله وبلى والله، وأخرج أبو داود، عن عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال في لغو اليمين: (هو كلام الرجل في بيته، كلا والله وبلى والله) وله طرق أخرى.
قوله: (معنى البعد): عبارة غيره: معنى الامتناع.
قوله: (أضيف إلى الظرف على الاتساع) الأصل تربصهم أربعة أشهر.
قوله: (وإلا بانت بعدها بطلقة)، قال: في الهداية: لأنه ظلمها بمنع حقها فجازاه الشرع بزوال نعمة النكاح عند مضي هذه المدة.
قوله: (خبر في معنى الأمر): قال الشيخ سعد الدين: وجه هذا المجاز تشبيه ما هو مطلوب الوقوع بما هو متحقق الوقوع في الماضي، كما في رحمك الله أو في المستقبل والحال، كما في هذا المثال، قال: ثم إنه لا يعطى حكم الأمر في جعله جملة إنشائية حتى لا يكون خبر المبتدأ إلا بتقدير القول. لأن ذلك لا يبقى معه ما أريد فى هذا المقام من التأكيد

(2/422)


انتهى.
واعلم أن القول في هذه الآية وأمثالها بأنها خبر بمعنى النهي قد كثر في عبارات العلماء حتى كادوا يجمعون عليه وقد نبه القاضي أبو بكر ابن العربي على دقيقة فقال، في قوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ}، ليس نفيا لوجود الرفث، بل نفى لمشروعيته فإن الرفث يوجد من بعض الناس وأخبار الله لا يجوز أن تقع بخلاف مخبره، وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعا لا إلى وجوده محسوسا، كقوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} ومعناه مشروعا لا محسوسا، فإنا نجد مطلقات لا يتربصن، فعاد النفي إلى الحكم الشرعي لا إلى الوجود الحسي، وكذلك: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}. لا يمسه أحد شرعا، فإن وجد المس فعلى خلاف حكم الشرع، قال: وهذه الدقيقة التي فاتت العلماء قالوا: إن الخبر يكون بمعنى النهي، وما وجد ذلك قط ولا يصح أن يوجد، فإنهما يختلفان حقيقة، ويتباينان وضعا. انتهى. وتابعه القرطبي، فقال: هنا هو خبر على بابه وهو خبر عن حكم الشرع فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع، ثم رأيت الطيبي نقل عن الراغب مثل ذلك فقال: عند قوله والوالدات يرضعن، ذكر جماعة من الفقهاء أن يرضعن أمر وإن كان لفظه خبراً، لأنه لو جعل خبرا لم يقع بخلاف مخبره، وهذه قضية إنما تصح في خبر لفظة لا تحتمل التخصيص، وأما إذا كان عاما يمكن أن يخصص على وجه يخرج من أن يكون كذبا فادعاء ذلك فيه

(2/423)


ليس بواجب، وهذه الآية مما يمكن فيه ذلك أخبر تعالى أن حكم الله في ذلك أن الوالدات أحق بإرضاع أولادهن.
قوله: (وبناؤه على المبتدأ يزيده فضل تأكيد)، قال الشيخ سعد الدين: إما لتكرر الإسناد، وإما لأنك لما ذكرت المبتدأ أشعرت السامع بأن هناك حكما عليه، فإذا ذكرته كان أوقع عنده من أن يذكر ابتداء.
قوله: (جمع قرء) بفتح القاف.
قوله: (دعى الصلاة أيام أقرانك)، أخرجه أبو داود والنسائي، والدارقطني، من حديث فاطمة بنت أبى حبيش، والنسائي من حديث عائشة، نحوه.
قوله: لقول الأعشى: (لما ضاع فيها من قروء نسائكا
أوله: أفي كل عام أنت جاشم غزوة .... تشد لأقصاها عزيم عزائكا
مورثة مالاً وفي الحمد رفعة .... لما ضاع فيها من قروء نسائكا
أي من أطهارهن، إذ لا جماع في الحيض، والاستفهام للتقرير مع ثبوت إنكار، والظرف متعلق بجاشم، قال: جشمت الأمر: تكلفته على

(2/424)


مشقة، والعزيم: العزيمة والعزا: الصبر، ومورثة: صفة غزوة. أي: تورث المال والجاه ما ضاع من أطهار النساء وبسببها فهو علة للتوريث، أي لأجل صرف الأوقات وترك الشهوات، فقط ظفرت بالأمرين وليس تعليلا للإنكار، ولا من قبيل ليكون لهم عدوا. قال الشيخ سعد الدين: وأول هذه القصيدة:
أتشفيك تيا أم تركت بدائكا .... وكانت قتولا للرجال كذلك
ومنها: تجانف عن جل اليمامة ناقتي ... وما عدلت من أهلها لسوانكا
قوله: (وهو المراد في الآية).
قوله: (روى مالك في الموطأ وابن أبي حاتم، عن عائشة، قالت:
(الأقراء: الأطهار). قال ابن شهاب: سمعت أبابكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحداً من فقهائنا إلا وهو يقول: ما قالت عائشة.
قوله: (طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان)، أخرجه، أبو داود، والترمذي، وابن ماجه: والحاكم، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(2/425)


قوله: (وكان القياس)، إلى آخره. وجه بعضهم العدول، عن الأقراء إلى قروتان، واحدة قرء بالفتح، وجمع فعل على أفعال، شاذ، فلذلك ترك. حكاه أبو حيان، وهو توجيه حسن.
قوله: (ألا ترى إلى قوله: (بأنفسهن)، وما هي إلا نفوس كثيرة، قال الشيخ سعد الدين: فإن النكتة في تقليلها الإيماء إلى أن التطليق ينبغي أن يكون قليل الوقوع من الرجال.
قوله: (ولعل الحكم)، إلى أخره، قال الحريري في درة الغواص: الأصل تربص كل واحدة من المطلقات ثلاثة أقراء، فلما أسند إلى جماعتهن ثلاثة جيء بجمع الكثرة.
قوله: (من الولد والحيض)، عبارة الكشاف: أو من دم الحيض .. وقال الشيخ سعد الدين: إن الأول أوجه، لأن الولد هو المخلوق في الرحم، دون الدم. انتهى. وهو فاسد، لأن المراد البدل، لا الشمول، أي من الولد إن كانت حاملا، أو الحيض إن كانت حائلا. أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر، في الآية، قال: (لا يحل لها إن كانت حاملا أن تكتم حملها، ولا يحل لها إن كانت حايضا أن تكتم حيضها).
قوله: (ليس المراد منه) إلى آخره. يعني أنه ليس شرطا، لقوله: لا يحل، حتى لو لم يؤمن حل لهن ذلك، بل هو متعلق بيكتمن قصدا إلى عظم ذلك الفعل.
قوله: (فالضمير أخص)، قال أبو حيان: الأولى عندي أن يكون على حذف مضاف دل عليه الحكم، تقديره: وبعوله رجعياتهن.
قوله: (والتاء لتأنيث الجمع)، هو سماعي، لا قياسي، فلا يقال، في جمع كعب: كعوبة.

(2/426)


قوله: (وأفعل ههنا، بمعنى الفاعل)، أي: لأن غير الزوج لا حق له في ذلك، فكأنه قيل: وبعولتهن حقيقون بردهن، وقيل: إنها على بابها للتفضيل، أي: أحق منهن بأنفسهن لو استغن من الردة أو من آبائهن.
قوله: (وليس المراد منه) إلى آخره. الصارف عن اعتبار مفهوم هذا الشرط الاجماع.
قوله: (أي التطليق)، قال الطيبى: فسر الطلاق بالتطليق، لأنه قوبل بالتسريح.
قوله: (لما روى أنه عليه الصلاة والسلام، سئل أين الثالثة، فقال: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}، أخرجه أبو داود في ناسخه وسعيد بن منصور، وإبن أبي حاتم، وابن مردويه، من حديث أبى رزين الأسدي، وأخرجه الدارقطني وابن مردويه من حديث أنس.
قوله: (على التفريق) أي في كل طهر طلقة، فيكون مرتان للتكرير لا التثنية واللام في الطلاق للجنس، وهي على الأول للعهد في قوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ}.
قوله: (عقب به)، إلى آخره، قال الشيخ سعد الدين: إشارة إلى معنى الفاء في فإمساك إذ الامساك بمعروف أو تسريح بإحسان، إنما يتصور قبل الطلقات لا بعدها، يعني أنها للترتيب على التعليم، كأنه قيل: إذا علمتم كيفية التطليق، فالواجب أحد الأمرين.
قوله: (روى أن جميلة بنت عبد الله)، إلى آخره، قال الطيبي: رواه الأئمة بروايات شتى. وليس فيه، إني رفعت جانب الخباء، إلى

(2/427)


آخره. قال الشيخ سعد الدين. اتفقوا على أن الصواب أخت عبد الله. قلت: كلاهما صواب فإن أباها عبدالله ابن أبي رأس المنافقين، وأخوها صحابي جليل، اسمه عبدالله، نعم، اختلف قديما، هل هي بنت عبدالله المنافق أو أخته بنت أبي؟ والذي رجحه الحفاظ الأول. قال الدمياطي: هي أخت عبدالله ابن عبدالله شقيقته، أمها خولة بنت المنذر. وقد ورد من طريق عند الدارقطني: إن اسمها زينب.
قال ابن حجر: فلعل لها اسمين، أو احدها لقب وإلا فجميلة أصح. وقد وقع من حديث آخر، أن اسم امرأة ثابت، حبيبة بنت سهل، قال ابن حجر: والذي يظهر أنهما قصتان وقعتا له مع امرأتين لشهرة الحديثين وصحة الطريقين واختلاف السياقين. انتهى. والقدر الذي أنكره الطيبي، وهو أني رفعت إلى أخره، ورد في بعض الطرق إلا أن الطيبي، أكثر ما خرج من الكتب الستة، ومسندي أحمد والدارمي وليس هو فيها، فلذلك نفاه، أخرج البخاري، عن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس، أتت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله، ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، ولكني لا أطيقه. زاد الإسماعيلي في مستخرجه، والبيهقي بغضا، قال: (أتردين عليه حديقته)؟ قالت: نعم، قال: أقبل الحديقة وطلقها تطليقة، وأخرج البيهقي من وجه آخر، عن ابن عباس أن جميلة بنت سلول، أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - تريد الخلع فقال لها: (ما أصدقك)؟ قالت: حديقة. قال: (ردي عليه حديقته). وأخرج ابن جرير من وجه أخر، عن ابن عباس، قال: أول خلع كان في الإسلام، امرأة ثابت بن قيس، أتت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت:

(2/428)


يا رسول الله، لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبدا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سوادا، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها فقال: (أتردين عليه حديقته)؟ قالت: نعم، وإن شاء زدته ففرق بينهما، وأخرج مالك، وأبو داود، وابن حبان، والبيهقي. عن حبيبة بنت سهل، أنها كانت عند ثابت بن قيس فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: لا أنا ولا ثابت. الحديث. وليس في شيء من طرق الحديث التصريح بنزول الآية في هذه القصة.
قوله: (لا أنا ولا ثابت)، أصله لا اجتمع أنا وثابت، فحذف الفعل.
قوله: (أعتب) يروى بسكون العين والمثناة الفوقية مضمومة من العتاب وبكسر العين والمثناة التحتية ساكنة من العيب.
قوله: (أكره الكفر في الإسلام)، أي أكره إن أقمت عنده أن أقع فيما يقتضي الكفر، ويحتمل أن تريد كفران العشير، ويؤيده ما في حديث حبيبة بنت سهل، عند ابن ماجه، من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنها قالت: والله لولا مخافة الله إذا دخل على لبصقت في وجهه.
قوله: (أيما امرأة سألت زوجها) الحديث. أخرجه البيهقي من حديث ثوبان، وما روي أنه قال لجميلة. الحديث، أخرجه البيهقي،

(2/429)


عن عطاء مرسلا، ثم أخرجه من طريق أخر عن عطاء، عن ابن عباس وقال: إنه غير محفوظ والصحيح المرسل، وأخرجه أيضا، من مرسل أبي الزبير. وأخرج من طريق قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ منها ما ساق إليها، ولا يزداد.
قوله: (لما روي أن امرأة رفاعة)، الحديث أخرجه الشيخان من حديث عائشة، وابن الزبير، بفتح الزاي وكسر الباء، والعسيلة: مجاز عن قليل الجماع. قال الجوهري: شبهت تلك اللذة بالعسل وصغرت الياء، لأن الغالب على العسل التأنيث، وفي الأساس: من المستعار العسلتان للعضوين لكونهما مظنتي الالتذاذ.
قوله: (لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المحلل والمحلل له)، أخرجه أحمد والترمذي، والنسائي، وصححه، من حديث ابن مسعود.
قوله: (ولأنه لايقال، علمت أن يقوم زيدا)، إلى آخره. قال الطيبي: هذا إشارة إلى بيان الخطأ من طريق اللفظ لأن إن الناصبة لا

(2/430)


تقع بعد العلم، لأنه للتحقيق، والاستقبال ينافيه، وإنما تقع بعده المخففة من الثقيلة قال أبو حيان: وهذا الكلام قاله: غير واحد من النحويين إلا أنه مخالف لما ذكره سيبويه، من أنه يجوز أن يقال: ما علمت إلا أن يقوم زيد. فأعمل علمت في أن، قال: وجمع بعض المغاربة بينهما بأن علمت تستعمل ويراد بها العلم القطعي فلا يجوز وقوع أن بعدها كما ذكره، وتستعمل مرادا بها الظن القوي فيجوز أن تعمل في أن ويدل على استعمالها كذلك قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} فالعلم هنا أريد به الظن القوي، لأن القطع بإيمانهن غير متوصل إليه.
وقول الشاعر: (وأعلم علم حق غير ظن.
فقوله: علم حق، يدل على أن العلم قد يكون غير علم حق، وكذا قوله: غير ظن يدل على أنه يقال: علمت، وهو ظان، وقد سمع إعمال علم في أن، والمراد بها غير القطع. قال جرير:
نرضى عن الناس أن الناس قد علموا .... ألا يدانينا من خلفه أحد
كل امرئ مستكمل مدة العمر .... ومود إذا انتهى أجله
هو للطرماح. ومود: بمعنى هالك، من أودى إذا هلك.
قوله: ويقال: للدنو منه على الاتساع، قال الشيخ سعد الدين:

(2/431)


تحقيقه أنه مجاز باعتبار ما يؤل أو استعارة تشبيها للمتقارب الوقوع بالواقع في البعد عن القوة المحضة، والقرب من حصول الأثر.
قوله: (كان المطلق يترك العدة) إلى آخره. أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس.
قوله: (واللام متعلقة بالضرار)، وهو متعين على إعراب ضرار علة في إذ المفعول له لا يتعدد إلا بالعطف، أو على البدل وهو غير ممكن هنا لاختلاف الإعراب، وجائز، على إعرابه حالا، على أنه علة للعلة، ويجوز تعلقه بالفعل، وإن قدرت لام العاقبة جاز على الأول أيضا، ويكون الفعل تعدى إلى علة وإلى عاقبة، وهما: مختلفان. قاله أبو حيان.
قوله: (كان الرجل يتزوج ويطلق، ويعتق، ويقول: كنت ألعب، فنزلت).
أخرجه ابن المنذر، عن عبادة بن الصامت.
قوله. (ثلاث جدهن جد)، الحديث، أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجه، من حديث أبي هريرة، لكن فيه: والرجعة بدل،

(2/432)


والعتاق، وهو: في حديث عبادة بن الصامت السابق، بلفظ، فقال: (ثلاث من قالهن لاعبا: أو غير لاعب فهن جائزات عليه، الطلاق، والعتاق، والنكاح).
قوله: (دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين). قال الشيخ سعد الدين: لأن الإمساك إنما يكون في العدة، والنهى عن العضل إنما هو بعد التمكن، من النكاح، وذلك بعد انقضاء العدة.
قوله: (لما روى أنها نزلت، في معقل بن يسار)، أخرجه البخاري، وأبو داود، والنسائي: من حديثه. وليس فيه تسميتها، ووقع تسميتها جملا، وتسمية زوجها أبا البداح ابن عاصم، في طريق، رواه القاضي إسماعيل في أحكام القرآن وبه جزم ابن فتحون، وفي طريق عند ابن جرير، تسميتها: جميل بالتصغير، وبه جزم ابن ماكولا، وقيل: اسمهما ليلى حكاه السهيلي. والمنذري. وقيل: فاطمة وقع ذلك، عند ابن إسحاق.
قوله: (المروءة) بالهمز ومعناها كمال الرجولية والإنسانية.
قوله: (لأنه مما يتسامح فيه)، أي فيطلق على الأقل القريب من التمام.

(2/433)


قوله: (وقرئ، لا يضار بالسكون مع التشديد)، هي: قراءة أبي جعفر.
قوله: (وفيه مع التخفيف)، هي: رواية عنه أيضا، ووجهها كالتي قبلها.
قوله: (واجعله الوارث منا)، أول الحديث: (اللهم متعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني، وانصرني على من ظلمني وخذ منه بثأري)، أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة، وحسنه.
قوله: (أي فصالا صادرا)، قال الحلبي: في تقديره صادرا، نظر من حيث كونه كونا مقيدا، وقد قدره كائنا.
قوله: (أي يستر ضعوا المراضع) إلى أخره. قال أبو حيان: أحد القولين، أن تسترضع يتعدى إلى مفعولين بنفسه. والجمهور على أنه يتعدى إلى اثنين، ثانيهما بحرف جر، وحذف من أولادكم. والتقدير لأولادكم.
قوله: (ما أردتم إيتاءه)، قال الشيخ سعد الدين: لأن ما تحقق إيتاؤه لا يتصور تسليمه في المستقبل. وكذا قراءة: ما أتيتم، معناه: ما أردتم فعله، إذ لا يستقيم على ظاهره كما توهم بخلاف قراءة ما أوتيتم.
قوله: (وليس اشتراط التسليم) إلى آخره. الشيخ سعد الدين، جواب سؤال وهو، أن ظاهر الكلام، كون التسليم شرطا لرفع الجناح حتى لو انتفى ثبت الجناح، وليس كذلك. وحاصل الجواب، أنه دعا إلى الأولى. فإن قلت: ما موقعه في أساليب الكلام؟ قلت: إنه شبه ما هو

(2/434)


من شرائط الأولوية بما هو من شرائط الصحة، في فرط الاعتناء به، حتى كان الصحة تنتفي بانتفائه فاستعير له العبارة الموضوعة لإفادة التعليق وتوقف الصحة.
قوله: (أي وأزواج الذين)، أي والذين. إلى آخره يريد أن الذين مبتدأ، خبره بتربص، ولا عائد فيه فقدر حذف المضاف الذي يرجع إليه ضمير يتربص وهو الأزواج، أو حذف الضمير العائد إلى الذين حال كونه مجروراً، أي بعدهم. قال الشيخ سعد الدين: ولو قدر يتربصن بهم لم يبعد.
قوله: (وتأنيث العشر باعتبار الليل)، قال أبو حيان: لا حاجة إلى هذا التأويل، لأن المقرر في العربية، أن المعدود إذا كان مذكراً، وحذفته جاز فيه الوجهان، ذكر التاء وحذفها، وعليه حديث: (وأتبعه
ستاً من شوال) فجاءت الآية على أحد الجائزين، وحسنه هنا أنه مقطع كلام، فأشبه الفواصل.
قوله: (ولذلك لا يستعملون التذكير/ في مثله قط). قال أبو حيان: ليس كما ذكر، بل استعمال التذكير فيه كثير، بل هو الفصيح.
قوله: (وعن علي وابن عباس، أنها تعتد بأقصى الأجلين)، أخرجه عن علي، أبو داود في ناسخه، وعن ابن عباس.
قوله: (والخطبة). إلى آخره. قال الفراء: الخطبة بالكسر، التماس النكاح، وبالضم، الكلام المشتمل على الوعظ والأذكار، وكلاهما راجع للخطاب الذي هو الكلام.

(2/435)


قوله: (استدراك عن محذوف) قال أبو حيان: بل هو من الجملة التي قبله.
قوله: (وهي ستذكر ونهن)، والذكر يقع على أوجه، فاستدرك منه وجه نهى فيه، عن ذكر مخصوص، ولو لم يستدرك لكان مأذونا فيه، لاندراجه تحت مطلق الذكر الذي أخبر الله بوقوعه، وهو، نظير قولك: زيد سيلقي خالداً ولكن لا يواجهه بشر، فاستدرك هذه الحالة بما يحتمله اللقاء، (لكن) من أحواله المواجهة بالشر، ولا يحتاج لكن إلى جملة محذوفة قبلها، وإنما يحتاج ما بعد لكن إلى وقوع ما قبله، من حيث المعنى، لا من حيث اللفظ، لأن نفى المواجهة بالشر يستدعي وقوع اللقاء.
قوله: (فالمستثنى منه، محذرف) إلى آخره. قال أبو حيان: جعل الزمخشري الاستثناء متصلا باعتبار أنه مفرغ على وجهين. أحدهما: أن يكون من المصدر المحذوف. والثاني: أن يكون من مجرور محذوف. والمعنى: لا تواعدوهن نكاحا بقول من الأقوال، إلا بقول معروف، وهو التعريض، ومنع كونه منقطعا من سرا، لأنه يؤدي إلى قولك: لا تواعدوهم إلا التعريض، والتعريض ليس مواعدا يل مواعد به فلا يصح أن ينصب العامل عليه، وهذا الذي منعه من أجله ليس بصحيح، لأنه لا ينحصر الاستثناء المنقطع فيما يمكن تسلط العامل عليه بل هو قسمان، ما يتسلط فيه نحو ما رأيت أحداً إلا حماراً، وهذا النوع فيه الخلاف عن العرب، فالحجازيون ينصبون، وبنو تميم متبعون ومالا يتسلط وحكمه النصب عند العرب قاطبة، ومنه: (ما زاد إلا ما نقص)، (وما نفع إلا ما ضر)، فما بعد إلا، لا يمكن أن يتسلط عليه زاد ولا نفع، بل يقدر المعني: مازاد لكن النقص حصل، وما نفع لكن الضر حصل فاشترك القسمان في تقدير إلا بلكن، لكن الأول يمكن تسلط العامل السابق عليه، وهذا لا يمكن، والآية من الثاني. والتقدير: لكن التعريض سائغ لكم، قال: وكأن الزمخشري ما علم أن الاستثناء المنقطع

(2/436)


يأتي على هذا النوع، فلذلك منعه، انتهى.
قوله: (إلا أن تفرضوا) إلى آخره. حاصل الأقوال، في أو، أربعة إنها على بابها لأحد الشيئين، والفعل بعدها معطوف على تمسوهن، فهو مجزوم، ولم يذكر المصنف هذا أو معطوف على مصدر متوهم، فهو منصوب بإضمار أن بعد أو التي بمعنى إلا، أو بمعنى إلى، وهو الذي عبر عنه بحتى، أو معطوف على جملة محذوفة، التقدير: فرضتم أو لم تفرضوا، ولم يذكره، أو بمعنى الواو، والفعل مجزوم عطفا على تمسوهن، فينتفي الجناح عن المطلق على الأول بانتفاء أحد أمرين، إما الجناح أو الفرض وعلى الثاني بانتفاع الجماع إلا أن يفرض فلا ينتفي بل يثبت، والمراد به لزوم نصف المهر. وعلى الثالث بانتفائه فرض أو لا يفرض، وعلى الرابع بانتفائهما معا فإن انتفى الجماع دون الفرض وجب نصفه، أو الفرض دون الجماع، وجب مهر المثل. وهذا هو الأرجح في الآية.
قوله: (ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام لأنصاري طلق امرأته المفوضة قبل أن يمسها (متعها بقلنسوتك)، قال الشيخ ولي الدين العراقي: لم أقف عليه.
قوله: (أي الزوج)، ورد مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرجه الطبراني في الأوسط، من حديث ابن عمر، وأخرجه البيهقي في سننه، عن علي وابن عباس.
قوله: (وقيل: الولي)، أخرجه البيهقي عن ابن عباس، وهو أوفق للنظم كما بينته في أسرار التنزيل.
قوله: (على المشاكلة)، قال الشيخ سعد الدين: لوقوعه في

(2/437)


صحة عفو المرأة.
قوله: (وعن جبير بن مطعم)، إلى آخره، أخرجه البيهقي في سننه.
قوله: ولعل الأمر بها في تضاعيف أحكام الأولاد). إلى آخره. الطيبي: لما نهى سبحانه عن نسيان الحقوق والفضل فيما بينهم، بقوله: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} أردفه بالمحافظة- على حقوق الله تعالى - لاسيما أعظمها نفعا وأعلاها قدراً. وهي الصلاة. وفيه إشعار بأن مراعاة حق العباد مقدمة على حقوق الله.
قوله: (وهي صلاة العصر)، لقوله عليه الصلاة والسلام: يوم الأحزاب أخرجه مسلم من حديث على.
قوله: (وقيل: صلاة الظهر)، إلى آخره. أقول: هذا القول هو المختار عندي، وقد نص عليه الشافعي: على أنها الصبح، فخالفه الأصحاب إلى العصر، لقولهم: إن الدليل قام على ترجيحه، وإذا كان لابد من الخروج عن قول الإمام إلى الدليل، فالذي يقتضيه الدليل ترجيح أنها الظهر وبيان ذلك أن الأحاديث الواردة في أنها العصر قسمان مرفوعة، وموقوفة. فالموقوفة لا يحتج بها، لأنها أقوال صحابة عارضها أقوال صحابة آخرين، إنها الصبح أو الظهر أو المغرب، وقول الصحابي لا يحتج به إذا عارضه قول صحابي آخر قطعا، وإنما جرى الخلاف في الاحتجاج به عند عدم المعارضة، وأما المرفوعة فغالبها لا يخلو إسناده من مقال، والسالم من المقال قسمان، مختصر/، بلفظ

(2/438)


الصلاة الوسطى صلاة العصر ومطول فيه قصة وقع في ضمن هذه الجملة والمختصر مأخوذ من المطول، اختصره بعض الرواة فوهم في اختصاره على ما سنبنيه، والأحاديث المطولة كلها لا تخلو من احتمال، فلا يصح الاستدلال بها فقوله: في حديث مسلم: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر) فيه احتمالان، أحدهما: أن يكون لفظ صلاة العصر، ليس مرفوعا، بل مدرجا في الحديث، أدرجه بعض الرواة تفسيرا منه، كما وقع ذلك كثيرا في عدة أحاديث، وهذا كنت قلته أولا احتمالا، ثم رأيته منقولا، ويؤيده ما أخرجه مسلم، من وجه آخر، عن علي، حبسونا عن الصلاة الوسطى، حتى غربت الشمس، يعني العصر، الثاني على تقدير أنه ليس بمدرج، يحتمل أن يكون عطف نسق على حذف العاطف لا بيانا، ولا بدلا، والتقدير: شغلونا عن الصلاة الوسطى وصلاة العصر، ويؤيد ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يشغل يوم الأحزاب، عن العصر فقط ن بل شغل عن الظهر والعصر معا، كما ورد من طريق أخرى، فكأنه عنى بالصلاة الوسطى، الظهر، وعطف عليها العصر ومع هذين الاحتمالين لا يتأتى الاستدلال بالحديث ألبتة. والاحتمال الأول أقوى عندي للرواية المشار إليها، ويؤيده من خارج أنه لو ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تفسير أنها العصر لوقف الصحابة عنده ولم يختلفوا، وقد أخرج ابن جرير، عن سعيد بن المسيب، قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا وشبك بين

(2/439)


أصابعه، ثم على تقدير عدم الاحتمالين المذكورين، فالحديث معارض بالحديث المرفوع أنها الظهر وإذا تعارض الحديثان، ولم يمكن الجمع طلب الترجيح، وقد ذكر الأصوليون، أن من المرجحات أن يذكر السبب والحديث الوارد أنها الظهر بين فيه سبب النزول، وساق لذكرها بطريق القصد، بخلاف حديث شغلونا عن الصلاة فوجب الرجوع إليه، وهو ما أخرجه أحمد، وأبو داود بسند جيد، عن زيد بن ثابت، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى الظهر بالمهاجرين، ولم يكن يصلي صلاة أشد على الصحابة منها، فنزلت. (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى)، وأخرج أحمد، من وجه آخر، عن زيد، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وتجارتهم، فأنزل الله حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم)، ويؤيد كونها غير العصر ما أخرجه مسلم، وغيره، من طرق، عن أبي يونس مولى عائشة، قال: أمرتني عائشة، أن أكتب لها مصحفا فأملت على (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) وقالت: سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والعطف يقتضي المغايرة، وأخرج مالك وغيره من

(2/440)


طرق على عمرو بن رافع، قال: كنت أكتب مصحفا لحفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأملت علي (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وصلاة العصر)، وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن عبد الله بن رافع، قال: كتبت مصحفا لأم سلمة، فقالت: أكتب (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وصلاة العصر)، وأخرج ابن أبي داود، عن ابن عباس، أنه قرأ كذلك، وأخرج أيضا، عن أبي رافع، مولى حفصة قال: كتبت مصحفا لحفصة، فقالت: اكتب (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وصلاة العصر) فلقيت أبي بن كعب، فأخبرته، فقال، هو كما قالت. أو ليس أشغل ما يكون عند صلاة الظهر في عملنا ونواضحنا، فهذا يدل على أن الصحابة فهموا من هذه القراءة أنها الظهر.
قوله: (أفضل الصلاة: أحمزها)، هذا الحديث لا أصل له، وقال ابن الأثير في النهاية: في حديث ابن عباس، سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أي الأعمال أفضل؟ فقال: (أحمرها) أي أقواها وأشدها.
قوله: (ووتر النهار)، لأن ما عداها من صلواته شفع، ركعتان

(2/441)


أو أربع.
قوله: (وقيل: العشاء)، لم يرد عن واحد من الصحابة.
قوله: (وعن عائشة) إلى آخره، تقدم عزوه آنفا إلى مسلم.
قوله: (وقرئ بالنصب على الاختصاص)، قال أبو حيان: أو عطفا على موضع الصلوات، لأنه نصب كما تقول: مررت بزيد وعمرا.
قوله: (أو رجل)، هو بفتح الراء وضم الجيم، يقال: مشى فلان إلى بيت الله حافيا راجلا.
قوله: (أو ألزم)، أي فيكون وصية مفعولاً ثانيا، قال أبو حيان: هذا الوجه ضعيف، إذ ليس من مواضع إضمار الفعل.
قوله: (على تقدير ووصية النسب)، إلى آخره، قال أبو حيان: في التقادير الخمسة، لا ضرورة تدعو إلى ادعاء هذا الحذف خصوصا الرابع، فإنه ليس من مواضع إضمار الفعل، والوجه أن يصدر وصية منهم، على حد: السمن منوان بدرهم.
قوله: ((غير إخراج)، بدل منه)، قال الشيخ سعد الدين: بدل اشتمال.
قوله: (ثم نسخت المدة بقوله)، إلى آخره.
أخرجه البخاري، عن عثمان بن عفان.
قوله: (وسقطت النفقة بتوريثها: الربع أو الثمن)، أخرجه ابن

(2/442)


أبي حاتم عن ابن عباس.
قوله: (ألم تر تعجيب)، إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: الأوجه عموم الخطاب به دلالة على شيوع القصة وشهرتها بحيث ينبغي لكل أحد أن يتعجب منها كأنه حقيق بأن يحمل على الإقرار برؤيتهم وإن لم يرهم، ولم يسمع بقصتهم، ولم يكن من أهل الكتاب وأهل أخبار الأولين، قال: وتحقيق جرى هذا الكلام مجرى المثل أن يشبه حال من لم يره بمن رآه في أنه ينبغي ألا تخفى عليه هذه القصة، وأنه ينبغي أن يتعجب منها، ثم أجرى الكلام معه كما يجري مع من رآهم وسمع قصتهم، قصدا إلى التعجب واشتهر في ذلك. وقال الطيبي: عموم الخطاب به أوفق للنظم، لأن الكلام مع المؤمنين في شأن الأزواج والأولاد.
وقوله: (كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون) كالتخلص من الأحكام إلى القصص لاشتمال معنى الآيات عليها، ويؤيده قوله: بعد هذا، وفائدة القصة تشجيع المسلمين على الجهاد)، انتهى. وقال الزجاج: ألم تر كلمة يوقف بها المخاطب على أمر يتعجب منه، تقول: ألم تر إلى فلان كيف يصنع كذا، وفي الحديث: (ألم ترى أن مجززا نظر آنفا فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض) قال امرؤ القيس:
ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب
قوله: (يريد أهل داوردان) إلى أخره، أخرجه ابن أبى حاتم، عن ابن عباس.
قوله: (ألوف كثيرة)، الوارد عن ابن عباس أنهم أربعة آلاف،

(2/443)


أخرجه الحاكم وصححه.
قوله: (وقيل: عشرة)، أخرجه ابن أبي حاتم، عن أبي صالح، لكن قال: تسعة.
قوله: (وقيل: ثلاثون، وقيل: سبعون)، لم أقف عليهما مسندين، وإنما أخرج ابن جرير من طريق منقطع، عن ابن عباس، أنهم أربعو ألفا، أو ثمانية آلاف.
قوله: (قيل: مر حزقيل)، إلى آخره.
أخرجه ابن جرير، من طريق السدي، عن أبي مالك إلا قوله: فقاموا يقولون: سبحانك، إلى آخره.
(ففائدة القصة تشجيع للمسلمين كافة)، قال: انظروا وتفكروا وقاتلوا في سبيل الله.
قوله: (وهو من وراء الجزاء)، قال الشيخ سعد الدين: أي يسوقه حيث شاء ومتى شاء، وقال الطيبي: هو مثل، يريد أن الله تعالى لابد أن يجازي المتخلف والسابق كما أن سائق الشيء ورائه لابد أن يوصله إلى ما يريده. ومعنى مستفاد من قوله: سميع عليم. وهو كما تقول لمن تهدده: أنا أعلم بحالك، أي لا أنسى وأجازيك عليها.
قوله: (وإقراض مثل)، إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: تشبيها بإعطاء العين ليقضي ويطلب بدله، وهو حقيقة الاقتراض.
قوله: (اقتراضا، يريد أن قرضا واقع موقع المصدر.
قوله: (أو مقرضا) يريد أن قرضا مفعول به، بمعنى المقرض أي قطعة من المال.

(2/444)


قوله: (وقيل: القرض الحسنى بالمجاهدة والاتفاق في سبيل الله)، أخرجه ابن أبي حاتم، عن عمر ابن الخطاب.
قوله: (لا واحد له)، قال أبو حيان: هو اسم جمع ويجمع على أملاء.
قوله: (هو يوشع)، قال ابن عطية: هذا ضعيف، لأن يوشع فتى موسى. وبينه وبين داود قرون كثيرة.
قوله: (تقريرا أو تثبيتا)، قال الشيخ سعد الدين: يعني أن معنى الاستفهام هنا التقرير، بمعنى التثبيت للمتوقع: وإن كان الشائع من التقرير هو الحمل على الإقرار.
قوله: (أي أي غرض لنا في ترك القتال) قال الشيخ سعد الدين: لما كان الشائع في مثل هذا أن يقال: مالنا لا نفعل كذا، ونفعل كذا، على أن الجملة حال، وقد أتى هنا بكلمة أن المصدرية، لكون المعنى على الاستقبال جعله على حذف حرف الجر، ليتعلق بالظرف. أي لنا.
قوله: (ثلاثمائة وثلاثة عشر بعدد أهل بدر)، أخرجه البخاري، عن البراء.
قوله: (روي أن نبيهم) إلى آخره، أخرجه ابن جرير عن السدي.
قوله: (وليس بفاعول) هو القول الثاني فيه، وعلى هذا لا اشتقاق له.
قوله: (لقلته نحو سلس وقلق)، أي ما فاؤه ولامه من جنس واحد، كهذين اللفظين، فلا يقاس عليهما ولا يجعل تابوت، من تبت، بل من

(2/445)


تاب، قاله الطيبي، والشيخ سعد الدين.
قوله: (نحو ثلاثة أذرع في ذراعين) أخرجه ابن المنذر، عن وهب ابن منبه.
قوله: (وقيل: صورة كانت من زبرجد)، أخرجه ابن عساكر من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.
قوله: (وكان لها رأس وذنب، كرأس الهرة وذنبها وجناحان)، أخرجه ابن جرير عن مجاهد.
قوله: (خشب الشمشاد) هو بمعجمتين الأولى مكسورة، خشب يعمل منه الأمشاط.
قوله: (فتئن) من الأنين، و (يزف) من الزفيف، وهو السير السريع. و (الرضاض) الفتات.
قوله: (والآل مقحم لتفخيم شأنها)، قال أبو حيان: إن عنى بالإقحام الزيادة على ما يدل عليه قوله: أو أنفسهما، فلا أدري كيف تفيد زيادته تفحيما، وإن عنى بالأول الشخص، فإنه يطلق على شخص الرجل آله، فليس من الزيادة.
قوله: (وأصله فصل نفسه) أي أصله التعدي، ثم جعل لازما.
قوله: (روي أنه قال لهم) إلى أخره، أخرجه، ابن جرير، عن السدي. والقيظ: شدة الحر.
قوله: (وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا)، هو، للعرجي،

(2/446)


وصدره: فإن شئت حرمت النساء سواكم. والنقاح بضم النون وقاف وخاء معجمة الماء العذب الذي ينقح الفؤاد، أي يبرده، أي يكسر العطش والبرد النوم، ولولا استعمال لم أطعم بمعنى لم أذق لم يصح دخوله على النوم، وقد قالوا: ما ذقت غماضا. قال الطيبي: قال في مخاطبه النساء إرادة لتعظيمهن كما جاء بالجمع الواحد للمذكر. ثم رأيت في الأغاني، إن هذا البيت، من قصيدة للحارث بن خالد بن العاصي بن هشام المخزومي، أحد من قتل على الشرك ببدر، قتله على ابن أبي طالب، يخاطب به ليلى بنت أبي مرة بن عروة ابن مسعود. وأول القصيدة.
لقد أرسلت في السر ليلى تلومني .... وتزعمني ذاملة طرفا جلدا
تعدين ذنبا واحدا ما جنيته .... على ولا أحصى ذنوبكم عدا
فإن شئت حرمت النساء سواكم البيت.
قوله: (استثناء من قوله: فمن شرب) قال أبو حيان: في بعض التصانيف: إنه يجوز كونه من الجملة، قال: ولا وجه له.
قوله: فكرعوا) الكرع تناول الماء بالفم من غير كف، أو إناء، قال الطيبي: وفسر به ليؤذن أنهم بالغوا في مخالفة المأمور حيث لم يغترفوا. قلت: والتفسير بالكرع، أخرجه ابن أبي حاتم، عن ابن

(2/447)


عباس.
قوله: (وقرئ بالرفع حملا على المعنى)، إلى آخره. قال أبو حيان: هذا دليل على أن الزمخشري لم يحفظ الاتباع بعد الموجب حتى احتاج إلى تأويله. والمقرر في العربية أنه يجوز في الموجب وجهان: النصب، وهو الأفصح، والاتباع. قال الشاعر:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
قوله: (وقد اختلف النحاة في إعرابه إذا اتبع)، فقيل: إنه نعت لما قبله، وقيل: عطف بيان.
قوله: (روى أن من اقتصر على الغرفة)، إلى آخره. أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس.
قوله: (وكم تحتمل الخبرية والاستفهامية) ولم يذكر أبو حيان سوى الأول. والأوجه الثاني بقرينة المقام.
قوله: (ومن مبينة)، أي على الخبر.
قوله: (أو مزيدة)، إي على الاستفهام.
قوله: (من فأوت) فالمحذوف لام الكلمة (أو من/ فاء) فالمحذوف العين.
قوله: (وفيه ترتيب بليغ)، إلى آخره. قال الطيبي: فإن قيل: كان الواجب على هذا أن يؤتى بالفاء دون الواو فالجواب ما قال، صاحب

(2/448)


المفتاح: الواو أبلغ، لأن تعويل الترتيب حينئذ إلى ذهن السامع دون اللفظ.
قوله: (قيل: كان إيشا) إلى آخره، أخرجه ابن جرير عن السدي. وايشا والد داود، بكسر الهمزة.
قوله: (إشارة إلى الجماعة المذكور قصصها)، إلى آخره. قال أبو حيان: الأولى: أن يكون إشارة إلى المرسلين. في قوله: (وإنك لمن المرسلين).
قوله. (وهو: موسى)، إلى آخره. من جملة من كلم من الأنبياء أيضا: آدم كما ورد.
قوله: (كليم الله، بمعنى مكالمه) كالجليس بمعنى المجالس والأنيس بمعنى المؤانس، والنديم بمعنى المنادم، وهو كثير.
قوله: (كأنه العلم)، إلى آخره: الشيخ سعد الدين في التعبير عنه باللفظ المبهم تنبيه على أنه من الشهرة بحيث لا يذهب الوهم إلى غيره في هذا المعنى، ألا ترى أن التنكير الذي يشعر بالإبهام كثيراً ما يجعل علما على الإعظام والإقحام، فكيف اللفظ الموضوع لذلك.
قوله: ({وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا} كرره للتأكيد)، قال ابن المنير: وراء التأكيد سر آخر أخص منه، وهو أنه متى طال الكلام أعيد الأول تطرية وتجديداً لعهده. ومنه قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ
تغلب إيقي! إلاً تق متحيرة ؤقتئهر ئطقمين بيئي يقن ؤتيهن من شترن بآتكقير

(2/449)


صَدْرًا}.
قوله: (فوضع الكافرون موضعه تغليظا) أي من حيث شبه فعلهم الذي هو ترك الزكاة بالكفر فهو استعارة تبعية.
قوله:
وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم
وهو من قصيدة لعدي بن رقاع العاملي، وقبله:
وكأنها بين النساء أعارها .... عينيه أحور من جآذر جاسم
وجاسم: قرية بالشام، ووسنان صفة أحور. وأقصده: أصابه. من رماه فأقصده، أي: قتله مكانه، ورنق النعاس خالط عينه، من رنق الطائر، وقف في الهواء صافا جناحيه يريد الوقوع، والبيت: دل على أن السنة النعاس، لا لنوم الخفيف، وقال المفضل: السنة ثقل في الرأس، والنعاس في العين والنوم في القلب.
قوله: (على ترتيب الوجود) زاد الشيخ سعد الدين: على طريقة، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، قصداً إلى الإحاطة والإحصاء.
قوله: (من علمه)، من معلوماته، الراغب: من علمه: على وجهين، أحدهما، ما يعلمه، فيكون العلم مضافا إلى الفاعل. الثاني: أن يعلمه الخلق فيكون مضافا إلى المفعول لينبه على أن معرفته على الحقيقة متعذرة، بل لا سبيل إليها، وإنما غايتها أن تعرف الموجودات ثم تتحقق أنه ليس إياها ولا شيئا منها ولا شبيها بها، بل هو سبب وجود جميعها

(2/450)


وإنه يصح ارتفاع كل ما عداه مع بقائه، ولهذا النظر قال أبو بكر رضي الله عنه: (سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته) وقال بعض الأولياء: غاية معرفة الله أن تعلم أنه يعرفك لا أنك تعرفه.
قوله: (تصوير لعظمته) إلى آخره. الصواب: حمل الكرسي على الحقيقة، كما دلت عليه الأحاديث والآثار.
قوله: (ما السموات السبع)، الحديث أخرجه ابن مردويه: من حديث أبي ذر.
قوله: (ولعله الفلك المشهور بفلك البروج)، هذا من خرافات الفلاسفة التي لا أصل لها، ولا يقوم عليها دليل.
قوله: (أي حفظة السموات والأرض)، قال الشيخ سعد الدين: بين مرجع الضمير، إذ ربما يتوهم أنه جمع فلا يصح مرجعا لضمير التثنية.
قوله: (إن أعظم آية في القرآن آية الكرسي)، هذه الجملة صحيحة أخرجها مسلم، من حديث أبي بن كعب، والطبراني من حديث الأسقع البكري، وابن مردويه، من حديث ابن مسعود، وابن راهوية في مسنده من حديث عوف بن مالك، وأحمد والحاكم من حديث

(2/451)


أبي ذر.
قوله: (من قرأها بعث الله ملكا يكتب من حسناته، ويمحو من سيئاته إلى الغد من تلك الساعة)، لا أصل له.
قوله: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت)، أخرجه بهذا اللفظ إلى هنا النسائي، وابن حبان، والدارقطني، من حديث أبي أمامة، والبيهقي في شعب الإيمان، من حديث الصلصال بن الدلهمس، ومن حديث علي ابن أبي طالب. قال الشيخ سعد الدين: لم يبق من شرائط دخول الجنة إلا الموت وكان الموت يمنع، ويقول: لابد من حضوري أو لا يدخل الجنة.
قوله: (ولا يواظب عليها إلا صديق، أو عابد)، هذه الجملة من حديث أخرجه البيهقي في الشعب، من حديث أنس مرفوعا. (من قرأ

(2/452)


أية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة حفظ إلى الصلاة الأخرى، ولا يحافظ عليها إلا نبي أو صديق أو شهيد.
قوله: (ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره وداره وجار جاره والأبيات حوله)، هو في حديث على المشار إليه، بعد قوله: إلا الموت، ومن قرأها حين يأخذ مضجعه أمنه الله على داره، ودار جاره، وأهل دويرات حوله.
قوله: (لما روى أن أنصاريا)، إلى آخره. أخرجه ابن إسحاق وابن جرير، عن ابن عباس. وسمى الأنصاري: الحصين من بني سالم بن عوف.
قوله: (قلب عينه ولامه) إذ اصله: طغوت، جعلت اللام مكان العين، والعين مكان اللام فصار: طوغوت: تحركت اللام وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فصار طاغوت، وذهب بعضهم إلى أن التاء بدل من لام الكلمة، ووزنه فاعول، وقيل: هو مصدر كرهبوط، وحبروت.
قوله: ((طلب الإمساك من نفسه) على أن استفعل للطلب على بابه، والأوجه أنه بمعنى تمسك، وهي استعارة. في الكشاف: تمثيلية. قال الشيخ سعد الدين: شبه التدين بالدين الحق والثبات، على الهدى والإيمان بالتمسك بالعروة الوثقى، المأخوذة من الحبل المحكم المأمون قطعها ثم ذكر المشبه به وأراد المشبه.
قوله: (يقال: فصمته فانفصم إذا كسرته)، يشير إلى أنها بالفاء

(2/453)


كسر بلا بينونة، وبالقاف قطع ببينونة.
قوله: (والجملة خبر) إلى آخره، رجح أبو حيان في الجملتين الاستئناف المفسر، وعلى الحالية، العامل في الأولى ولي ومن الثانية يعني الطاغوت، أو حال من المستكن في الخبر، أو من الموصول، أو منهما.
رفع إلي سؤال في هذا المحل صورته بين لنا كيف صيغة الحال على كل فأجبت بما نصه: من القواعد المقررة في العربية إن صاحب الحال والحال يشبهان المبتدأ والخبر فكذلك الشبه يجوز أن يكون صاحب الحال واحدا ويتعدد حاله، كما يكون المبتدأ واحدا والخبر متعدداً ويجوز أن يكون صاحب الحال متعددا والحال متعدداً أو متحدا، ويشترط وجود الرابط لكل من الصاحبين، كما يشترط وجود الرابط لكل من المبتدأين، ومن القواعد المشهورة حتى في الألفية، إن الحال يأتي من المضاف إليه إذا كان المضاف عاملا، كما قال:
ولا تجز حالا من المضاف له .... إلا إذا اقتضى المضاف عمله
إذا تقرر ذلك، فالوجه الأول، وهو أنها حال من الضمير المستكن في ولى، هو الأوضح، وهو الذي رجحه أبو حيان، في البحر، فإن صيغة ولى صفة مشبهة، وفيه ضمير الفاعل، والحال يأتي من الفاعل كثيرا، وتقدير الكلام: الله ولي الذين آمنوا حال إخراجه إياهم من الظلمات إلى النور، أو حال كونه مخرجا لهم، أي تولاهم حيث أخرجهم، والحال قيد في العامل، فجملة الإخراج حال مبينة لهيئة التولي، وضمير يخرج المستتر فيه هو الرابط لجملة الحال لصاحبها، وإنما جعل من ضمير ولي لا من نفس ولى، لأنه واقع خبراً عن المبتدأ، والقاعدة أن الحال لا تأتي من الخبر، بل الفاعل أو المفعول، أو ما كان في معناهما، وهو المضاف إليه بشرطه، والمبتدأ على رأي، وأما الخبر فلا يأتي منه الحال، فكذلك عدل إلى الضمير

(2/454)


الذي هو فاعل، والوجه الثاني، وهو إنها حال من الموصول واضح أيضا، لأنه مجرور بإضافة الصفة المشبهة إليه فهو من قاعدة ما كان المضاف عاملا فيه فهو في معنى المفعول، ولهذا لو جئت بدل الصفة المشبهة بالفعل ظهرت المفعولية، وتقدير الكلام الله ولي المؤمنين حال كونهم مخرجين بهدايته من الظلمات، فإذا قدرت الحال من ضمير ولي كانت في تقدير مخرجا بالكسر، اسم فاعل، وإذا قدرتها من الذين، الذي هو في معنى المفعول، كانت في تقدير مخرجين بالفتح اسم مفعول، والوجه الثالث واضح أيضا، وهو أنها حال منها معا، فإن فيها رابطين، رابط بالأول، وهو ضمير يخرج المستتر الذي هو فاعل، ورابط بالثاني، وهو ضمير الذين آمنوا الذي هو مفعول يخرج، وهو وهم، وتقدير الكلام، على هذا، الله ولي المؤمنين حال كونه مخرجا لهم بالهداية وحال كونهم مخرجين بالاهتداء، وفي ذلك ملاحظة أخرى لقاعدة أصولية، وهو استعمال المشترك في معنييه.
قوله: (وقيل: نزلت في قوم ارتدوا عن الإسلام)، الوارد خلاف القولين. أخرج ابن المنذر، والطبراني في الكبير، عن ابن عباس، أنها نزلت في قوم آمنوا بعيسى، فلما بعث محمد كفروا به.
قوله: (لأن أتاه الله)، إلى آخره، قال الشيخ سعد الدين: شبه استعقاب الإيتاء المحاجة باستعقاب العلة المعلول، كما دخلت اللام في قوله: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ} الآية على ما ليس بغرض تشبيها لها بما هو غرض، فهنا شبه بالعلة والسببية وثمة بالمعلولية والغرضية.
قوله: (أو وقت أن أتاه)، قال أبو حيان: أن أريد بذلك أنه على حذف مضاف ممكن على أن فيه بعدا من جهة أن المحاجة لم تقع وقت الإيتاء، لأن الإيتاء سابق على المحاجة، وإن أريد أن أن والفعل وقعت موقع المصدر الواقع موقع ظرف الزمان، كقولك: جئت خفوق النجم، ومقدم الحاج، وصياح الديك، فلا يجوز ذلك لأن النحاة مضوا على أنه

(2/455)


لا يقوم مقام ظرف الزمان إلا المصدر المصرح بلفظه، فلا يجوز جئت أن صاح الديك، ولا أجيء: أن يصيح الديك، قال الحلبي: كذا قال الشيخ. وفيه نظر، لأنه قال: لا ينوب عن الظرف إلا المصدر المصرح، وهذا معارض بأنهم نصوا على أن ما المصدرية تنوب عن الزمان، وليست بمصدر صريح. (وقال ابن هشام في المغني: ولا يشارك ما في النيابة عن الزمان أن، خلافا لابن جني، وتبعه الزمخشري، ومعنى التعليل ممكن وهو متفق عليه، فلا معدل عنه.
قوله: (أو بدل من آتاه الله) على الوجه الثاني. قال أبو حيان: قد تبين ضعفه، وقال أيضا: فالظرفان مختلفان، إذ وقت الملك ليس وقت قوله: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ}، قال السفاقسي: وفيه نظر، لأنا قد بينا أولا أنه يجوز بأتاه ولم يرد به ابتداءه، بل زمان الملك، فكان الزمان الذي قال فيه إبراهيم يشمل على زمان الملك. وقال أبو البقاء: ذكر بعضهم أنه بدل من أن أتاه. وليس بشيء، لأن الظرف غير المصدر، فلو كان بدلاً لكان غلطا، إلا أن تجعل إذ بمعنى أن المصدرية، وقد جاء ذلك. قال الحلبي: وهذا بناء منه على أن أن مفعول من أجله وليست واقعة موقع الظرف، أما إذا كان أن واقعة موقع الظرف، فلا يكون بدل غلط، بل بدل كل من كل كما هو قول الزمخشري، وفيه ما تقدم بجوابه، مع أنه يجوز أن يكون بدلا من أن آتاه، وأن آتاه مصدر مفعول من أجله بدل اشتمال، لأن وقت القول لا تساعد مشتمل عليه وعلى غيره. قال الشيخ سعد الدين: على الوجهين يشكل موقع، (قال أنا أحي وأميت)، إلا أن يجعل استئنافا لجواب سؤال.

(2/456)


قوله: (وقراءة حمزه، رب، بحذف الياء).
قوله: (وهو في الحقيقة: عدول عن مثال خفي إلى مثال جلي)، يعني الانتقال من حجة إلى أخرى، كما مشى عليه في الكشاف، قال الإمام: للناس في هذا المقام طريقان، أحدهما: قول أكثر المفسرين، إن إبراهيم لما سمع تلك الشبهة من نمرور عدل عن ذلك إلى دليل أوضح منه.
وقالوا: إن الانتقال من دليل إلى آخر أوضح منه، جائز للمستدل، والثاني: إنه ليس انتقالا من دليل إلى آخر، وإنما هو من باب ما يكون الدليل واحدا لا أن يكون الانتقال لإيضاحه من مثال إلى مثال آخر، وإلا فالحجة الأولى قد تمت ولزمت، وما عارض به نمرود أمر باطل، وإذا كان كذلك، كان اللعين منقطعا، إلا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما خاف الاشتباه والتلبيس على القوم دفع ذلك بمثال أوضح منه، وعلى الطريقة الأولى، قال الشيخ سعد الدين: فإن قيل: ما كان ينبغي/ للنبي أن ينتقل بل كان عليه إزاحة الشبهة دفعا لوهم الإقحام، قلنا: إنما يكون ذلك إذا كان للشبهة قوة التباس على السامعين وأما في الشبهة الواهية فيحسن الإعراض عنها وعدم الالتفات، سيما مع المجادل الأحمق الخارج عن دائرة التوجيه، فإن الأليق بحاله الانتقال إلى دليل آخر لا يجد معه مجال الجواب أصلا ليلزم انقطاعه مع أول الأمر.
قوله: (تقديره: أو رأيت مثل الذي) إلى آخره، حاصله ثلاثة أوجه في تصحيح العطف، وقد استحسن أبو حيان الوجه الأول، لأن إضمار الفعل لدلالة المعنى عليه أسهل من العطف على المعنى، فإنهم نصوا على أنه لا ينقاس به، قال: ويحتمل أن لا يكون ذلك على حذف فعل ولا على العطف على المعنى، ولا على زيادة الكاف بل تكون الكاف إسما على ما يذهب إليه أبو الحسن، فتكون في موضع جر عطفا على الذي، والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، أو إلى مثل الذي مر، ومجيء الكاف اسما، فاعلة ومبتدأة ومجرورة ثابت، في لسان العرب، وتأويلها بعيد، فالأولى الحمل على هذا الوجه وإنما عرض لهم الإشكال

(2/457)


من حيث اعتقاد حرفية الكاف. انتهى، وقال الشيخ سعد الدين: تقرير المقام أن كلا من لفظة: (ألم تر ورأيت) تستعمل لقصد التعجب إلا أن الأولى تعلق بالمتعجب منه، فيقال ألم تر إلى الذي صنع كذا بمعنى أنظر إليه فتعجب من حاله، والثانية تمثل التعجب منه، فيقال: أرأيت بمثل الذي صنع كذا، بمعنى أنه من الغرابة بحيث لا يرى له مثل، ولا يصح ألم تر إلى مثله أن يكون المعنى أنظر إلى المثل وتعجب من الذي صنع، فلذا لم يستقم عطف كالذي مر على الذي حاج، واحتيج إلى التأويل في المعطوف، بجعله متعلقا بمحذوف، أي أرأيت كالذي مر ليكون من عطف الجملة، أو المعطوف عليه: نظرا إلى أنه في معنى أرأيت كالذي حاج ليصح العطف عليه فظهر أن عدم الاستقامة ليس بمجرد امتناع دخول كلمة إلى على الكاف اسمية كانت أو حرفية، حتى لو قلت: ألم تر إلى الذي حاج أو مثل الذي مر، فعدم الاستقامة بحاله عند من له معرفة بأساليب الكلام، وأن هذا ليس من زيادة الكاف في شيء، بل لابد في التعجب بكلمة أرأيت من أثبات الكاف أو ما في معناه، يقولون: أرأيت كزيد أو مثل زيد، وهو شائع في سائر اللغات، نعم. لو قيل: أرأيت زيداً كيف صنع قصداً إلى التعجب بكلمة كيف أو قرينة أخرى، فذلك باب آخر.
قوله: (وهو عزير)، أخرجه الحاكم، عن علي، وإسحاق ابن بشير، عن عبد الله بن سلام، وابن عباس، وقال: ابن سروخا.
قوله: (ويؤيده نظمه مع نمرود)، قال الطيبي: هو معارض بما بين قصته وقصة إبراهيم من التناسب المعنوي، فإن كليهما طلبا معاينة الأحياء. وقال الشيخ سعد الدين: المراد بنظمهما في سلك أنه سيق الكلام للتعجب من حالهما وكلمة الاستبعاد. في مثل هذا المقام تشعر

(2/458)


بالإنكار ظاهرا، وما يقال أنه قد انتظم مع إبراهيم أيضا غير مستقيم، وإنما ذلك مجرد مقارنة في الذكر، إذ لم يذكر على الوجه الذي ذكر إبراهيم وهو معنى الانتظام في السلك، نعم، لو قيل: الانتظام في سلك يدل على كونه مؤمنا ليكون الإتيان توضيحا وتمثيلا وتفصيلا لما سبق من الاخراج من الظلمات إلى النور وبالعكس لكان شيئا.
قوله: (والقرية بيت المقدس)، قال الشيخ سعد الدين: يعني ليس المراد بها أهل القرية، بل نفسها بدليل قوله: {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا}، وأما قوله: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} فلا خفاء في أن المراد به أهل القرية.
قوله: (وساغ أن يكلمه الله) إلى أخره، رده الطيبي والشيخ سعد الدين، بأن الإيمان إنما حصل بعد تبين الأمر والكلام قبله. وقال أبو حيان: لا نص في الآية، على أن الله كلمه شفاها.
قوله: (وقيل: إنه مات ضحى)، إلى آخره. أخرجه، سعيد بن منصور، عن الحسن وابن أبي حاتم، عن قتادة، لقوله: ليقضي البازي، من قول العجاج:
تقضي البازي إذا البازي كسر
أوله: أين خريان تقضي فانكدر
الجوهري: أنقض الطائر: هوى في طيرانه، ومنه انقضاض الكواكب ولم يستعملوا منه تفعل إلا مبدلا، قالوا: تقضي، فاثتثقلوا ثلاث

(2/459)


ضادات: فأبدلوا من أحداهن ياء وكسر الطائر: ضم جناحه حتى ينقض. والخربان: بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء جمع الخرب بفتحهما، وهو ذكر الحباري، وانكدر: أسرع وانقض.
قوله: (روى أنه أتى قومه على حماره)، إلى أخره. ابن عساكر، عن ابن عباس.
قوله: (أو الأموات الذين تعجبت من إحيائهم)، قال أبو حيان: هذا فيه بعد، لأنهم لم يحيوا له في الدنيا.
قوله: (وكيف منصوب بنشر)، زاد أبو حيان: (هذا فيه بعد)، نصب الأحوال وذو الحال مفعول ننشزها.
قوله: (والجملة حال من العظام)، أي: انظروا إليها محياه، قال أبو حيان: هذا ليس بشيء، لأن الجملة الاستفهامية لا تقع حالاً، وإنما تقع حالا كيف وحدها نحو كيف ضربت زيداً، والذي يقتضيه النظر أن هذه الجملة بدل من العظام، وموضعه نصب، لأنه مفعول انظر.
قوله: (فاعل تبين مضمر) إلى آخره، قال أبو حيان: جعله من باب التنازع، وليس منه، لأنهم نصوا على أن شرطه اشتراك العاملين، وأدى ذلك بحرف العطف حتى لا يكون الفصل معتبرا، وليس العامل الثاني هنا مشتركا بينه وبين تبين الذي هو العامل الأول بحرف عطف ولا بغيره ولا هو معمول لتبين، بل هو معمول لقال الذي هو جواب، (لما) قال: ثم إن قوله: فحذف الأول لدلالة الثاني عليه مناقض لقوله: إنه مضمر يفسره ما بعده، لأن الحذف ينافي الاضمار. انتهى. وقال السفاقسي: قوله:

(2/460)


لأنهم نصوا، لم أر ذلك إلا لابن عصفور، وخالفه غيره. فأجاز الفارسي في (فهيهات هيهات العقيق وأهله) أن يكون من باب الإعمال، فقال: العقيق ارتفع بهيهات الثانية وأضمرت في الأولى. وأجاز ابن أبي الربيع في قام زيد أن يكون من باب الإعمال والاشتراك، وقد جعلوا من باب الإعمال. قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} ومسألتنا أولى، لأن العامل الثاني معمول لقال، وقال مرتبط بالأول بلما، وهذا كان في الاشتراك. قال: وقوله: إنه مناقض لأن الحذف ينافي الإضمار، ممنوع لا مكان أن يكون تجوز بالحذف وأراد به الإضمار، لأن الضمير المقدر محذوف في اللفظ. وأجاب الشيخ سعد الدين، عن هذا الأخير بأن المعنى بحذف الأول اسقط من اللفظ وجعل موضعه الضمير، وذكر الإمام أيضا أن جعله من التنازع تعسف، وأن القوى تبين له قدرة الله في الإمانة والإحياء.
قوله: (تبين له ما أشكل عليه)، قال أبو حيان: هذا تفسير معنى، لا تفسير إعراب، وتفسير الإعراب أن يقدر مضمرا يعود على كيفية الأحياء التي استغربها يعد الموت.
قوله: (قيل: طاووسا، وديكا وغرابا وحمامة)، أخرجه، ابن أبي حاتم، على ابن عباس وذكر بدل الغراب الغرنوق.
قوله: (أو جمع)، قال أبو حيان: الصحيح أنه اسم جمع، كركب وسفر، لا جمع، خلافا لأبي الحسن.

(2/461)


قوله: (ولكن أطراف الرماح تصورها).
أوله: وما صيد الأعناق منهم جبله.
الصيد: بالتحريك الميل والاعوجاج، يعني أمالة الأعناق إنما هي من الرماح والصور الميل.
قوله:
وفرع يصير الجيد وحف كأنه .... على الليث قنوان الكروم الدوالح
هو لبعض بني سليم، والفرع: الشعر التام، والوحف بحاء مهملة وفاء: الشعر الكثير الأسود، والليث بكسر اللام، أخره مثناة فوقية صفحة العنق، وقنوان، جمع قنو وهو العنقود، والدوالح، بحاء مهملة المثقلات الحمل.
قوله: (قيل: كانت أربعة) أخرجه ابن جرير، من طريق ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم ن عن أهل الكتاب.
قوله: (وقيل: سبعة)، أخرجه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس.
قوله: (قال لهن: تعالين بإذن الله)، قال الشيخ سعد الدين: إما أن يتعلق بقل، فلا فائدة، أو بتعالين فلا وجه لتفسير ادعهن بذلك.
قوله: (روي أنه أمر بأن يذبحها)، إلى آخره، أخرجه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس.
قوله: (نزلت في عثمان)، لم أقف عليه.

(2/462)


قوله: ((والمن أن يعتد) من عده فاعتد أي صار معدوداً، ثم تعدى بالباء، فيقال: اعتد به، أي جعله معدوداً معتبرا على المنعم عليه.
قوله: (وثم للتفاوت)، قال ابن المنير، وتبعه الطيبي، عندي: فيه وجه آخر، وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف به وارخائه الطول في استصحابه، فلا يخرج بذلك عن الإشعار بتقييد الزمن ومعناه في الأصل تراخي زمن وقوع الفعل، ومعناه المستعار دوام وجود الفعل وتراخي زمن بقاءه، ومثله (ثم استقاموا) أي داموا على الاستقامة دواما متراخيا، وكذا هنا، أي يدومون، على الإحسان، وترك الامتنان، وقريب منه أو مثله أن السين تصحب الفعل لتنفيس زمان وقوعه، نحو: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} وقد قال: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} فليس لتأخير الهداية سبيل، فتعين حمله على تنفيس دوام الهداية وتمادي أمرها.
قوله: (لعله لم يدخل الفاء)، إلى آخره. قال الطيبي: تحقيقه، أن في تضمن معنى الشرط تعليقا للكلام، وفي زواله عن ذلك تحقيق للخبر، وإنما بنيت الجملة على التحقيق، لأنها واردة في الحث على الانفاق في سبيل الله لرفع منار المسلمين وإشادة الدين القويم.
قوله: (وإنما صح الابتداء بالنكرة لاختصاصها بالصفة)، هذا

(2/463)


في قول خاصة، وأما المعطوف عليه فلا يحتج إلى مخصص كما هو معلوم.
قوله: (وإن الذي حانت بفلج دمائهم)، هو للأشهب بن زميله، النهشلي، شاعر اسلامي، من طبقة الفرزدق، وقيل: لحريث بن مخفض، وتمامه:
هم القوم كل القوم يا أم خالد.
حانت: هلكت، وفلج: بفتح الفاء وسكون اللام وجيم، موضع في طريق البصرة، ودمائهم، نفوسهم، ويروى: (وإن الأولى) بدل، (وإن الذي).
قوله: (ضعفين)، قال أبو حيان: يحتمل عندي أن التثنية فيه للتكثير، لا شفع الواحد، أي ضعفا بعد ضعف أي أضعافا كثيرة، لأن النفقة لا تضاعف بحسنتين فقط، بل بعشر وسبعمائة وأزيد.
قوله: (أو للعطف، حملا على المعنى) قال الشيخ سعد الدين: الاعتراض بأن ليس المعنى على دخول إصابة الكبر في حيز التمني ليس بشيء، لأنه داخل في حيز التمني المنكر المنفي، أي لا يود أحدكم ولا يتمناه، وكذا، فأصابها إعصار، فإنه عطف على فأصابه، حتى أن تمنى حصول الجنة الموصوفة أيضا منكر منفي باعتبار هذين العطفين، والحاصل، أن الكلام إنكار واستبعاد لتمني هذا المجموع.
قوله: (فحذف المضاف لتقدم ذكره)، زاد الطيبي، والشيخ سعد

(2/464)


الدين، وكرر، من، دلالة على استقلال كل من الاتفاقين.
قوله: (حال مقدرة)، لأن الانفاق منه يقع بعد القصد إليه.
قوله: (أي وحالكم أنكم لا تأخذونه)، جعل الجملة حالية. وقيل: إنها مستأنفة.
قوله: (وعن ابن عباس) إلى أخره. أخرجه ابن أبي حاتم.
قوله: (والوعد في الأصل شائع في الخير والشر)، قال الفراء: يقال: وعدته خيرا ووعدته شرا. فإذا اسقطوا الخير والشر، قالوا في الخير الوعد والعدة وفي الشر الايعاد والوعيد.
قوله: (وبه قال الشيخ سعد الدين)، يعني أن يأمركم استعارة تبعية.
قوله: (والعرب تسمي البخيل فاحشا)، قال بعض الطائين:
قد أخذ المجد كما أراد .... ليس بفحاش يصر الزادا
وقال طرفه:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى .... عقيلة مال الفاحش المتشدد
قوله: (أي ومن يؤته الله)، قال أبو حيان: إن أراد تفسير المعنى فصحيح، أو الأعراب فلا، إذ ليس في يؤت ضمر نصب على الحذف بل من مفعول مقدم لفعل الشرط، كما تقول: أيا تعط درهما أعطه درهما، قال الحلبي: يؤيد تقدير الزمخشري قراءة الأعمش: ومن يؤته الحكمة بإثبات هاء الضمير، ومن قراته مبتدأ لاشتغال الفعل بمعموله، وعند من

(2/465)


يجوز الاشتغال في أسماء الشروط والاستفهام يجوز في من النصب بإضمار فعل، ويقدره متأخرا، والرفع على الابتداء.
قوله: (أي أي خير كثير)، يريد أن التنكير يفيد التعظيم، كما أن الوصف أفاد التكثير.
قوله: (فيجازيكم عليه)، يعني أن إثبات العلم كناية عن الجزاء، وإلا فهو معمول.
قوله (إبداءها)، يعني إنما هي هو المخصوص لكن على حذف المضاف ليحسن ارتباط الجزاء بالشرط، ويدل على هذا تذكير الضمير في (فهو خير لكم) أي إخفاؤها.
قوله: (/وعن ابن عباس صدقة السر)، إلى آخره، أخرجه ابن أبي حاتم.
قوله: (وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ويعقوب بالنون مرفوعا على أنه جملة فعلية مبتدأة أو اسمية معطوفة على ما بعد الفاء، أي ونحن نكفر، وقرأ نافع، وحمزة والكسائي به مجزوما على محل إلقاء وما بعده)، ورد سؤال من الإسكندرية، من القاضي بدر الدين الدماميني على هذا المحل من الكشاف صورته، استشكل هذا الفعل من وجهين أحدهما: أن ما بعد الفاء جملة لا محل لها من الإعراب لارفعا ولا نصبا ولا جرا، وهو واضح، ولا جزما، لأن الفاء الرابطة للجواب مانعة من جزم ما بعدها لو كان مما يقبل الجزم فكذا ما يقع موقعه، فكيف تقول: عطفا على محل ما بعد الفاء، والغرض ألا محل له.
وثانيهما: أن قوله: ومحزوما عطفا على محل الفاء وما بعده، لأنه جواب الشرط صريح في أن الفاء وما دخلت عليه في محل جزم وكذا قال غيره، لكنه مشكل لما تقرر من أن الجملة لا تكون ذات محل

(2/466)


من الاعراب إلا إذا كانت واقعة موقع المفرد وليس هذا من محال المفرد حتى تكون الجملة واقعة موقع ذات محل من الاعراب، وذلك لأن جواب الشرط إنما يكون جملة ولا يصح أن يكون مفرداً، فالموضع للجملة بالأصالة وأما جزم الفعل فليس بالعطف على محل الجملة، وإنما لكونه مضارعا وقع صدر الجملة معطوفة على جملة جواب الشرط الجازم، وهي لو صدرت بمضارع كان مجزوما فأعطيت الجملة المعطوفة حكم الجملة المعطوف عليها، وهو جزم صدرها، إذا كان فعلا مضارعا. انتهى.
قوله: (على ما بعد الفاء)، لأن محل ما بعدها وحده مرفوع، إذ لا أثر للعامل فيه ومحلها معه مجزوم.
قوله: (اللهم اجعل لمنفق خلفا ولممسك تلفا)، أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة.
قوله. (روى أو ناسا من المسلمين)، الحديث، أخرجه النسائي والحاكم، عن ابن عباس، نحوه.
قوله: (وقيل: وهم أهل الصفة)، أخرجه ابن المنذر، عن ابن عباس.
قوله: (كانوا نحوا من أربعمائة)، إلى آخره.
قوله: (على لاحب يهتدي بمناره)، قيل: لو صدر بيت وتمامه:
إذا سافه العود الديا في جرجرا.

(2/467)


وقيل عجز بيت صدره: سرى بيديه ثم أج يسيرة.
سرى بيديه: مدهما في البر. أج للظليم: عدا، واللاحب الطريق الواسع، وسافه: بسين مهملة وفاء: شمه. والعود: بفتح العين والدال المهملتين: الجمل المسن الذي جاوز السن الباذل والمخلف، وجمعه: عودة والديافي: بالدال المهملة وتحتية وفاء: الضخم الجليل. والجرجره: صوت يردد البعير في حنجرته. ومعنى الشرط، على لا حب لامنارله فيهتدي به، كذا في حواشي الكشاف، قلت: وجدت البيت في ديوان امرئ القيس، من قصيدته التي أولها:
سما بك شوق بعدما كان أقصرا .... وحلت سليمى بطن قو فعرعرا
إلى أن قال:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه .... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبك عيناك إنما .... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
وإني زعيم إن رجعت مملكا .... بسير ترى منه الفرائق أزورا
على لا حب لا يهتدى بمناره .... إذا سافه العود النباطي جرجرا
قال شارح ديوانه: النباطي: منسوب إلى النبط، وفي الصحاح: ديافي موضع بالجزيرة، وهو نبيط الشام.

(2/468)


قوله: (ونصبه على المصدر، فإنه كنوع من السؤال) جعله مصدراً ليسألون، وقال أبو حيان: هو مصدر لفعل محذوف دل عليه يسألون، أي لا يلحقون.
(نزلت في أبي بكر)، لم يقف عليه.
قوله: (تصدق بأربعين ألف دينار)، أخرجه ابن عساكر في تاريخه على عائشة.
قوله: (وقيل: في علي)، إلى آخره، أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس.
قوله: (وقيل في ربط الخيل)، إلي أخره. أخرجه الطبراني وابن أبي حاتم من حديث عريب المليكي مرفوعا، قال الشيخ سعد الدين: كون هذا السبب لا يقتضي خصوص الحكم، بل العبرة بعموم اللفظ.
قوله: (وإنما كتب بالواو كالصلاة للتفخيم) المراد به إمالة الألف إلى مخرج الواو وقيل: لأن لغة الحيرة الربو بالواو الساكنة وهي قراءة العدوى، وكتبوها على لفظهم بها، وإنما كتبها أهل الحجاز كذلك، لأنهم

(2/469)


يعلمون الخط من أهل الحيرة.
قوله: (وهو وارد على ما يزعمون)، إلى آخره، فيه قول إنه على حقيقته، وإن الشيطان يصرع الإنسان حقيقة والأحاديث دالة له.
قوله: (وهو متعلق بلا يقومون) رده أبو حيان، بأن ما بعد إلا لا يتعلق بما قبلها إلا إن كان في حيز الاستثناء، وهذا ليس في حيز الاستثناء وكذلك منعوا تعلق (بالبيان والزبر) بقوله: ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا).
قوله: (ولكن عكس للمبالغة)، قال الطيبى: هذا يسميه ابن الأثير بالطرد والعكس لأن حق المشبه به أن يكون أعرف بجهة التشبيه وأقوى، فإذا عكس صار المشبه أقوى من المشبه به، وهو معنى قوله: كأنهم جعلوا الربا أصلا وقاسوا عليه البيع.
قوله: (إن الله يقبل الصدقة فيربيها) الحديث أخرجه الشيخان والترمذي من حديث أبي هريرة.
قوله: (ما نقصت زكاة من مال قط)، أخرجه أحمد، من حديث عبد الرحمن بن عوف، بلفظ: ما نقص مال من صدقة.

(2/470)


قوله: (روى أنه كان لثقيف، إلى قوله: فنزلت)، أخرجه أبو يعلى، عن ابن عباس.
قوله: (روى أنها لما نزلت)، إلى آخره، هو من تتمة الحديث قبله، قال في النهاية: مالي بهذا الأمر ولا يدان أي لا طاقة لي به، لأن المباشرة والدفاع إنما يكون باليدين، فكأن يديه معدمتان، لعجزه عن دفعه، ولا يدي لنا من قبيل لا أبا له بإقحام اللام لتأكيد الإضافة، وعند ابن الحاجب بحذف النون تشبيها بالمضاف.
قوله: (وقرأ نافع وحمزة بضم السين)، لم يقرأ به سوى نافع وحده، وقرأ حمزة بالفتح كالباقين.
قوله: (وأخلفوك وعد الأمر الذي وعدوا)، أوله: جد الخليط غداة البين وانجردوا.
والخليط المخالط، وانجرد بنا السير: امتد من غير لي على شيء. فمعناه: أسرعوا. وعدى الأمر: أصله، عدة الأمر فحذفت التاء للإضافة.
قوله: (وقيل: المراد التصدق الإنظار)، رده الإمام بأن الأنظار قد علم مما قبل، فلا بد من حمله على فائدة جديدة.
قوله: (لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة) أخرجه أحمد، من حديث عمران ابن حصين، نحوه. قال الشيخ سعد الدين: فيؤخره مرفوع عطفا على يحل، والنفي على المجموع، يعني لا يكون حلول يعقبه تأخير، وإلا كان استثناء مفرغ في موقع الصفة،

(2/471)


لرجل أو الحال، والمعنى كلما كان هذا كان ذاك، وقد يقال: هو نصب بتقدير أن، أو رفع بحذف المبتدأ، أي فهو يؤخره، وليس بذاك.
قوله: (وعن ابن عباس، أنها أخر آية نزل بها جبريل)، أخرجه النسائي، وابن مردويه.
قوله: (وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة)، أخرجه الثعلبي، من طريق السدى الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.
قوله: (وعاش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدها إحدى وعشرين يوما).
قوله: (وقيل: احدى وثمانين)، أخرجه الفريابي، عن ابن عباس.
قوله: (وقيل: سبعة أيام)، أخرجه ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير.
قوله: (وقيل: ثلاث ساعات).
قوله: (ويكون مرجع ضمير فاكتبوه)، زاد في الكشاف، وإلا لكان يقال: فاكتبوا الدين فلم يكن بذلك النظام الحسن، قال الشيخ سعد الدين: وانتقاء الحسن حينئذ أمر ذوقي يعترف به العارف بأساليب الكلام، وينبه عليه أنك لو قلت: إذا تداينتم إلى أجل مسمى فاكتبوا الدين كان أمرا بكتبه مالم يذكر في مضمون الشرط وتركا لما ذكر، فإن قيل: فليقل فاكتبوه: أي الدين لدلالة تداينتم عليه، قلنا: لا يعلم عود الضمير إليه لأن عوده إلى التداين الذي هو المصدر أو إلى أجل أظهر على أنه يوهم بكتابة ما هو باطل في نفسه، أعني التداين بمعنى معاملة الدين ومقابلته به. انتهى.
قوله: (وعن ابن عباس أن المراد السلم)، أخرجه البخاري.

(2/472)


قوله: (وقال لما حرم الله الربا أباح السلم)، أخرجه الثعلبي.
قوله: (من يكتب بالسوية)، يشير إلى أن بالعدل، متعلق بكاتب، لا بالفعل لأن القصد هنا إلى بيان حال الكاتب أنه كيف ينبغي أن يكون، ولأن ذكر فاعل الفعل بلفظ اسم فاعله نكرة قليل الجدوى، بخلاف ما إذا قيد، وهذا معنى قوله: وهو في الحقيقة أمر المتداينين باختيار كاتب مع أن ظاهره أمر للكاتب.
قوله: (ففيه) قال الطيبي: يشير إلى أن الكلام مسوق لمعنى ومدمج فيه معنى آخر، يعني دل إشارة النص، وتقييد الكاتب بالعدل على إدماج معنى الفقاهة، لأن مراعاة العدل والتسوية بين الأمور الخطيرة لا يتمكن منها إلا الفقيه الكامل.
قوله: (مثل ما علمه) إلى آخره، قال الشيخ سعد الدين: يشعر بأن ما مصدرية أو كافة، ومفعول علم محذوف، أي يكتب على الوجه الذي علمه الله، ولم يظهر من كلامه أن الكاف في موقع المفعول المطلق، أو به، وإنه هل يتفاوت العامل إذا جعل الكلام من قبيل أحسن كما أحسن الله إليك، وأنه من أين يتأتى حديث النفع.
قوله: (ويجوز أن تتعلق الكاف بالأمر)، قال أبو حيان: هو قلق لأجل الفاء، وقال الشيخ سعد الدين: هو من قبيل {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}، و {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} بإعمال ما بعد الفاء فيما قبلها.
قوله: (فيكون النهي)، إلى آخره، يعني لا يكون على هذا تأكيداً، لأن النهي عن امتناع مطلق الكتابة لا يدل على الأمر بالكتابة المخصوصة.

(2/473)


قوله: (والإملال والإملاء واحد)، الأول لغة الحجاز، والثاني لغة تميم.
قوله: (أو غير مستطيع) قال الشيخ سعد الدين، يشير إلى أن (لا يستطيع) جملة معطوفة على مفرد، وهو خبر كان.
قوله: (واطلبوا)، يشير إلى أن استشهدوا للطلب على بابه، قال أبو حيان: ويحتمل أن يكون بمعنى افعل أي واشهدوا كاستيقن بمعنى أيقن، واستعجل بمعنى أعجل.
قوله: (فاليشهد) قال الشيخ سعد الدين: الأنسب أن يقدر فالشهيدان رجل وامرأتان، أي فليستشهد، أو فاليشهد إذ المأمور هم المخاطبون، لا الشهداء، وقدر أبو حيان: فالشاهد، وقدر بعضهم فليكن، وهو مناسب لقوله: فإن لم يكونا.
قوله: (وكأنه قيل: إرادة أن يذكر) إلى آخره. قيل: النكتة في إشارة أو تضل فتذكر على أن تذكر إن ضلت هي شدة الاهتمام بشأن الإنكار بحيث صار ما هو مكروه في نفسه مطلوبا لأجله، ومن حيث كونه مفضيا إليه.
قوله: (وسموا شهداء) أي أطلق عليهم لفظ الشهداء على هذا الوجه، وهو ما إذا دعوا ليشهدوا بطريق المشارفة.
قوله: (كنى بالسآمة عن الكسل) يعني أن السآمة والملالة إنما تكون بعد الشروع فيه والإكثار منه، والمراد هنا النهي عن الكسل من أن يكتب ابتداء، فكني عنه بالسآمة، لكونها من لوازمه وروادفه.
قوله: (لأنه صفة المنافق)، من قوله: وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى.
قوله: (لا يقول المؤمن: كسلت)، أخرجه ابن أبي حاتم، عن

(2/474)


ابن عباس، موقوفا تحته نحوه.
قوله: (وهما مبنيان، من أقسط وأقام، على غير قياس، قال أبو حيان: بل الأول من قسط، بمعنى عدل، حكى ابن السكيت في كتاب الأضداد، عن أبى عبيدة، قسط جار، وقسط عدل، وأقسط بالألف عدل لا غيره. وكذا حكاه ابن القطاع، وقيل: إنه من القسط بالكسر، وهو مصدر بمعنى العدل، لم يشتق منه فعل، وليس من الأقساط وقيل: هو من قسط بضم السين، كما يقول: كرم من أكرم والثاني من قام بمعنى اعتدل فلا شذود فيهما.
قوله: (أو من قاسط)، بمعنى ذي قسط، أي على طريقة النسب، كلابن وتامر، كما قيد به لئلا يتوهم أنه اسم فاعل من المقسط.
قوله: (وقويم)، بمعنى مستقيم، أي أشد استقامة.
قوله: (بني أسد هل تعلمون بلاءنا .... إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا)
البلاء بالفتح القتال، يقال: أبلى فلان بلاء حسنا، إذا قاتل مقاتلة محمودة، واليوم الأشنع الذي ارتفع شره، وكونه ذا كواكب كناية عن شره وظلامه عن العين بحيث يرى الكواكب، أو عن كثرة الغبار، بحيث يستر ضوء الشمس.
قوله: (يحتمل البنائين) بناء الفاعل وبناء المفعول، قال بعضهم: والأولى الحمل عليهما معا.
قوله: (وهو نهيهما) راجع إلى بناء الفاعل.

(2/475)


قوله: (أو النهي عن الضرار بهما) راجع إلى بناء المفعول، والمنهي حينئذ المخاطبون، أو المتبايعان.
قوله: (أن يعجلا) يقال: أعجله عن المهم الجاه إلى تركه وعجل عنه تركه غير تام.
قوله: (لأنه عليه الصلاة والسلام رهن درعه في المدينة من يهودي بعشرين صاعا من شعير أخذه لأهله)، أخرجه الأئمة الستة، من حديث عائشة، والبخاري، من حديث أنس.
قوله: (على اعتبار المقبض فيه) أي في لزومه، لا في صحته.
قوله: (وهو خطأ، لأن المنقلبة) إلى آخره، ذكره بعضهم أن ذلك لغة رديئة.
قوله: (وفيه مبالغات)، أي من حيث الإتيان بصيغة الأمر الظاهر في الوجوب والجمع بين ذكر الله والرب وذكره عقب الأمر بأداء الدين. وتسميته أمانة، وقد تقدم أولا ووسطا فى قوله: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ}.
قوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}.
قوله: (أي: يأثم قلبه، أو قلبه يأثم)، يشير إلى جواز إعراب قلبه فاعلا بآثم، ومبتدأ خبره آثم قدم عليه، والجملة خبر إن على الثاني دون الأول.
قوله: (العين زانية والأذن زانية).

(2/476)


قوله: (وقرئ قلبه بالنصب كحسن وجهه) يعني على التشبيه بالمفعول به. قال أبو حيان: ويجوز جعله بدلاً من اسم إن يدل بعض من كل.
قوله: (بدل البعض من الكل أو الاشتمال) قيل: إن أريد بقوله: يحاسبكم معناه الحقيقي فيغفر بدل اشتمال، كقولك: أحب زيداً علمه، وإن أريد به المجازاة فهو بدل بعض، كضربت زيداً رأسه، وقال الطيبي: الضمير المجرور في به يعود إلى ما في أنفسكم، وهو مشتمل على الخاطر السوء، وعلى ما يخفيه الإنسان من الوسواس وحديث النفس. والغفران والعذاب إنما يردان على ما اعتقده وعزم عليه من السوء، لا على حديث النفس فهو بهذا الاعتبار بدل البعض من الكل. قال أبو حيان: وقوع الاشتمال في الأفعال صحيح يدل على جنس تحته أنواع يشتمل عليه، وكذلك إذا وقع عليه النفي انتفت جميع أنواع ذلك الجنس، وأما بدل البعض من الكل فلا يمكن في الفعل، إذ الفعل لا يقبل التجزئ، فلا يقال في الفعل: له كل وبعض إلا بمجاز بعيد. وقال الحلبي: ما قاله أبو حيان ليس بظاهر، لأن الكلية والبعضية صادقتان على الجنس ونوعه، فإن الجنس كل، والنوع بعض:
قوله: متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا
تلمم بدل من تأتنا، ومعناه تنزل. والحطب الجزل القوي الغليظ وتأجج اشتعل، وألفه إما للتثنية، وهو ضمير الحطب والنار، أو للحطب وحده، أو للنار بتأويل القبس، ووصف الحطب بالجزل إشارة إلى قوة النار وكثرة الضيفان. وفرط الاهتداء إلى النار.
قوله: (وإدغام الراء في اللام لحن) تابع فيه الزمخشري، وقد

(2/477)


رد عليه الناس قاطبة فإن ذلك قراءة أبي عمرو. وقال الشيخ سعد الدين: هذا على عادته في الطعن في القراءات السبع إذا لم تكن على وفق قواعد العربية، ومن قواعدهم أن الراء لا تدغم إلا في الراء لما فيها من التكرار الغائب بالإدغام في اللام، وقد يجاب بأن القراءات السبع متواترة، والنقلة بالمتواتر إثبات على قول النحاة. ففي ظني ولو سلم عدم التواتر فأقل الأمر أن تثبت لغة بنقل العدول وترجح بكونه إثباتا، ونقل إدغام الراء في اللام عن أبي عمرو من الشهرة والوضوح بحيث لا مدفع له، ووجه من حيث التعليل ما بينهما من شدة التقارب، حتى كأنهما مثلان بدليل إدغام اللام في الراء في اللغة الفصيحة إلا أنه لمح تكرار الراء فلم يجعل إدغامه في اللام لازما. انتهى. وقال أبو حيان: منع إدغام الراء في اللام مذهب البصريين وقد أجازه الكوفيون، وحكوه سماعا منهم الكسائي والفراء، وأبو جعفر الرؤاسي، ووافقهم من البصريين رواية أبي عمرو، ويعقوب. ولسان العرب ليس محصورا فيما نقله البصريون فقط، والقراءات لا نجيء على ما علمه البصريون ونقلوه، بل القراء من الكوفيين يكادون يكونون مثل قراء البصرة وقد أجازوه، ورووه عن العرب فوجب قبوله، والرجوع فيه إلى علمهم ونقلهم، إذ من علم حجة على من لم يعلم، وممن روى ذلك عن أبي عمرو أبو محمد اليزيدي، وهو إمام في النحو، إمام في القراءات، إمام في اللغات. انتهى.
قوله: (يعنى القرآن أو الجنس) قال الشيخ سعد الدين: يعني أن الإضافة كاللام للتعيين والإشارة إلى حصته من الجنس، أو إلى الجنس نفسه وحينئذ قد تدل القرينة على البعضية فتصرف إلى البعض، وقد لا

(2/478)


، فتصرف إلى الكل، وهو معنى الاستغراق، وكما أن في جانب القلة تنتهي البعضية في المفرد إلى الواحد، ففي الجمع إلى القلة كذلك في جانب الكثرة يرتقي إلى أن يخرج منه فرد في المفرد، وفي الجمع إلى ألا يخرج منه جمع، لأن معناه ما فيه الجنسية من المجموع، وذلك لا يوجد في الواحد والاثنين وهذا معنى ما قيل: إن استغراق المفرد أشمل وإن الكتاب أكثر من الكتب، وما ذكر في قوله: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} أن الملك أعم من الملائكة يعني أن قولك: ما من ملك إلا وهو شاهد أعم من قولك: ما من ملائكة. وهذا في النكرة المنفية مسلم للقطع بأن لا رجل نفى لكل فرد، بخلاف لارجال وكذا كل رجل، وكل رجال. وأما في العرف فلا، للقطع واتفاق أئمة التفسير والأصول والنحو على أن الحكم في مثل الرجال فعلوا كذا على كل فرد، لا على كل جماعة، فليتدبر. انتهى. وكذا قال أبو حيان معترضا به على الكشاف: دلالة الجمع إذا أضيف، أو دخلته أل دلالة العام على كل فرد فرد.
وقال الطيبي: مراد الزمخشري إنما تناول الواحد حين يراد به الجنس أكثر من تناول الجمع إذا أريد به الجنس، لأن كتابه يدل على ما نقله كل أحد إنه كتبه على سبيل الجمعية ومسمى به، ويمكن أن يخرج منه كتاب أو كتابان وهذا هو المراد من قول صاحب المفتاح: استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع.
فإن قيل: لا يتبادر من قوله: وملائكته وكتبه ورسله سوى الاستغراق والشمول قلنا: قد بينا أن الاستغراق الداخل على الجمع أفراده الجموع حقيقة وإرادة الأفراد مجاز، يؤيده قول إمام الحرمين: التمر أحرى بالاستغراق للجنس من التمور، فإن التمر يسترسل على الجنس لا بصيغة لفظه، والتمور يرده إلى تخيل الوحدان، ثم الاستغراق بعده بصيغة الجمع، وفي صيغة الجمع مضطرب.
قوله: (أي يقولون لا نفرق) قال أبو حيان: كذا قدروه، ويجوز

(2/479)


أن يقدر بقوله، بالإفراد على لفظه.
قوله: (واحد في معنى الجمع) لوقوعه في سياق النفي.
قال الشيخ سعد الدين: من زعم أن معنى الجمع في أحد أنه نكرة في سياق النفي فعمت، وكانت بهذا الاعتبار في معنى الجمع كسائر النكرات فقد سها وإنما معناه ما ذكر في كتب اللغة أن أحدا اسم لمن
يصلح أن يخاطب، يستوي فيه الواحد والمثنى والمجموع، والمذكر والمؤنث، فحين أضيف بين إليه أو أعيد ضمير جمع إليه، أو نحو ذلك فالمراد به جمع من الجنس الذي يدل الكلام عليه، فمعنى لا نفرق بين أحد لا نفرق بين جمع من الرسل، ومعنى {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ} فما منكم من جماعة، ومعنى {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ}، كجماعة من جماعات النساء.
قوله: (دون مدى طاقتها)، أي لا يكون المكلف به غاية الطاقة.
قوله: (اعتمال) هو اضطراب في العمل ومبالغة واجتهاد.
قوله: (فيجوز أن يدعوا الإنسان به) إلى آخره. قال الطيبي: هذا تكلف، وقد ثبت في حديث مسلم أن هذه الآية ناسخة للآية التي قبلها، وقال صاحب الانتصاف: رفع الخطأ والنسيان كان إجابة لهذه الدعوة، وقد ورد أنه قال: عقيب كل دعوة قد فعلت.

(2/480)


قوله: (واعتداد بالنعمة) معناه أن ذكره بلفظ الدعاء على معنى التحدث بنعمة الله فيه.
قوله: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) أخرجه بهذا اللفظ. الطبراني، في الأوسط، من حديث ابن عمر.
قوله: (ولا تحمل بالتشديد للمبالغة) قال الطيبي: يريد أن التضعيف إذا كان لنقل من باب إلى آخر ليفيد فائدة لم يكن فيه مبالغة، وأما إذا لم يرد تلك الفائدة كانت مبالغة.
قوله: (من قتل الأنفس)، أي في التوبة.
قوله: (وقطع موضع النجاسة) زاد في الكشاف: من الجلد والثوب. وفسر الطيبي الجلد بالفروة وجلد الخف، وفسره جماعة بالبدن، وقالوا: إنه من جملة الإصر الذي حملوه، ويؤيده رواية في أبي داود.

(2/481)


قوله: (وخمسين صلاة في اليوم والليلة) هذا غلط، فإن بني إسرائيل لم تفرض عليهم خمسون قط، بل ولا خمس صلوات ولم تجمع الخمس إلا لهذه الأمة، وإنما فرض على بني إسرانيل صلاتان فقط، كما في الحديث.
قوله: (والتشديد هنا لتعدية الفعل) يعني للمبالغة كما سبق تقريره.
قوله: (روى أنه عليه الصلاة والسلام لما دعى بهذه الدعوات، قيل له: فعلت)، أخرجه مسلم، والترمذي، عن حديث ابن عباس. قال الشيخ سعد الدين: الظاهر أنه دعاءه عليه الصلاة والسلام بهذه الدعوات قراءته لهذا الآيات، ويحتمل أن يكون قد دعا بها فنزلت الآيات حكاية لها. قلت: الأول هو الوارد في الحديث السابق، والثاني: ورد بمعناه حديث مرسل، أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
قوله: (أنزل الله آيتين): الحديث. أخرجه ابن عدي في الكامل من حديث أبي مسعود الأنصاري، قال الشيخ سعد الدين: الكتابة باليد تمثيل وتصوير لإثباتهما وتقديرهما بألفي عام تصوير لتقدمهما، لأن مثل هذا يقال لطول الزمان لا للتجريد.
قوله: (ومن قرأ الآيتين من أخر سورة البقرة كفتاه)، أخرجه الأئمة الستة من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري بلفظ (في ليلة كفتاه).

(2/482)


قوله: (السورة التي يذكر فيها البقرة فسطاط القرآن)، الحديث، أخرجه الديلمي في مسند الفردوس، من حديث أبي سعيد الخدري، بالفسطاط اسم للخيمة والمدينة الجامعة، وسميت به السورة لاشتمالها على معظم أصول الدين وفروعه والإرشاد إلى كثير من مصالح العباد ونظام المعاش ونجاة المعاد، والبطلة السحرة، جمع باطل، سموا بذلك لانهماكهم أو الباطل أو لبطالتهم عن أمر الدين، ومعنى عدم استطاعتهم لها أنهم مع حذقهم لا يوفقون لتعليمها أو التأمل في معانيها أو العمل بما فيها، أو لايستطيعون النفوذ في قارئها، وقيل المراد إنها من المعجزات التي لايقدر الساحر أن يعارضها بالسحر، بخلاف المعجزات المحسوسة، فإنه قد يتمكن الساحر أن يحاول معارضتها بالسحر، وقال الطيبي: يمكن أن يراد السحرة من الموجودين، وهم أرباب البيان. لقوله: (إن من البيان لسحرا).

(2/483)


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة آل عمران
قوله: (إنما فتح الميم في المشهورة، وكان حقها أن يوقف عليها لإلقاء حركة الهمزة عليها، ليدل على أنها في حكم الثابت لأنها أسقطت للتخفيف لا للدرج فإن الميم في حكم الوقت، كقولهم: واحد اثنان لالتقاء الساكنين فإنه غير محذور في باب الوقف ولذلك لم يحرك في لام) تابع الزمخشري في ترجيحه، فذهب الفراء أن فتحة الميم هي حركة الهمزة ألقيت عليها حين أسقطت للتخفيف، وتضعيفه مذهب سيبويه إنها لالتقاء الساكنين، وإن الهمزة ساقطة للدرج وقد نوزع في ذلك في مواضع، قال أبو حيان: ضعف مذهب القراء بإجماعهم، على أن الألف الموصولة في التعريف تسقط في الوصل، فما يسقط لا تلقى حركته، قاله أبو على. قال: وقوله: إن الميم في حكم الوقف وحركتها حركة الالقاء مخالف لإجماع العرب والنحاة أنه لا يوقف على متحرك البتة، سواء في ذلك حركة الاعراب والبناء والنقل والتقاء الساكنين والحكاية والاتباع، فلا يجوز في قد أفلح إذا حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى الدال أن يوقف على دال قد بالفتحة بل تسكنها قولا واحدا، قال، وأما تنظيره بقولهم: واحد اثنان بإلقاء حركة الهمزة على الدال، فإن سيبويه ذكر أنهم يشمون أخر واحد لتمكنه ولم يحك الكسر لغة فإن صح الكسر فليس واحد موقوفا عليه، كما زعم الزمخشري، ولا حركته حركة نقل من همزة الوصل ولكنه موصول بقولهم: اثنان فالتقى ساكنان دال واحد وثاء اثنان فكسر الدال لالتقائها وحذفت الهمزة لأنها لا تثبت في الوصل. قال: وأما قوله: فإنه غير محذور في باب الوقف ولذلك لم يحرك في لام، فجوابه إن الذي قال إن الحركة لالتقاء الساكنين لما يرد بهما التقاء الياء والميم من ألم في الوقف بل أراد ميم الأخيرة ولام

(2/484)


التعريف كالتقاء نون من ولام الرجل إذا قلت: من الرجل قال: ومما ورد به مذهب الفراء واختيار الزمخشري إن فيه تدافعا وتناقضا فإن سكون أحد منهم إنما هو على نية الوقف عليها وإلقاء حركة الهمزة عليها إنما هو على نية الوصل، ونية الوصل توجب حذف الهمزة ونية الوقف على ما قبلها يوجب ثباتها وقطعها وهذا متناقض، قال: وهو رد صحيح. انتهى كلام أبي حيان ملخصا، وقال ابن الحاجب: ما رجحه في الكشاف من مذهب الفراء حمل على الضعيف لأن إجراء الوصل مجرى الوقف ليس بقوي في اللغة، ثم إنه خالفه في المفصل وجزم بقول سيبويه وذكر الجاربردي كلام ابن الحاجب وبعض ما ذكره أبو حيان، وقال: الوجه ما قاله سيبويه والجماعة، وأما الطيبي، فقال: لابد من القول بإجراء الوصل مجرى الوقف، لأن هذه الأسماء عنده معربة وسكونها سكون وقف لابناء، ومن ثم قال: حقها أن يوقف عليها، و (ألم) رأس آية بلا خلاف، ثم إن جعلت اسم السورة فالوقف عليها، لأنها كلام تام وإن جعلت على نمط التعديد لأسماء الحروف، إما قرعا للعصا أو تقدمة لدلائل الإعجاز فالواجب أيضا القطع والابتداء بما بعدها تفرقة بينهما وبين الكلام/ المستقل المفيد بنفسه، فإذا القول بنقل الحركة هو المقبول لأن فيه إشعاراً بابقاء أثر الهمزة المؤذن بالابتداء والوقف ولا كذلك القول بأن الحركة لالتقاء الساكنين، وإنما خالف في المفصل لأنه مختصر كتاب سيبويه، فهو كالنقل منه وهذا الكتاب مبني على الاجتهاد. انتهى. وقال الشيخ سعد الدين بعد تقرير كلام الزمخشري: فإن قيل: تعديد هذه الألفاظ إما على سبيل الدرج والوصل فلا ثبات للهمزة ولا نقل لحركتها، وإما على سبيل الوقف وقطع البعض عن البعض فلا وجه لنقل الحركة من هذه إلى تلك لأنه من أحكام الاتصال، قلنا: قطع معنى وحقيقة، فلذا يغتفر التقاء الساكنين، وثبتت الهمزة في

(2/485)


واحد اثنان وصل لفظا وصورة لعدم السكت، لأنه إنما يكون للراحة بعد النصب، ولا تعب، فلذلك أدغم الميم التي هي أخر لام في التي هي أول ميم، وجاز نقل حركة الهمزة إلى ما قبلها تحقيقا، وهذا ليس من إجراء الوصل مجرى الوقف في شيء حتى يتوجه اعتراض ابن الحاجب بأنه ضعيف لا يبنى عليه القراءة المجمع عليها بأنه قوى عند الحاجة إلى التخفيف، فإن قيل: ما ذكر من حديث الوقف إنما يضع فيمن يجعل هذه الألفاظ على نمط التعديد، وأما فيمن يجعلها اسما للسورة فهو اسم مرتبط فيما بعده أو ما قبله قد يوقف عليه وقد لا يوقف، قلنا: قد سبق أنها على هذا التقدير محكية ومبنى الكلام على أصلها الذي يحل قبل التركيب والعلمية انتهى.
قوله: (وقرئ بكسرها) على توهم التحريك لالتقاء الساكنين، قال ابن الحاجب: لا وجه لكسرها إلا البناء لأنه لما فقد فى هذه الأسماء مقتضى الأعراب وهو التركيب وجب البناء لعدم الواسطة، وقال الشيخ سعد الدين: لقائل أن يقول: لا نسلم لعدم الواسطة بين المبني والمعرب، بمعنى ما فيه الإعراب، بل بمعنى ما من شأنه الإعراب بالفعل، وانتفاء التركيب إنما يوجب انتفاء الإعراب لا انتفاء كون الاسم من قبيل المعربات.
قوله: (وقرأ أبوبكر)، زاد أبو حيان في بعض طرقه، عن عاصم.
قوله: (روى أنه عليه السلام قال: (اسم الله الأعظم في ثلاث سور)) الحديث، أخرجه الطبراني وابن مردويه، من حديث أبي أمامة، بلفظ (في ثلاث سور، سورة البقرة، وآل عمران، وطه)، قال أبو أمامة: فلتمستها فوجدت في البقرة، الله لا إله إلا هو الحي القيوم إلى

(2/486)


آخره.
قوله: (وهي في موضع الحال)، قال أبو حيان: أي محقا، قال: ويحتمل أن الباء المسببية، أي بسبب إثبات الحق.
قوله: (نزل عليك الكتاب نجوما)، ثم قال: وأنزل التوراة والإنجيل جملة، أشار إلى ما ذكره الزمخشري، إن نزل تفيد التكثير والترديد. ورده أبو حيان، بأنه ورد في وصف القرآن أيضا أنزل في غير ما اية، فدل على أنها بمعنى، وكذا قراءة من قرأ المشدد بالتخفيف، وقال الحلبي: قد يعتقد أن في كلام الزمخشري تناقضا، حيث قال: إن نزل يقتضي التفخيم، وأنزل يقتضي الانزال الدفعي، لأنه جوز أن يراد بالفرقان القرآن وقد جامعه أنزل، ولكن لا ينبغي أن يعتقد ذلك، لأنه لم يقل إن أنزل للإنزال الدفعي فقط، بل يقول: إن نزل بالتشديد يقتضي التفريق وأنزل يحتمل ذلك ويحتمل الإنزال الدفعي، قال ابن هشام في المغنى: أشكل على الزمخشري قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} فقرن نزل بجملة واحدة وقوله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا} وذلك إشارة إلى قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا} الآية، وهي آية واحدة، وقال العلم العراقي: عندي وجه آخر، وهو أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ

(2/487)


إلى سماء الدنيا منجما في ثلاثة وعشرين سنة، فيجوز أن يقال فيه: نزل وأنزل، وأما بقية الكتب فلا يقال فيها إلا أنزل، وهذا الوجه أوجه وأظهر.
قوله: (واشتقاقهما من الورى والبخل ووزنها بتفعله وأفيعل تعسف، فيه أمور، الأول: قال الشيخ سعد الدين: القول بالاشتقاق منقول عن الفريقين البصريين والكوفيين، وقد جوز في طالوت مع كونه أعجميا أن يعتبر اشتقاقه من الطول الثاني، القول بأن اشتقاق التورية ورى الزناد بالكسر يرى إذا قدح وظهر منه النار، قول الجمهور لأن التوراة ضياء من الضلال، وذهب مؤرخ سدوسي إلى أنها مشتقة من ورا إذا عرض، لأن أكثر التوراة تلويح، الثالث: إن قوله: إن وزنه تفعله إن كان بفتح العين فهو قول بعض الكوفيين أو بكسرها فهو قول الفراء، وأما مذهب الخليل وسيبويه وسائر البصريين، فوزنها فوعلة، والأصل: وورية أبدلت الواو تاء، كذا أورده أبو حيان، وأصحاب الحواشي، الطيبي، والجاربردي، وزاد التفتازاني، أن الزمخشري ذهب إليه في الفصل الرابع.
قوله: (والنجل هو الماء الذي ينز من الأرض ويطلق على الوالد والولد، فهو من الأضداد، قاله الزجاجي، وقال الزجاج الإنجيل مأخوذ من النجل وهو الأصل، وقال أبو الفتح: هو من نجل إذا ظهر ولده أو من ظهور الماء من الأرض فهو مستخرج إما من اللوح المحفوظ، وإما من التوراة، وقيل: هو مشتق من التناجل وهو التنازع، سمى

(2/488)


بذلك لتنازع الناس فيه، وقيل: من نجل العين، فإنه وسع فيه ما ضيق في التوراة.
قوله: (لأنهما أعجميان) قال الطيبي: يدل على أنهما عربيان، دخول اللام فيهما، وقال الشيخ سعد الدين: دخول اللام في الأعلام الأعجمية محل نظر، وعبارة أبى حيان، عبرانيان.
قوله: (متعبدون) قال الشيخ سعد الدين: بفتح الباء، أي مكلفون مأمورون من تعبدته: اتخذته عبداً.
قوله: (أو القرآن، وكرر ذكره)، إلى آخره، هو الوارد عن السلف، أخرجه ابن جرير عن قتادة والربيع بن أنس، وأخرج عن محمد بن جعفر الزبيري، قال: الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره، قال ابن جرير: وهذا القول أولى، لأن صدر السورة نزل في محاجة النصارى للنبي - صلى الله عليه وسلم - في أمر عيسى، الطيبي: يمكن أن يريد بقوله: وكرر ذكره إلى آخره. إن الكتاب أولا أطلق على القرآن ليثبت له الكلام، لأن اسم الجنس في مثل هذا إذا أطلق على فرد من أفراده يكون محمولا على كماله وبلوغه إلى حد هو الجنس كله، كأن غيره ليس حقه، كما لو قلت، لمن وهبت له كتابا وأنت تريد الامتنان عليه: لقد منحتك الكتاب، أي الكتاب الكامل في بابه، ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ} واللام للجنس، والمراد المؤمنون كما في قوله: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ} ثم اقترن

(2/489)


بوصف من أوصافه لتتميم معنى الكلام وتوكيده، لأن من شأن الكتب السماوية أن تكون فارقة بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، والحلال والحرام، فينتهي بذلك الوصف غايته، وإليه الإشارة بقوله: تعظيما وإظهارا لفضله ولو صرح أولا باسم القرآن واقترن به الوصف لم يكن كذلك، ولهذا كان الوجه الآخر دون هذا الوجه، قال صاحب الانتصاف: وفيه وجه آخر، وهو أن القرآن العظيم نزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ومن سماء الدنيا منجما في ثلاث وعشرين سنة، وأما بقية الكتب، فلا يقال فيها: إلا أنزل، وهذا أوجه وأظهر، قال الطيبي: لعله ذهل عن دقة المعنى ومال إلى أن تكرير القرآن لإناطة معنى زايد وهو التنزيل مرة والإنزال أخرى. وذهب عنه إلى أن المقام مقام مدح وتعظيم للكتاب، لا بيان إنزاله وتنزيله. وقال الإمام: الوجوه المذكورة كلها ضعيفة، أما حمل الفرقان على الزبور فبعيد لأن المراد من القرآن ما يفرق بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، وليس في الزبور إلا الوعظ فقط وأما حمله على القرآن فبعيد أيضا، لما يلزم من العطف من المغايرة. ولا مغايرة حينئذ. وأما حمله على الكتب فبعيد أيضا لما يلزم منه من عطف الصفة على الموصوف والمختار عندي: أن المراد بالفرقان المعجزات التي قرنها الله بإنزال هذه الكتب، أن أنزل الكتب وأنزل معها ما يفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة قال الطيبي: وهذا الذي ذكره الإمام هو على مقتضى الظاهر، وعلماء هذا الفن يهجرون سلوك هذا الطريق. وإذا سنح لهم ما يخالف الظاهر لا يلتفتون إلى الظاهر ويعدونه من باب النعيق وأما قوله: (ليس في الزبور إلا الموعظة): فجوابه إن الموعظة أيضا فارقة من حيث إنها زاجرة عن ارتكاب المناهي داعية إلى الإتيان بالأوامر صارفة عن الركون إلى الدنيا هادية إلى النزوع إلى العقبى وقربة تزلف إلى رضى الله عما يوجب سخطه سبحانه قوله: (لا يقدر على مثله منتقم) قال

(2/490)


الطيبي: هذه المبالغة يفيدها إيراده قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} بعد ذكر التوحيد وذكر إنزال الكتب الفارقة بين الحق والباطل تم توكيده بأن وبإيقاع قوله: " الذين كفروا ". أصله للموصول وبناء (لهم عذاب شديد) عليه ثم تذييل المذكور بقوله: والله عزيز ذو انتقام المشتمل على إعادة اسم الذات المقرون بصفة العزة وإضافة ذي إلى الانتقام ومجيئه نكرة والتفكير للتعظيم.
قوله: " والنقمة عقوبة المجرم "، زاد أبو حيان، بمبالغة في ذلك. وقبل هي السطوة والانتصار.
قوله: " والفعل منه نقم " قال أبو حيان: يقال: نقم ونقم إذا أنكر، وانتقم عاقب.
قوله: " فعبر عنه بالسماء والأرض "، قال الطيبي: يعني إن الذي يقتضيه الظاهر أن يقال لا يخفى عليه شيء في العالم فكنى عنه بالسماء والأرض لأن مؤداهما واحد لأن العالم إذا أطلق يتبادر إلى الذهن السماء والأرض وما فيهما عرفا، وسبيل هذه الكناية سبيل قولك: في الكناية عن الإنسان هو حي مستوى القامة عريض الأظفار، وإنما اختير تلك العبارة على الظاهر ليدل على مزيد تصوير جزئيات العالم ودقائقه وخفاياه ليكون الكلام أدل على الوعيد. وأنه تعالى يجازيهم على كفرهم بكتب الله وتكذيبهم بآياته. قوله: (وقيل: هذا حجاج على من زعم أن عيسى كان ربا).
الإشارة إلى قوله: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ} قاله الجاربردي: وضعفه. وهو المجزوم به في الكشاف، لأن الطيبي قال: يمكن أن يكون
عاما وإيراد هذا الوصف من الأوصاف لأنه يندمج فيها على سبيل التعريض للاحتجاج على النصارى.
قوله: " فإن وفد نجران "، إلى آخره، أخرجه ابن إسحاق والبيهقي

(2/491)


في الدلائل، عن محمد بن سهل ابن أبي أمامة.
قوله: " وأصله يرد إليها غيرها " قال الطيبي: وذلك أن العرب تسمى كل جامع يكون مرجعا أما.
قوله: " لأنه وصف معدول عن الأخر "، هو رأي أكثر النحويين قالوا: لأن الأصل في أفعل التفضيل ألا يجمع إلا مقرونا بالألف واللام كالكبر والصغر، فعدل عن أصله وأعطى من الجمعية مجرداً مالا يعطى غيره إلا مقرونا- وقال ابن مالك: التحقيق أنه معدول عن آخر مراد به جمع المؤنث، لأن الأصل في أفعل التفضيل أن يستغنى فيه بأفعل عن فعل لتجرده عن الألف واللام والإضافة كما يستغنى بأكبر عن كبر في نحو رأيتها في نسوة أكبر منها، فلا يثنى ولا يجمع، لكنهم أوقعوا فعلا موقع أفعل فكان ذلك عدلا من مثال إلى مثال، وتابعه أبو حيان، وقال: فآخر على هذا معدول عن اللفظ الذي كان المسمى أحق به، وهو أخر لاطراد الأفراد في كل أفعل يراد بها المفاضلة في حال التنكير، قوله: " وهذا العدل بهذا الاعتبار صحيح لأنه عدل من نكرة إلى نكرة.
قوله: " ومن وقف على " إلا الله " " هذا القول هو المختار عند أكثر أهل السنة، خصوصا المحدثين. وقد رجحه الطيبي وبسطه في الاتقان.
قوله: " ما ستأثر ". أي تفرد " قوله: استئناف " فهم منه أبو حيان

(2/492)


أنه خبر مبتدأ محذوف ".
وقال الشيخ سعد الدين: الظاهر أنه لا حاجة إلى تقدير مبتدأ، أي هم يقولون على ما يشعر به كلام المكثرين.
قوله: " قلب ابن آدم بين إصبعين " الحديث. أخرجه أحمد والترمذي، من حديث أم سلمة، والشيخان من حديث عائشة.
قوله: " وقيل: لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا " يعني أن الكلام كناية أو مجاز، إذ لا يحسن من الله الإزاغة ليسأل نفيها، وهذا قول الزمخشري، بناء على مذهبه من الاعتزال قوله: " وقيل: إنه بمعنى أن ".
قوله: " فإن الإلهية تنافيه " يعني أن العدول عن المضمر وهو إنك المناسب لربنا إنك إلى الظاهر بغير لفظ السابق، وهو ربنا للدلالة على أن الحكم مرتب على ما يدل عليه كما في التعليق/ بالوصف فإنه يشعر بالعلية قاله الطيبي والتفتازاني قوله: " أي من رحمته أو طاعته على معنى البدلية " فيه: أمران الأول، قاله أبو حيان، إثبات البدلية ما تنكره أكثر النحاة، بل هي لابتداء

(2/493)


الغاية، كما قاله المبرد، أو التبعيض على أنها صفة لشيئا، فلما قدمت صارت حالاً وذكر أبو عبيدة، إنها بمعنى عبد، وهو ضعيف جدا انتهى. الثاني، قال الجاربردي: بين المصنف معنى من ولم يبين معنى يغني، قال المطرزي: أغنى عن كذا أي نحه عني، فمعنى الآية لن يبعد عنهم شيئا أي عذابا بدلاً من رحمة الله أو طاعته إنما يبعد عنهم العذاب الرحمة أو الطاعة لا الأموال والأولاد.
قوله: " متصل بما قبله " أي فيكون منصوب المحل، قوله " " أي لنا تغني عنهم كما لن تغن عن أولئك " قال أبو حيان: هذا ضعيف، للفصل بين العامل والمعمول بالجملة التي هي، {وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ} إذا قدرت معطوفة فإن قدرتها إعتراضية، وهو بعيد جاز قوله: " أو توقد بهم كما توقد بأولئك "، قال الحلبي: فيه نظر لأن الوقود على القراءة المشهورة، الأظهر فيه أنه اسم لما يوقد به وإذا كان اسما فلا عمل له. فان قيل: إنه مصدر، وعلى قراءة الحسن بالضم صح قوله: " وهو مصدر دأب "، إلى آخره. قال في الأساس: دأب الرجل في عمله: اجتهد فيه ومن المجاز: هذا دأبك. أي هذا شأنك وعملك.
قوله: " أو استئناف "، تفسير لحالهم، قال الطيبي، والشيخ سعد الدين: هو مبني على أن الكاف مرفوع المحل، فإن شأنهم وحالهم يشمل الأمرين، ما فعلوا، وهو التكذيب وما فعل بهم وهو أخذهم بذنوبهم. وإما على النصب، فهو استئناف لبيان السبب.
قوله: " فإنه عليه الصلاة والسلام جمعهم بعد بدر " أخرجه ابن إسحاق وأبو داود وابن جرير والبيهقي، في الدلائل، عن ابن عباس.

(2/494)


قوله: (والأغمار) جمع غمر وهو من الرجال من لم يجرب الأمور.
قوله: " نحن الناس "، أي الموصوفون بالشجاعة والشدة. ذكره الجاربردي.
قوله: " وقرأ حمزة والكسائي بالياء " إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين حاصل الفرق أن المعنى على الخطاب أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يخبرهم من عند نفسه بمضمون الكلام، حتى لو كذبوا كان التكذيب راجعا إليه. وعلى الغيبة أمره بأن يؤدي إليهم ما أخبر الله تعالى به، من الحكم بأنهم سيغلبون بحيث لو كذبوا كان التكذيب راجعا إلى الله تعالى. فعلى الخطاب الإخبار بمعنى كلام الله تعالى، وعلى الغيبة بلفظه. والأظهر، أن الأمر بالعكس، وكأنهم جعلوا ضمير بلفظه لما أخبروه، والحق أنه للنبي - صلى الله عليه وسلم -، كالمنصوب في آخره والمرفوع في يحكى أي أمر أن يحكى لهم بلفظه هذا الوعيد على الوجه الذي يناسب، ولا خفاء أنه لا يناسب أن يقول لهم سيغلبون بلفظ الغيبة، فأحسن التدبير انتهى.
قوله: " يرى المشركون " إلى آخره. حكى في ضمير الفاعل من يرونهم قولين. أحدهما أنه للمشركين. والثاني أنه للمؤمنين، وكلاهما ضعيف لأنه خلاف قوله تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ} وما أجاب به، من أن التقليل وقع أولا والتكثير بعد الملاقاة فخلاف الظاهر، والتحقيق أنه لليهود المخاطبين بقوله: {

(2/495)


قَدْ كَانَ لَكُمْ} وهم الذين كفروا في الآية قبلها، كما بينه سبب النزول فقراءة " ترونهم " بالخطاب على نسق قد كان لكم، وقراءة الغيبة على الالتفات وهم: في " يرونهم " للمشركين وفي مثليهم " للمؤمنين "، وكان ذلك هو الواقع، فإن المؤمنين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، كما أخرجه البخاري، عن البراء، وكان المشركون قريبا من ألف كما أخرجه البيهقي في الدلائل، وابن جرير عن علي، وهذا التقدير قل من يجيء إليه، وفي تفسير ابن جرير، عن قتادة ما معناه أنه لو كان الضميران لواحد لقال: ترونهم مثليكم، وهذا في غاية الدقة والحسن، وقد قال الشيخ سعد الدين: لا يليق بنظم القرآن أن يجعل خطاب يرونهم لغير من له الخطاب قد كان لكم. قوله: (فلما لاقوهم) ضبطه أصحاب الحواشي بالفاء أي خالطوهم والتفوا عليهم في الأساس: أرسلت الصقر على الصيد فلافه، أي التف عليه وجعله تحت رجليه وما تصافحوا حتى تلافوا ولا ففناهم. قال الطيبي: وفي بعض النسخ بالقاف. قال: والأول أنسب.
قوله: " والنصب على الاختصاص ". قال أبو حيان: ليس بجيد، لأن المنصوب على الاختصاص لا يكون نكرة، قال: والوجه أنه على المدح في الأولى وعلى الذم في الثانية أي أمدح فيه وأذم أخرى. انتهى. وقد فسر الطيبي الاختصاص بالمدح، فإن معنى أذكر فيه لا يخفى شأنها، وهي التي تجاهد في سبيل الله. قال: وعلى هذا كافرة منصوبة على الذم لأنها مقابلة لها، وقال الحلبي: لا يعني الزمخشري

(2/496)


الاختصاص المنسوب له في النحو. نحو. " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ".
إنما عنى النصب بإضمار فعل لائق. وأهل البيان يسمون هذا النحو اختصاصا. وكذا قال السفاقسي، لم يرد الاختصاص الاصطلاحي. إنما أراد المعنوي وكثيراً ما يقع له ذلك في كتابه.
قوله: " أو الحال من فاعل إلتقتا ". قال أبو البقاء: والتقدير التقتا مؤمنة وكافرة. وفئة وأخرى على هذا توطئة للحال.
قوله: " رؤية ظاهرة معاينة " قال الشيخ سعد الدين: يقتضي أن هذه رؤية عين وهو الابصار فيكون مثليهم حالاً لا مفعولاً ثانيا لكن المعنى على المفعولية فالوجه إنه متعد إلى مفعولين، لكونه بمعنى العلم، علما يستند إلى معاينة لا بمنزلة أن يقال: يبصرونهم، فليتأمل.
قوله: " سماها شهوات مبالغة "، قال الطيبي: يعني حين أوقع الشهوات مبهما أولا ثم بين بالمذكورات، على أن الأعيان هي عين الشهوات كأنه قيل: زين حب الشهوات التي هي النساء فجرد من النساء شيء يسمى الشهوات، وهي نفس الشهوات، نحو في البيضة عشرون رطلا حديداً.
قوله: " والمزين هو الله ". أخرجه ابن أبي حاتم، عن عمر بن الخطاب.
قوله: " ولعله زينة ابتلاء " إلى آخره، قال الطيبي: الأول هو الذي يناسب المقام. لقوله: {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وقوله: {قُلْ

(2/497)


أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ}. قوله: " والقنطار مائة ألف دينار "، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح، عن أنس، قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عن قول الله: {وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ} قال: " القنطار ألف دينار ": " ملي مسك ثور ". أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري، قال: القنطار ملء مسك الثور ذهبا. والمسك بفتح الميم الجلد.
قوله: " فعلال أو فيعال فعلى الثاني نونه زائدة، من قطر يقطر، وبه جزم ابن دريد قوله: " والمقنطرة مأخوذة منه " قال المرزوقي: من شأن العرب أن يشتقوا من لفظ الشيء الذي يريدون المبالغة في وصفه ما يتبعونه تاكيداً أو تنبيها عن تناهيه، من ذلك: ظل ظليل، وداهية دهياء، وشعر شاعر.
قوله: " بدرة مبدرة " أي كاملة.
قوله: " والمسومة المعلمة " أخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.
قوله: " أو المرعية " أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس، بلفظ: الراعية، قوله: " أو المطهمة " أخرجه ابن جرير، عن مجاهد قال الشيخ سعد الدين: وهي التامة الخلق. قال: ولم يبين اشتقاق ذلك، وكأنه من السوم في البيع لأنها تسام كثيراً أو من السومة لأنها علم في الحسن.

(2/498)


قوله: " ويرتفع جنات " قال الشيخ سعد الدين: الأظهر في ترتفع الرفع ابتداء كلام بمعنى وجه يرتفع، ويحتمل النصب عطفا على متعلق، وإنما لم يجعل عند ربهم في موضع الخبر لجنات، لأن الظاهر تعلقه بالفعل على معنى ثبت تقواهم عند الله شهادة لهم بالإخلاص ولأن ما عند الله هو الثواب. ونحوه، ولا يسمع عند الله الجنة قوله: " ويؤيده قراءة من جرها بدلا من خير "، قال: أبو حيان: هي قراءة يعقوب، قال: وجوز فيها أن يكون تصبا بإضمار أعني، أو بدلاً من موضع بخير، لأنه نصب ووجه التأييد، أنها حينئذ بيان للخبر، كما أن هو جنات تفسير له:
قاله الطيبي: قوله: (وهما لغتان): الكسر لغة الحجاز، والضم لغة
تميم، وقيل بالكسر الاسم وبالضم المصدر.
قوله: " أو بأحوال الذين اتقوا ذلك أعدلهم جنات " قال الطيبي: يعني العبادة، مظهر أقيم موضع المضمر لتلك العلة قال: ويمكن أن يقال: والله بصير بالعباد المتقين وبما يصلحهم ويرد بهم وأن إيثار الآخرة على الدنيا وزينتها خير لهم، فلذلك أنبأهم هو خير لهم.
قوله: " صفة للمتقين " أي للذين اتقوا أو للعباد، قال أبو حيان: الأول أظهر. وقال الشيخ سعد الدين: في الأول إنه بعيد جداً لا سيما إذا جعل اللام متعلقا بخبر لكثرة الفواصل. ولهذا عبر عنه في الكشاف بقوله: ويجوز. قال وأما جعله صفة للعباد، فبعيد من جهة المعنى حيث خص كونه بصيرا بالعباد المخصوصين وقال الطيبي: الأنسب، أن يجعل قوله: " الذين يقولون " الآية واردا على المدح تربية لمعنى وضع

(2/499)


المظهر موضع المضمر.
قوله: (وتوسيط الواو بينهما للدلالة على استقلال كل واحد منهما وكما لهم فيها) قال أبو حيان: لا نعلم العطف في الصفة بالواو يدل على الكمال، قال الحلبي: قد علمه علماء البيان، قوله: " شبه ذلك في البيان والكشف بشهادة الشاهد.
قال الشيخ سعد الدين: يعني أنه استعارة تصريحية تبعية، حيث شبه بالشهادة دلالته على الوحدانية بما نصب من الأدلة العقلية وترك من الأدلة السمعية، وكذلك الإقرار والاحتجاج من الملائكة وأولي العلم من المثقلين، قال: ولا يبعد على قواعد الملة سلوك الملائكة طريق الاستدلال والاحتجاج، على أن الاحتجاج لا يلزم أن يكون للاكتساب بل للإثبات على الغير، فإن قيل: الإقرار مع مطابقة القلب حقيقة الشهادة لا شبيهة بها ولو سلم أنه لابد من زيادة خصوص فهي ممكنة من الملائكة والثقلين، فأي حاجة إلى اعتبار المجاز وإن بني ذلك على امتناع الجمع بين الحقيقة والمجاز، فكذلك الجمع بين معنيين مجازيين كالدلالة والإقرار قلت: الدلالة والإقرار، من إفراد معنى مجازي هو الأمر المشبه بالشهادة، لا معنيان مجازيان ليمتنع إرادتهما، وإنما لم يعتبر تقدير إعادة الفعل ليكون الأول مجازاً والثاني حقيقة لأنه خلاف الظاهر مع الغنية عنه بالمجاز المستفيض، انتهى.
قوله: " مقيما للعدل "، قال الشيخ سعد الدين: إشارة إلى أن الباء للتعدية ولم يجعله من قبيل قام بالأمر، إذا ثبت متلبسا له مباشرا له على طريقة الاستعارة، من القيام بمعنى الانتصاب مبالغة في تجنب وصفه من صفات المخلوقين.
قوله: " وإنما جاز إفراده بها "، إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: بين جواز إفراد المعطوف عليه بالحال كالمعطوف في نافلة، وبقي بيان جهة تأخيره عن المعطوفين، وكأنها الدلالة على علو زينتهما وقرب

(2/500)


منزلتهما.
قوله: " ولم يخرجا زيد وعمرو راكبا "، إلى آخره.
قال أبو حيان: بل هو جائز ويحمل على أقرب مذكور كما في الوصف، لو قلت: جاءني زيد وعمرو الطويل، كأن الطويل صفة لعمرو ولا لبس فيه فكذلك الحال، ولا يتعين في قوله: نافلة، أن يكون حالا عن يعقوب إذ يحتمل أن يكون مصدراً كالعافية والعاقبة، ومعناه زيادة، فيكون شاملا لإسحاق ويعقوب لأنهما زيداً لإبراهيم بعد ابنه إسماعيل وغيره، إذا كان إسحاق إنما وهبه على الكبر وبعد أن عجزت سارة وأيست من الولادة وقال الحلبي: مراد الزمخشري، يمنع، جاء زيد وعمرو راكب إذا أريد أن الحال منهما معا أما إذا أريد أنها حال من واحد منهما فإنما يجعل لما يليه لعود الضمير على أقرب مذكور.
قوله: لأنها حال مؤكدة "، قال أبو حيان: ليس من الحال للمؤكدة، لأنه ليس من باب، {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} ولا من باب، أنا عبد الله شجاعا، فليس قائما بالقسط بمعنى شهد ولا مؤكدا لمضمون الجملة السابقة، بل هي حال لازمة لأن القيام بالقسط وصف ثابت لله تعالى وقال السفافسي: في هذا الإعتراض نظر، لأن قيامه بالعدل يؤكد تحقق الشهادة فتكون مؤكدة لمضمون الجملة. وقال الحلبي: مؤاخذته له في قوله: مؤكدة غير ظاهرة، وذلك أن الحال على قسمين، إما مؤكدة وإما مبينة وهي الأصل فالمبينة لا جائز أن تكون هنا لأن المبينة تكون منتقلة والإنتقال هنا محال، إذ عدل الله لا يتغير فإن قيل: لنا قسم ثالث، وهي/ الحال اللازمة، فكأن للزمخشري مندوحة عن قوله مؤكدة، إلى قوله: لازمة، فالجواب أن كل مؤكدة لازمة وكل لازمة مؤكدة فلا فرق بين

(2/501)


العبارتين ويدل على ملازمة التأكيد للحال اللازمة وبالعكس الإستقراء.
وقوله: " ليس معنى قائما بالقسط معنى شهد ممنوع بل معنى شهد مع متعلقه وهو أنه لا إله إلا هو، مساو لقوله قائما بالقسط.
قوله: " أو الصفة للمنفي "، أي إله.
قوله: " وقرئ القائم بالقسط على البدل عن، هو "، قال أبو حيان: لا يجوز ذلك، لأن فيه فصلا بين البدل والمبدل منه بأجنبي وهو العطوفان لأنهما معمولان بغير العامل في المبدل منه ولو كان العامل في المعطوف هو العامل في المبدل منه لم يجز أيضا، لأنه إذا اجتمع العطف والبدل قدم البدل على العطف، انتهى.
وقدح الشيخ سعد الدين فيه بأنه قول بالإبدال من البدل.
قوله: " ورفعهما على البدل من الضمير الظاهر "، إذ المراد الضمير الأخير، وصرح الشيخ سعد الدين، بأنه الأول، حيث قال: لأنه مثل القائم بالقسط بعينه، فيكون بدلاً أو خبر مبتدأ محذوف قوله: " وقد روي في فضلها "، الحديث. أخرجه الطبراني والبيهقي في شعب الإيمان، من حديث ابن مسعود، بسند ضعيف.
قوله: " جملة مستأنفة مؤكدة "، قال الطيبي: أي مذيلة معترضة على أسلوب، قوله تعالى: {وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} قال: وإنما كانت مزيلة، لأن الشهادة بالوحدانية وبالعدل والعزة والحكمة، هي: أس الدين وقاعدة الإيمان. ولاشك أن

(2/502)


الدين أعظم من الإعتقاد الذي هو التصديق. ثم إن الدين صدر بإن وخصص بقوله: عند الله، وهو كناية عن رفعة المنزلة، ثم التعريف في الخبر الذي هو الإسلام جاء لقصر المسند على المسند إليه.
قوله: " للأولى "، قال الشيخ سعد الدين يعني شهد الله أنه، إلى آخره. وقيل: مضمون قوله: أنه لا إله إلا هو. وقيل قوله، " لا إله إلا هو "، المذكور ثانيا، قال: والأول أوجه وأنسب بسوق كلامه المشعر بأن (إن الدين عند الله الإسلام) إيذان وإعلام من الله بمضمون ذلك لا داخل في حكم الشهادة.
قوله: " قرأ الكسائي بالفتح على أنه بدل "، إلى آخره.
قال أبو حيان: هذا التخريج ليس بجيد، لأن فيه الفصل بين البدل والمبدل منه بالعطف وبالحال لغير المبدل منه، وكلاهما لا يجوز. وخرجه الطبري على حذف العاطف، أي وإن الدين. وفيه ضعف من حيث الإضمار وطول الفصل. قال: والصواب، أنه معمول للحكيم على إسقاط الجار أي الحكيم بأن، فهو أسهل وأقل تكلفا، قال: والحامل للزمخشري وأمثاله على الإتيان بالتخاريج المتكلفة: العجمة وعدم الإمعان في تراكيب كلام العرب وحفظ أشعارها، ولن يكفي النحو وحده في علم الفصيح من كلام العرب، بل لابد من الإطلاع على كلام العرب والتطبع بطباعها والاستكثار من ذلك.
قوله: " وقرئ إن بالكسر وأن بالفتح على وقوع الفعل على الثاني واعتراض ما بينهما أو إجراء شهد " إلى آخره. أنكر أبو حيان التخريج الأول.
قوله: " وقيل، هم النصارى "، أخرجه ابن جرير عن محمد بن جعفر

(2/503)


ابن الزبير.
قوله: " أخلصت نفسي وجملتي له "، يعني أن الوجه مجاز عن نفس الشيء وذاته أو عن جملة الشخص تعبيراً عن الكل بأشرف الأجزاء، قاله الشيخ سعد الدين قوله: " عطف على التاء "، زاد أبو حيان أو مبتدأ خبره محذوف أي كذلك.
قوله: " أو مفعول معه "، قال أبو حيان: لا يجوز لأنه يقتضي المشاركة والمتبعون لم يشاركوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في إسلام وجهه هو إنما أسلموا هم وجوههم، ولا يجوز أكلت رغيفا وعمراً، على معنى أنه أكل رغيفا آخر، قال: ويجوز أن يكون في موضع جر عطفا على الجلالة، أي بالحفظ والنصيحة.
وقال الحلبي: فهم المعنى وعدم الإلباس يسوغ للمفعول معه، وأي مانع من أن المعنى فقل أسلمت وجهي لله مصاحبا لمن أسلم وجهه لله أيضا.
وهذا معنى صحيح مع القول بالمعية.
قوله: " فقد نفعوا أنفسهم ".
قال الشيخ سعد الدين: يعني أن اهتدوا، كناية عن هذا المعنى، وإلا فلا فائدة في الشرطية، وكذا الكلام في " إنما عليك البلاغ ".
قوله: " أي التوراة أو جنس الكتب السماوية ". ومن للتبعيض أو البيان. ذكر الطيبي ما معناه أنه لف ونشر غير مرتب وأنه إن أريد التوراة فمن للبيان، أو جنس الكتب المنزلة فمن للتبعيض، قال واللام في الكتاب على الأول للعهد وعلى الثاني للجنس، ووجه التعظيم في التنكير عليه أن التوراة وإن كانت بعضا من الكتب لكنها حصة عظيمة القدر.

(2/504)


قوله: " روي أنه عليه الصلاة والسلام دخل مدراسهم، إلى قوله فنزلت "، أخرجه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، والمدارس موضع صاحب دراسة كتبهم، ويطلق أيضا على الموضع الذي يقرأ فيه اليهود التوراة.
قوله: " وقيل، نزلت في الرجم "، أخرجه ابن جرير عن ابن جريج.
قوله: " وهم قوم عادتهم الإعراض "، والجملة حال، قال الطيبي: على هذا التفسير الجملة تذييل على رأي الأكثر ومعترضة على رأي الزمخشري، وأيا ما كان فهي مؤكدة لمعنى ما سبق، لا حال كما ذكره القاضي نعم إنما تكون حالاً إذا لم يفسر بأنهم قوم عاداتهم الإعراض. انتهى.
قوله: " روي إن أول راية ترفع يوم القيامة من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله على رؤوس وثم يأمر بهم إلى النار ".
قوله: " الضمير لكل نفس على المعنى "، قال الطيبي: يعني ذكر الضمير وجمعه باعتبار معنى النفس، كما اعتبر في قولهم ثلاثة أنفس بتأويل الأناسي.
قوله: " الميم عوض من ياء "، قال الشيخ سعد الدين: وأوثر الميم لقربه من الواو التي هي حرف علة وشدد لكونه عوضا من حرفين: "

(2/505)


قوله: فإن الميم عنده تمنع الوصفية "، قال الشيخ سعد الدين: لأن بالاختصاص والتعويض يخرج عن كونه منصرفا وصار مثل جهل، إذ الميم بمنزلة صوت مضموم إلى اسم بقاءهما على معنييهما بخلاف مثل سيبويه، وخالويه حيث صار الصوت جزء الكلمة. انتهى. وقال الزجاج: وزعم سيبويه أن هذا الاسم لا يوصف لأنه قد ضمت الميم إليه وما بعده منصوب على النداء. والقول عندي أنه صفة فكما لا تمتنع الصفة مع " ياء " فلا تمتنع مع الميم، قال أبو علي: قول سيبويه عندي أصح لأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد اللهم، ولذلك خالف سائر الأسماء ودخل في حيز مالا يوصف نحو جبريل. فإنهما صار بمنزلة صوت مضموم إلى اسم فلم يوصف.
قوله: " فالملك الأول عام والآخران بعضان منه " قال الطيبي: لأن لام الجنس إذا دخلت على المفرد صلحت لأن يراد بها جميع الجنس وأن يراد بها بعضه بحسب القرائن فالملك الأول مطلق شامل في جنسه، لأن الملك الذي يقع عليه ممالكيته سبحانه وتعالى، ليس ملكا دون ملك.
بخلاف الثاني والثالث، لأنهما حصتان من الجنس لتقييدهما بالايتاء والنزع، ولأن المراد نزع الملك من العجم والروم وإيتاءه المسلمين، قال: ويحتمل أن يراد بالملك الأول العهد والمعهود ملك العجم والروم، بشهادة سبب النزول. والثاني والثالث مظهر أن وضعا موضع المضمر إشعاراً بالعلية وإن تصرفه فيه ليس كتصرف المالك المجازي بل تصرف تسخير وقهر يؤتيه من يشاء كيف يشاء وينزعه ممن يشاء كيف يشاء، لا اعتراض لأحد عليه في تصرفه سبحانه ومن ثم عقبه بقوله: " وتعز من تشاء وتذل من تشاء " قال: ولعل هذا الوجه أظهر والمقام له أدعى، ولما تقرر أن المعرف إذا أعيد كان الثاني غير الأول، ولأن قوله: تؤتي

(2/506)


الملك، إلى آخره، بيان على سبيل الاستئناف، لقوله: مالك الملك. فلا يكون المبين خلاف المبين.
قوله: " وقيل، المراد بالملك النبوة " أخرجه ابن جرير، عن مجاهد.
قوله: " ذكر الخير وحده لأنه المقضي بالذات والشر مقضي بالعرض، إذ لا يوجد شر جزئ ما لم يتضمن خيرا كليا " رفع إلى سؤال من بعض الفضلاء، يسأل في تقرير هذا الكلام، فكتب عليه ما نصه، لاشك إن الشرائع كلها متفقة على النظر إلى جلب المصالح ودرء المفاسد، وكذلك أحكام القضاء والقدر جارية على سنن ذلك وإن خفى وجه ذلك على الناس في كثير منها ولهذا ورد في الحديث، " لا تتهم الله على نفسك " فإذا علم ذلك من المعلوم أن الله قدر الخير والشر كان مظنة أن يقول قائل: كيف قدر الشر وهو خلاف ما علم نظيره إليه شرعا وقدر أو هذه هي الشبهة التي تمسك بها المعتزلة. والجواب إن الشر اليسير إذا كان وسيلة إلى خير كثير كان ارتكابه مصلحة لا مفسدة، ألا ترى إن الفصد والحجامة وشرب الدواء الكريه وقطع السلعة ونحوها من الأمور المؤلمة لكونه وسيلة إلى حصول الصحة بحسن ارتكابها في مقتضى الحكمة ويعد خيراً لا شراً وصحة لا مرضا لاستلزامه ذلك.
فكذلك كل ما قضاه الله من الشر فإنما قضاه بحكمة بالغة وهو وسيلة إلى خير أعضم وأعم نفعا ولهذا ورد، لا تكرهوا الفتن فإن فيها حصاد المنافقين وورد " لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب

(2/507)


العجيب " فتقدير الذنوب وإن كانت شراً فليست لكونها مقصودة في نفسها بل لغيرها وهو السلامة من داء العجب التي هي خير عظيم، قال بعض المحققين: ولهذا قيل: يا من إفساده إصلاح، يعني أنما قدره من المفاسد فلتضمنه مصالح عظيمة اغتفر ذلك القدر اليسير في جنبها لكونها وسيلة إليها وما مدى إلى الخير فهو خير فكل شر قدره الله لكونه لم يقصد بالذات بل بالعرض لما يستلزمه من الخير الأعظم يصدق عليه بهذا الاعتبار إنه خير فدخل في قوله " بيدك الخير " فلهذا اقتصر عليه على وجه إنه شامل لما قصد أصلا ولما وقع استلزاما وهذه من مسألة ليس من الإمكان أبدع مما كان التي قدرها الغزالي وألفنا في شرحها كتاب تشييد الأركان فلينظره من أراد البسط والله أعلم.
قوله " روى أنه - صلى الله عليه وسلم - لما خط الخندق، إلى قوله: فنزلت " أخرجه بطوله بدون نزول الآية، البيهقي وأبو نعيم في الدلائل عن عمرو بن عوف المزني، وأخرجه ابن جرير عن قتادة مختصرا، وفيه نزول الآية. قال الشيخ سعد الدين: ضمير صد عنها ومنها للصخرة والمستكن للضربة وضمير لا بتيها للمدينة وهما حرتان يكتنفانها والحرة كل أرض

(2/508)


ذات حجارة سود كأنها محترقة من الحر، واللوب: الحوم حول الماء للعطش عند الازدحام وقيل العطش، واللام في، لكان، جواب قسم محذوف والحيرة: بكسر الحاء مدينة بقرب الكوفة، وتشبيه القصر بأنياب الكلاب في نباحها وصغرها وانضمام بعضها إلى بعض.
قوله: " وإخراج الحي من الميت "، إلى أخره، أخرجه ابن أبي
حاتم، عن ابن مسعود وابن عباس.
قوله: " وقيل إخراج المؤمن من الكافر " إلى آخره أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر ين الخطاب.
قوله: " مندوحة " أي سعة. في الأساس: ندحت المكان ندحا، وسعته، ولك في هذه الدار منتدح، متسع، ولك عنه مندوحة أي سعة.
قوله: " يصح أن يسمي ولاية " قال الطيبي: فيه إشارة إلى أن (من) في التنزيل بيانية (وفي شيء) خبر ليس.
قوله:
" توم عدوي ثم تزعم أنني .... صديقك ليس النوك عنك بعازب

(2/509)


وقبله:
فليس أخي من ودني رأي عينه ... ولكن أخي من ودني في المغايب
النوك: الحمق، والعازب: الغائب.
قوله: " أن تخاف من جهتهم ما يجب اتقاؤه "، قال الطيبي: يشير إلى أن اتقاؤه مصدر أقيم مقام المفعول به قوله: " أو اتقاء " أي أنه مفعول مطلق.
قوله: " والفعل معدى بمن لأنه بمعنى تحذروا وتخافوا " قال الشيخ سعد الدين: هذا يشعر بأن حذر وخاف يجيء متعديا بمن بخلاف اتقى فإنه ليس إلا متعديا بنفسه ولم نجد في كتب اللغة خاف وحذر إلا متعديا بنفسه.
قوله: " قال عيسى عليه الصلاة والسلام، كن وسطا وامش جانبا " قال الطيبي: أي ليكن جسدك مع الناس وقلبك في حظيرة القدس. وقال الشيخ سعد الدين: أي كن وسطا في معاشرتهم ومخالفتهم وامش جانبا من موافقتهم فيما يأتون ويذرون.
قوله: (يوم منصوب بنود) أي تتمنى كل نفس يوم تجد صحائف أعمالها أو جزاء أعمالها من الخير والشر حاضرة، لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له/.
(أمدا بعيدا) قال أبو حيان: الظاهر في بادئ النظر حسن هذا التخريج وترجيحه على غيره لكن في جواز هذه المسألة ونظائرها خلاف، وهي أن يكون الفاعل ضميراً عائدا على شيء اتصل بالمعمول للفعل، نحو غلام هند ضربت وثوبي أخويك يلبسان ومال زيد أخذ، فذهب الكسائي وجمهور البصريين جواز هذه المسألة ومنها الآية على تخريج الزمخشري أن الفاعل بتود هو ضمير عائد على شيء اتصل بمعمول " تود " وهو يوم لأن يوم مضاف إلى تجد كل نفس، والتقدير يوم وجدان

(2/510)


كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود. وذهب الفراء وأبو الحسن الأخفش وغيره من البصريين إلى أن هذه المسائل وأمثالها لا تجوز لأن هذا المعمول فضلة فيجوز الاستغناء عنه وعود الضمير على ما اتصل به ولهذه العلة امتنع زيداً أضرب وزيدا أظن قائما، والصحيح جواز ذلك.
قال الشاعر:
أجل المرء يستحث ولايد .... ري إذا يبتغي حصول الأماني
أي المرء في وقت ابتغائه حصول الأماني يستحث أجله ولا يدري، قال أبو حيان: وما عملت من سوء يجوز أن يكون في موضع نصب معطوفا على ما عملت من خير فيكون المفعول الثاني، إن كان تجد متعديا إلى مفعولين أو الحال إن كان متعديا إلى واحد محذوفا أي وما عملت من سوءا محضراً، وذلك نحو ضربت زيداً قائما وعمرا إذا أردت وعمراً قائما، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون " تود في موضع الحال " أي وادة تباعد ما بينها: وبين ما عملت من سوء فيكون الضمير في بينه عائداً على ما عملت من سوء وأبعد الزمخشري في عودة على اليوم لأن أحد القسمين اللذين أحضرا له في ذلك اليوم هو الخير الذي عمله ولا يطلب تباعد وقت إحضار الخير إلا بتجوز إذ كان يشمل على إحضار الخير والشر فتود تباعده لتسلم من الشر ودعه لا يحصل له الخير والأولى عوده إلى ما عملت من سوء لأنه أقرب مذكور ولأن المعنى أن السوء يتمنى في ذلك اليوم التباعد منه.
قوله: " أو بمضمر نحو أذكر " إلى أخره. قال الطيبي: الحاصل أنه يجوز على تقدير أذكر ناصبا لليوم في وما عملت وجهان الابتداء وتود خبره والعطف على ما عملت. قال: ويجوز أن يكون تود استئنافا كأن قائلا لما ألقي إليه الجملة الأولى سأل ما حال الناس في حال ذلك اليوم المهول. أجيب، تود الآية.
قوله: " ولا تكون ما شرطية لارتفاع " تود قال الشيخ سعد الدين:

(2/511)


عليه اعتراض مشهور وهو أنه إذا كان الشرط ماضيا والجزاء مضارعا جاز فيه الرفع والجزم من غير تفرقة بين إن الشرطية وأسماء الشرط
ولا يمتنع إطباق القراء على أحد الجائزين وإن كان مرجوحا، كقوله تعالى: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} وما يقال إن المراد الارتفاع على وجه اللزوم، إنما هو من جهة أن ورد كذلك ولا محال لتغيير نظر القرآن كما لزم في قول زهير:
وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم
محافظة على الوزن وقد يجاب بأن رفع المضارع في الجزاء شاذ كرفعه في الشرط نص عليه المبرد وشهد به الاستعمال حيث لم يوجد إلا في ذلك البيت. انتهى. وقال أبو حيان: الرفع مسموع من لسان العرب كثيرا بل قال أصحابنا أنه أحسن من الجزم ثم أورد منه غير بيت زهير قول أبي صخر:
ولا بالذي إن بان عنه حبيبه .... يقول ويخفى الصبراني لجازع
قول الآخر:
وإن سل ريعان الجميع مخافة ... يقول جهارا ويلكم لا تنفروا
وقول الآخر:

(2/512)


وإن بعدوا لا يأمنون اقترابهم .... تشوف أهل الغائب المتنظر
وقول الآخر:
فإن كان لا يرضيك حتى تردني .... إلى قطري لا إخالك راضيا
وقول الأخر:
أن يسألوا الخير يعطوه وإن خيروا .... في الجهد أدرك منهم طيب أخبار
قال: فهذا الرفع كما رأيت كثير ونصوص الأئمة على جوازه في الكلام إلا أنه يمتنع أن يكون ما في الآية شرطا لعلة أخرى لا لكون تود مرفوعا، وذلك لأن مذهب سيبويه أن النية بالمرفوع التقديم ويكون إذ ذاك دليلا على الجواب لا نفس الجواب، وحينئذ يؤدي إلى تقديم المضمر على ظاهره في غير الأبواب المستثناة لأن ضمير وبينه عائد على اسم الشرط وهو (ما) فيصير التقدير تود كل نفس لو أن بينها وبينه أمدا بعيداً ما عملت من سوء وذلك لا يجوز، وقال السفاقسى: الظاهر جواز أن يكون (ما) في الآية شرطا، وقد أجازه أبو البقاء. ورفع تود ليس بمانع على ما تقدم ولا ما ذكره أبو حيان، ولو تنزلنا معه على مذهب سيبويه، لأن الجملة لاشتمالها على ضمير الشرط يلزم تأخيرها، وإن كانت متقدمة في النية، ألا ترى أن الفاعل إذا أشمل على ضمير يعود على المفعول يمتنع تقديمه على المفعول عند الأكثر، وإن كان متقدما عليه في النية. وقال ابن هشام في المغني: امتنع الزمخشري من تخريجه على رفع الجواب مع مضي فعل الشرط، مع تصريحه في المفصل بجواز الوجهين في نحو، إن قام زيد أقوم ولكنه لما رأى الرفع

(2/513)


مرجوحا لم يستسهل تخريج القراءة المتفق عليها عليه يوضح لك هذا أنه جوز ذلك في قراءة شاذة مع كون فعل الشرط مضارعا وذلك على تأويله بالماضي فقال: قرئ " أينما تكونوا يدرككم الموت " برفع يدرك فقيل هو على حذف الفاء ويجوز أن يقال إنه محمول على ما يقع موقعه وهو، أينما كنتم كما جاء ولا ناعب على ما يقع موقع ليسوا مصلحين، وهو ليسوا بمصلحين، وقد يرى كثير من الناس كلام الزمخشري في هذه المواضع متناقضا والصواب ما بينت لك، انتهى. تنبيه، قال الشيخ ولي الدين العراقي في حاشيته على الكشاف، ومن خطه نقلت، ذكر أبو حيان من الأبيات الدالة على الرفع.
قولة: " إن تسألوا الخير يعطوه "، البيت: هو سبق ذهن أو قلم، فإن هذا ليس من أبيات الرفع، فإن المضارع فيه، وهو يعطوه، البيت مجزوم بحذف نونه، قلت: إنما أورده لقوله في تمامه وإن خيروا في الجهد أدرك منهم طيب أخبار، فإن فعل الشرط فيه ماض، والجواب وهو أدرك مضارع مرفوع وهذه صورة المسألة وأما إن يسألوا الخير يعطوه فالفعلان فيه مضارعان مجزومان وليس ذلك صورة المسألة فالشيخ ولي الدين هو الذي سهى في اعتراضه.
قوله: " وقرئ ودت وعلى هذا يصح أن يكون شرطية " قال الشيخ سعد الدين: قد يقال إن في الصحة كلاما لأن الجملة على تقدير الموصولية حال أو عطف على تجد والشرطية لا تقع حالاً ولا مضافا إليه الظرف فلم يبق إلا عطفها على أذكر وهو بتقدير صحته يخل بالمعنى وهو كون هذه الحالة والودادة في ذلك اليوم، ولا محيص سوى جعلها حالاً بتقدير مبتدأ، أي وهي ما عملت من سوء ودت.
قوله: " ولكن الحمل على الخبر أوقع " عبارة الكشاف الحمل على الابتداء وهي أحسن لأنها كما قال الشيخ سعد الدين تشعر بأنها إذا

(2/514)


جعلت شرطية لا تكون في موقع المبتدأ بل المفعول لأن عملت لم تشتغل بضميره بل بقي مسلطا عليه.
قوله: " كرره للتوكيد والتذكير "، قال الشيخ سعد الدين: الأحسن ما قيل أن ذكره أولاً للمنع عن موالاة الكافرين وثانيا للحث على عمل الخير والمنع عن عمل السوء.
قوله: " إشارة إلى أنه تعالى إنما نهاهم إلى آخره " قال الطيبي: فهو على الأول تتميم وعلى الثاني تكميل كمل به ليجمع بين صفتي القهر والرحمة تحريضا على الإنابة.
قوله: " المحبة ميل النفس " إلى آخره. قال الغزالي في الإحياء: الحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء المستلذ فإن تأكد ذلك الميل وقوي سمي عشقا والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب ماذا قوي سمي مقتا ولا تظن أن الحب مقصور على مدركات الحواس الخمس حتى يقال: إن الله سبحانه لا يدرك بالحواس ولا يتمثل في الخيال فلا يحب؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - سمى الصلاة قرة عين وجعلها أبلغ المحبوبات ومعلوم أنه ليس للحواس الخمس فيها حظ، بل جنس سادس مظنته القلب، والبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر والقلب أشد إدراكا من العين وجمال المعاني المدركة بالفعل أعظم من جمال الصور الظاهرة للإبصار فيكون لا محالة لذة القلوب مما تدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي تجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى، ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما في إدراكه لذة فلا ينكر إذا حب الله لا من قعد به القصور في درجة البهائم في يجز إدراك الحواس

(2/515)


أصلا، وقال الطيبي: فسر المتكلمون محبة العبد لله بأنها محبة طاعته وخدمته أو ثوابه أو إحسانه وأما العارفون فقد قالوا العبد يحب الله لذاته وأما حب طاعته وثوابه فهي درجة نازلة والقول الأول ضعيف، وذلك أنه لا يمكن أن يقال في كل شيء أنه إنما كان محبوبا لأجل معنى أخر فلا بد من الانتهاء إلى شيء يكون محبوبا لذاته، فكما يعلم أن اللذة محبوبة لذاتها كذلك يعلم أن الكمال محبوب لذاته وأكمل الكمالات لله تعالى فيقتضي كونه محبوبا لذاته من ذاته، وقال صاحب الفرائد، بعدما حكى نحواً من هذا المعنى وهذا أبلغ أنواع الحب، فعلى هذا حب العبد لله تعالى حقيقة بل المحبة الحقيقية مستحقة لله تعالى إذ كل ما يحب من المخلوقات فإنما يحب بخصوص أثر من آثار وجوده قال الطيبي: ويقال لما عظم ذاته وبين جلالة سلطانه بقوله سبحانه: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ} الآيات تعلق قلب العبد بمولى عظيم الشأن ذي الملك والملكوت والجلال والجبروت ثم لما ثني بنهي المؤمنين عن موالاة أعدائه وحذر عن ذلك غاية التحذير كرر فيها {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}، ونبه على وجوب استئصال تلك الموالاة، بقوله: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ} الآية، وأكد ذلك بالوعيد الشديد وذلك قوله: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ} الآية، زاد ذلك التعلق أقصى غايته واستأنف. قوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} كأنه تعالى يشير إلى أن عبيدي لم يتمالكوا أنفسهم عند ذلك بأن لا يسألوا بأي شيء ينال كمال المحبة وموالاة ربنا، فقيل لهم: بعد قطع موالاة أعدائنا تنال تلك الدرجة بالتوجه إلى متابعة حبيبنا إذ كل طريق سوى طريقه مسدود.
قوله: " جواب الأمر "، هو رأى عزى للخليل وأكثر المتأخرين

(2/516)


على أن مثل ذلك جواب شرط مقدر.
قوله: " وقيل: نزلت في وفد نجران " إلى آخره. أخرجه ابن إسحاق وابن جرير، عن محمد بن جعفر ابن الزبير.
قوله: " وقيل: في أقوام "، إلى آخره. أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، عن الحسن، مرسلا.
قوله: " أو بدل من الأولين "، قال أبو البقاء: لا يجوز أن يكون بدلاً من آدم، لأنه ليس بذرية، ورده أبو حيان، بأن الراغب، قال: الذرية يقال للواحد والجمع والأصل والنسل كقوله: {حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} أي آباءهم.
قوله: " فينتصب به إذ " أي بسميع على التنازع. قاله الشيخ سعد الدين فاندفع قول أبي حيان: إن النصب بسميع لا يجوز، للفصل بينه وبين إذ بعليم. إن كان خيراً وهو أجنبي، وكذا إن كان صفة لأن اسم الفاعل إذ وصف قبل: أخذ معموله لا يجوز إذ ذاك أن يعمل، وإن كان الحلبي رده أيضا بأن هذا القدر غير مانع، لأنه يتسع في الظرف وعديله مالا يتسع في غيره، ولذلك يقوم على ما في حيز ال الموصولة، وما في حيز أن المصدرية.
قوله: " بفتح الحاء المهملة والنون المشددة " وهي تأنيث اسم عبراني

(2/517)


قوله: " وكان يحيى وعيسى ابني خالة من الأب " قال الطيبي: قيل: كلام المصنف يدل على أن إيشاع ومريم بنتا عمران، لكن مريم من حنة، وإيشاع من غيرها لما ذكر أن حنة كانت عاقرا/ إلى أن عجزت وإيشاع كانت أكبر سنا من مريم ثم قال بعيد هذا: فقال لهم زكريا: أنا أحق بها عندي خالتها فتكون إيشاع أخت مريم وخالتها. قيل في العذر لا يبعد أن عمران تزوج أم حنة فولدت إيشاع وكانت حنة ربيبته، ثم تزوج حنة بعد ذلك بناء على أن ذلك كان جائزا في شريعتهم، فولدت مريم فتكون إيشاع أخت مريم من الأب وخالتها أيضا، وهو يوافق قوله بعد هذا رغب أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد أختها حنة فذكر أن حنة أخت إيشاع، فتكون إيشاع وحنة أختين من الأم " قال الطيبي: والظاهر ما روى محي السنة في المعالم، أن زكريا وعمران زوجا أختين، وكانت إيشاع بنت فاقود أم يحيى عن زكريا، وحنة بنت فاقود أم مريم عند عمران، وعليه ينطبق قول المصنف أولا: وروي أنها أي: حنة كانت عاقرا. إلى قوله: فحملت بمريم، وقوله. ثانيا: أنا أحق بها، عندي خالتها، وثالثه رغب في أن يكون له في إيشاع ولد مثل ولد أختها، إلى قوله: فإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أختها كذلك. وأما الحديث، رواه الشيخان " فإذا أنا يا بني الخالة، عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا " وما ذكره المصنف هنا فكأن يحيى وعيسى ابني الخالة فتأويله ما ذكره صاحب التقريب أن يحيى وأم عيسى وهي مريم: " ولدا خالة "، لأن إيشاع أم يحيى، وحنة أم مريم أختان. والغرض، أنه كان بين يحيى وعيسى هذه الجهة من القرابة وكان عيسى ابن بنت خالة يحيى، فأطلق عليه ابن الخالة لأن ابن بنت الخالة كابن الخالة إطلاقا مجازيا عرفيا وكثيرا ما يطلق الرجل اسم الخالة على بنت خالته لكرامتها عليه، ولكونه مربوبا عندها. هذا وجه التوفيق. انتهى.

(2/518)


قوله: " روي أنها كانت عجوزاً عاقراً "، إلى آخره أخرجه ابن جرير، عن ابن إسحاق، بتمامه، وعن عكرمة، نحوه " قوله: وكان هذا النذر مشروعا في عهدهم في الغلمان " أخرجه ابن جرير، عن قتادة والربيع قوله: " فلعلها بنت الأمر على التقدير " قال الطيبي: أي على تقدير العرف والعادة، أي إن كان ذكرا كان محرراً.
قوله: " ونصبه على الحال "، لم يبين مماذا. وقد قيل: إنه حال في " ما " وهو الأرجح، فالعامل نذرت، وقيل: من الضمير الذي في الجار والمجرور فالعامل استقر. قال أبو حيان: ويحتمل أن ينصب على المصدر، أي تحريرا لأنه في معنى نذرت قال: وعلى الحالية، هي مقدرة إن كان بمعنى مخلصا للعبادة ومصاحبة إن كان بمعنى معتقا.
قوله: " الضمير لما في بطنها، وتأنيثه لأنه كان أثنى، وجاز انتصاب انثى حالاً عنه؛ لأن تأنيثها علم منه " قال أبو حيان: هذا يؤول إلى أن أنثى حال مؤكدة، ولا يخرجه تأنيثه لتأنيث الحال على أن تكون الحال مؤكدة. وقال السفاقسي مراده أن الأصل تذكير الضمير باعتبار لفظ ما، أي وضعت ما في بطني أنثى، ولكن أنث لتناسب الحال المؤنثة، والضمير في الأصل للمذكر، وليس مراده من تأنيثة لتأنيث الحال عود الضمير على الحال حتى يلزمه أن تكون الحال مؤكدة.
قوله: " وإنما قالته تحسرا أو تحزنا " إلى آخره، جواب سؤال مقدر، أي إذا كان علم اللطيف الخبير محيطا بما وضعت، فأي فائدة في قولها: إني وضعتها أنثى؟ لأن الإخبار إما للفائدة أو لازمها.

(2/519)


والجواب أن ذاك مقتضى الظاهر، وربما تجعل الإخبار ذريعة إلى الامتنان أو التهديد أو إلى إظهار التحسر وهذا منه.
قوله: " وهو استئناف من الله تعظيما لموضوعها، أي ولدها الذي وضعته، وتجهيلا لها بشأنها ". معناه كما قال الطيبي: أنه تعالى يحكى حالها لغيرها، وشكى عنها تحسرها وحزنها على الموضوع. المعنى: اسمعوا قولها، وانظروا إلى تحسرها وحزنها تحقيراً للمولود العظيم الشأن فاحكموا بجهلها بذلك.
قوله: " على أنه من كلامها تسلية " إلى آخره، فعلى هذا لا يكون قوله: " والله أعلم بما وضعت " تجهيلا لأم مريم، بل نفيا لعلمها، لأن العبد ينظر إلى ظاهر الحال، ولا يعرف أسرار الله في كل شيء.
قوله: (بيان لقوله: " والله أعلم ") إلى آخره. قال الطيبي: وذلك أن قوله: " والله أعلم بما وضعت " وارد على تفخيم المولود وفضله على الذكر. يعني أنه قد تعورف بين الناس فضل الذكر على الأنثى، والله سبحانه هو الذي اختص بعلمه الشامل فضل هذه الأنثى على الذكر، فكان قوله. " وليس الذكر كالأنثى " بيانا لما اشتمل عليه الكلام الأول من التعظيم.
قوله: " واللام فيهما للعهد " قال الطيبي: أما التي في الأنثى فمعهود بقولها: " إني وضعتها أنثى " وأما التي في الذكر فبقولها: إني نذرت لك ما في بطني محرراً: لأن المحرر لا يكون إلا غلاما، أو طلبت أن ترزق ذكراً.

(2/520)


قوله: " وما بينهما " اعتراض. قال الطيبي: هذا إنما يصح على قراءة وضعت على الغيبة، لأنه كلام الله وأما على التكلم فلا، لأنه حينئذ من كلام أم مريم.
وقال الشيخ سعد الدين: فإن قيل: فعلى قراءة الغيبة، أو الخطاب يكون المعترضتان من كلام الله من غير حكاية، وما فيه الاعتراض أعني " إني وضعتها " " وإني سميتها " من كلام امرأة عمران، فكيف ذلك؟ قلنا: هما أيضا من كلام الله، لكن حكاية عن امرأة عمران ولا بعد في الاعتراض بكلام غير محكي بين كلامين محكيين، والحق أن هذا اعتراض في أثناء كلام واحد من متكلم واحد، وهو قوله: " قالت رب " إلى آخره. كما تقول: ضرب زيد عمراً ونعم ما فعل وبكرا وخالدا. فليتأمل.
قوله: " ما من مولود ". الحديث. أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة.
قال الطيبي: قوله: إلا والشيطان يسمه، كقوله: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ}.
في أن الواو داخلة بين الصفة والموصوف لتأكيد اللصوق فتفيد

(2/521)


الحصر على التأكيد.
قوله: " ومعناه أن الشيطان يطمع " إلى آخره. تبع الزمخشري في تأويل الحديث، وأخرجه عن ظاهره والزمخشري ماش في ذلك على منهج المعتزلة، فإنهم أنكروا الحديث، وقدحوا في صحته. قال الإمام: طعن القاضي عبد الجبار في هذا الخبر، وقال: إنه خبر واحد على خلاف الدليل.
وذلك إن الشيطان إنما يدعوا إلى الشر من له تمييز، ولأنه لو تمكن من هذا لجاز أن يهلك الصالحين، وأيضا لما خص عيسى وأمه دون سائر الأنبياء، ولأنه لو وجد النخس " لدام أثره ".
قال الإمام: وبمثل هذه الوجوه لا يجوز دفع الخبر الصحيح.
وقال صاحب الانتصاف: الحديث مدون في الصحيح فلا يعطله الميل إلى ترهات الفلاسفة.
وقال الطيبي: لا يبعد اختصاص عيسى وأمه بهذه الفضيلة من دون الأنبياء، ويمكنه الله من المس مع عصمتهم من الإغواء.
وقال الشيخ سعد الدين: طعن الزمخشري في صحة الحديث بمجرد أنه لم يوافق هواه، وإلا فأي امتناع في أن يمس الشيطان المولود حين يولد بحيث يصرخ كما يرى ويسمع وليست تلك المسة للإغواء ليدفع بأنه لا يتصور في حق المولود حين يولد.

(2/522)


قال: ثم أوله الزمخشري على تقدير الصحة بالمراد بالمس الطمع في إغوائه، واستثناء مريم وابنها لعصمتهما. ولما لم يخص هذا المعنى بهما عم الاستثناء لكل من يكون على صفتهما. وهذا إما تكذيب للحديث بعد تسليم صحته، وإما قول بتعليل الاستثناء والقياس عليه.
قال: وليت شعري من أين ثبت تحقق طمع الشيطان ورجاءه وصدقه في أن هذا المولود محل إغوائه: ليلزمنا إخراج كل من لا سبيل له إلى إغوائه، فلعله يطمع في إغواء من سوى مريم وأمها، ولا يتمكن منه.
قلت: والعجب من البيضاوي أشد فإنه تبع الزمخشري في تأويله، وقال: معناه أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يتأثر منه إلا مريم وابنها، فإن الله عصمهما. ووجه الأشدية أن الزمخشري ألحق بمريم وابنها سائر المعصومين، لأن الضرورة داعية على هذا التأويل إلى ذلك، والبيضاوي اقتصر على استثنائهما فأدى كلامه إلى أن كل من سواهما يتأثر في إغوائه، ومنهم بقية المعصومين، وهو باطل قطعا.
والصواب أن الحديث على ظاهره. وفي بعض طرقه أنه ضرب بينه وبينهما حجاب، وأن الشيطان أراد أن يطعن بإصبعه فوقعت الطعنة في الحجاب، وفي بعض الطرق عن ابن عباس: " ما ولد مولود إلا وقد استهل غير المسيح " أخرجه ابن جرير.
نعم، قال الشيخ سعد الدين: قد يشكل على ظاهر الحديث أن إعادة أم مريم كانت بعد الوضع، فلا يصح حملها على الإعاذة من المس الذي يكون حين الولادة. قال والجواب أن المس ليس إلا بعد الانفصال وهو الوضع ومعه الإعاذة، غايته أنه عبر عنه بالمضارع لقصد الاستمرار بخلاف الوضع

(2/523)


والتسمية قوله: " فرضي بها "، قال الطيبي: فسر القبول بالرضى وذلك أن من يهدي إلى أحد شيئا يرجو منه قبول هديته بوجه حسن، فشبه النذر بالإهداء ورضوان الله عنها بالقبول.
قوله: " أو يسلمها " عطف بيان على إقامتها.
قوله: " للسدانة " أي خدمة بيت المقدس.
قوله: " روى أن حنة لما ولدتها "، إلى آخره. قال الطيبي: بيان تسليمها، قلت: وقد أخرجه ابن جرير عن عكرمة وقتادة والسدي.
قوله: " وصاحب قرابينه " هو الذي على أمر القرابين في البيت الذي ينزل فيه النار، والقربان ما يتقرب به إلى الله.
قوله: " ويجوز أن يكون مصدراً على تقدير مضاف "، إنما احتاج إليه لأن القبول بالفتح اسم لما يتقبل به الشيء كالسعوط واللدود لما يسعط به ويلد.
قوله: " أي بذي قبول حسن "، قال أبو حيان: أي ذي قبول حسن وهو الاختصاص.
قوله: " مجاز عن تربيتها ". قال الطيبي أي استعاره فإن الزارع لم

(2/524)


يزل يتعهد زرعه بأن يسقيه عند الاحتياج ويحميه عن الآفات ويقلع ما عسى أن ينبت فيه من شوك لئلا يخنقه. وقال الشيخ سعد الدين هو بطريق الاستعارة، أو ذكر الملزوم وإرادة اللازم.
قوله: " سمي به لأنه محل محاربة الشيطان " قال أبو حيان: سمي به لتحارب الناس عليه وتنافسهم فيه وهو مقام الإمام من المسجد قوله: " روي أنه كان لا يدخل عليها غيره وإذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب " إلى آخره. أخرجه ابن جرير عن الربيع ابن أنس.
قوله: " قيل تكلمت صغيرة " قلت: قد أجمع اللذين تكلموا في المهد فبلغوا أحد عشر نفسا وقد نظمتهم فقلت:
تكلم في المهد النبي محمد .... ويحيى وعيسى والخليل ومريم
وميرة جريج ثم شاهد يوسف ... وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم
وطفل عليه مر بالأمة التي ... يقال لها: تزني ولا تتكلم

(2/525)


وماشطة في عهد فرعون طفلها .... وفي زمن الهادي المبارك تختم
قوله: " وكان رزقها ينزل عليها من الجنة "، أخرجه ابن جرير عن ابن عباس.
قوله: روى أن فاطمة أهدت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رغيفين، الحديث، أخرجه أبو يعلي في مسنده من حديث جابر وقد سقت لفظه في كتاب المعجزات.
قوله: " يستعار هنا وثم وحيث للزمان "، قال الزجاج: هنالك، في موضع نصب لأنه ظرف يقع في المكان وفي الأحوال.
والمعنى: ومن الحال دعاء زكريا كما يقول من هاهنا؟ قلت: كذا ومن هنالك قلت كذا أي من ذلك الوجه ومن تلك الجهة على المجاز.
قوله: " أي من جنسهم، كقولهم زيد يركب الخيل "، قال الزجاج: معناه أتاه النداء من هذا الجنس كما تقول ركب فلان في السفن أي في هذا الجنس وإنما ركب في سفينة واحدة، الشيخ سعد الدين: هو على طريقة نسبة حكم الفرد من الجنس إلى الجنس نفسه، نحو فلان يركب الخيل ويلبس الديباج وإن لم يلبس ولا يركب إلا واحدة، قلت وأوجه منه أنه من العام المراد به الخصوص.
قوله: " فإن المنادي كان جبريل وحده "، أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود.
قوله: " على إرادة القول "، أي إضماره، هو مذهب البصريين.

(2/526)


قوله: " ولأن النداء نوع منه " هو مذهب الكوفيين.
قوله: " كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدة الحويدرة " ويقال الحادرة لقب الشاعر اسمه قطبة ابن أوس/ ابن محصن ابن جرول، شاعر جاهلي، وإنما لقب الحادرة بقول زبان بن سيار الغزاري له:
كأنك حادرة المنكبيـ ...... ن رصعاء تنقض في حائر.
قوله [والحاضر الضخم] وكان الحادر ضخم المنكبين، أخرج أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني من طريق الأصمعي عن عمه قال سمعت شيخا من بني كنانة من أهل المدينة يقول: كان حسان ابن ثابت إذا قيل له: [كأنه] تنوشدت الأشعار في موضع كذا وكذا فهل أنشدت كلمة الحويدرة:
بكرت سمية غدوة فتمتع ..... وغدت غدو مفارق لم يربع
قوله: " روى أنه مرفى صباه بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت "، أخرجه عبد الرزاق في تفسيره عن قتادة موقوفا

(2/527)


وأخرجه ابن عساكر في تاريخه على معاذ بن جبل مرفوعا.
قوله: " ناشئا منهم أو كائنا من عداد من لم يأت كبيرة ولا صغيرة ".
قال الطيبي: من على الأول للإبتداء وعلى الثاني للتبعيض.
قوله: " وأحسن الجواب ما اشتق من السؤال "، أي انتزع منه، يريد أن الجواب بعد انطباق معناه على معنى السؤال ينبغي أن يراعى فيه حسن المناسبة بين الألفاظ كأنه لما سأل أنه يتلقى هذه النعمة بالشكر أجيب: بأن أيتك ألا تقدر على شيء من الكلام إلا على شكري قاله الطيبي.
قوله: " والإستثناء منقطع " إلى آخره. قال السفاقسي تعقب ابن الشجري في أماليه النصب على الإستثناء، قال ولكنه مفعول به منتصب بتقدير حذف الخافض فالأصل ألا تكلم الناس إلا رمزاً بتحريك الشفتين بلا لفظ من غير إبانة بصوت فالعامل الذي قبل إلا مفرغ في هذا النحو للعمل فيما بعدها بدليل أنك لو حذفت إلا وحرفي النفي استقام الكلام تقول في نحو ما لقيت إلا زيداً لقيت وما خرج إلا زيد خرج زيد وكذا لو قلت أتيك أن تكلم الناس رمزاً استقام وليس كذلك لو قلت ليس القوم في الدار إلا زيداً أو إلا زيد ثم حذفت النفي وإلا فقلت: القوم في الدار زيداً أو زيد، لم يستقم فكذا المنقطع نحو ما خرج القوم إلا حماراً، لو قلت: خرج القوم حماراً، لم يستقم.
قوله:
متى ما نلتقي فردين ترجف .... روانق إليتيك وتستطارا

(2/528)


قال ابن الشجري في أماليه كان عمارة ابن زياد العبسي يحسد عنترة على شجاعته إلا أنه كان يظهر تحقيره ويقول لقومه إنكم قد أكثر تم من ذكره ولوددت أني لقيته خاليا حتى أريحكم منه وحتى أعلمكم أنه عبد فبلغ عنترة ما يقول عمارة فقال:
أحولي تنقض أستك مدرويها .... لتقتلني فها أنا ذا عمارا
متى ما نلتقي فردين ترجف .... روانف إليتيك وتستطارا
وسيفي صارم قبضت عليه .... أصابع لا ترى فيها انتشارا
حسام كالعقيقة فهو كمعي .... سلاحي لا أفل ولا فطارا
ومطرد الكعوب أحص صدق ..... تخال سنانه في الليل نارا
ستعلم أينا للموت أدنى ..... إذا دانيت بي الأسل الحرار
وخيل قد دلفت بخيلي .... عليها الأسد تهتصر اهتصارا
قال ابن الشجري: المذروان جانبا الإليتين المقترنان ومن كلام العرب جاء ينفض مذرويه إذا جاء يتهدد، وفردين ويروى خلوين أي خاليين من الفاعل والمفعول معا ويروى بزدين أي بارزين وترجف تضطرب والرانفة طرف الإلية الذي يلي الأرض إذا كان الإنسان قائما، وأراء بالروانف التثنية، لأنه ليس للا ليتين إلا راتفتان ولذلك ثني ضمير تستطارا. قال ابن الشجري: ومعنى تستطار تستخف. ويحتمل. قوله: تستطارا وجهين من الإعراب أن يكون مجزوما معطوفا على جواب الشرط وأصله تستطاران فقطت نونه للجزم والألف على هذا ضمير عائد

(2/529)


على الروانف وعاد إليها وهي جمع ضمير تثنية لأنها من الجموع الواقعة في موقع التثنية نحو قولك وجوه للرجلين فعاد الضمير على معناها دون لفظها إذ المعنى رانفتا إليتيك كما أن معنى الوجوه من قولك حيا الله وجوهكما معنى الوجهين لأنه لا يكون لواحد أكثر من وجه كما أنه ليس للإلية إلا رانفة واحدة.
الوجه الثاني أن يكون نصبا على الجواب بالواو بتقدير وأن تستطار فالألف على هذا لإطلاق القافية والتاء للخطاب وهي في الوجه الأول للتأنيث ويجوز أن تجعل التاء في هذا الوجه أيضا لتأنيث الروانف والعقيقة الشقة من البرق واللمع الضجيج. قوله: لا أفل ولا فطارا أي لا فل فيه ولا فطر والفل: الثلم. والفطر، الشق. وموضع قوله كالعقيقة رفع وصف لحسام ففي الكاف ضمير عائد على الموصوف وانتصاب أفل على الحال من المضمر في الكاف والعامل في الحال ما في الكاف من معنى التشبيه والتقدير حسام يشبه العقيقة غير منفعل ولا منفطر.
قوله: ومطرد الكعوب أي ليس في كعوبه اختلاف والكعوب من الرمح العقد ما بين كل أنبوبين كعب والأحص الأملس والصدق الصلب والأسل الرماح والحرار العطاش والدليف المشي الرويد وهو فويق الدبيب وهو مشي الكتيبة وتهتصر تجتذب أقرانها. انتهى.
قوله: " وإرهاصا " قال الشيخ سعد الدين: هو تأسيس النبوة بطريق الخوارق قبل البعثة كإظلال الغمام لنبينا - صلى الله عليه وسلم - في طريق الشام. وقال الطيبي: أي تأسيسا وإحكاما، من الرهص وهو الساق الأسفل من الجدار الأساس: ومن المجاز رهص الشيء أثبته وأسسه.

(2/530)


قوله: " فإن الإجماع على أنه تعالى لم يستنبئ امرأة "، قلت: دعوى الإجماع عجيب، فإن الخلاف في نبوة نسوة موجود، خصوصا مريم، فإن القول بنبوتها شهير، بل قال الشيخ تقي الدين السبكي في الحلبيات إلى ترجيحه، وقال: إن ذكرها مع الأنبياء في سورة الأنبياء قرينة قوية لذلك: " قوله: قرفها اليهود " وهو بالقاف وراء وفاء، يقال: قرفت الرجل: عبته، وهو يقرف بكذا، أي: يرمي به ويتهم.
قوله: " والمراد تقرير كونه وحيا "، إلى آخره.
قال الطيبي: تقريره أن مقتضى الظاهر أن يقال: ذلك من أنباء الغيب، وما سمعت هذا النبأ من أحد، ولا قرأته في كتاب لأن هذا متوهم منه، فاحتيج إلى دفع التوهم، لا المشاهدة فإنها منتفية، لاشك في انتفائها، فلا يحتاج إليه.
فلم نفيت المشاهدة، وترك ذلك. وخلاصة الجواب أن المراد من نفي المشاهدة إثبات الحجة، والاحتجاج على أهل الكتاب أن يقال بطريق التقسيم الحاصر، ولاشك أن عدم السماع والقراءة محقق عند اليهود، وقد علموا ذلك علما يقينا لا ريب فيه، وإنما كانوا ينكرون الوحي.
فأريد إثبات المطلوب بطريق برهاني، فقيل: طريق العلم فيما انبئكم به، إما السماع والقراءة، وإما الوحي والإلهام وإما الحضور والمشاهدة، فالأولان منتفيان عندكم، بقي الثالث. فنفى تهكما بهم، وإنما خص هذه دون الأولى للتهكم، لأنه لو نفى الأول لم يكن من التهكم في شيء لمجال الوهم فيه دونه.
قوله: أو بقوله: " أيهم يكفل ".
قال الشيخ سعد الدين: تعلقه بالقول لا يفيد فائدة يعتد بها.
قوله: " بدل من إذ قالت الأولى ".
قال الحلبي: فيه بعد لكثرة الفاصل بين البدل والمبدل منه.

(2/531)


قوله: في زمان متسع، كقولك: لقيته سنة كذا.
أي مع أنك لم تلقه إلا في جزء من أجزاء السنة، فيكون قوله: (إذ يختصمون) إشارة إلى جميع ذلك الزمان، وكذا إذ قالت الملائكة، فكل من زمان الاختصام، وزمان البشارة على طريقة لقيته سنة كذا، قاله الطيبي.
قوله: " وعيسى معرب أيسوع، معناه السيد ".
قوله: أي يكلمهم حال كونه طفلا وكهلا. إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: إشارة إلى أن الحال مجموع المعطوف والمعطوف عليه، لا أن كلا منهما مستقل بالحالية. انتهى والذي ذكره أبو حيان: أن كلا حال.
فإن قلت: ما الفائدة في البشارة بكلامه كهلا، والناس في ذلك سواء؟
قلت: التبشير بحياته إلى سن الكهولة.
قوله: " كلام مبتدأ " قال أبو حيان: فإن عنى أنه استئناف إخبار من الله، أو عن الله على اختلاف القرائتين فمن حيث ثبوت الواو، لابد أن يكون معطوفا على شيء قبله، فلا يكون ابتداء كلام إلا أن يدعى زيادة الواو في " ويعلمه "، فحينئذ يصح ان يكون ابتداء كلام، وإن عنى أنه ليس معطوفا على ما ذكر، فكان ينبغي أن يبين ما عطف عليه، وأن يكون الذي عطف عليه ابتداء كلام حتى يكون المعطوف كذلك.
قال الحلبي: هذا الاعتراض غير لازم، لأنه لا يلزم من جعله كلاما مستأنفا أن يدعى زيادة الواو، لا أنه لابد من معطوف عليه، لأن

(2/532)


النحويين وأهل البيان نصوا على أن الواو تكون للاستئناف، بدليل أن الشعراء يأتون بها في أوائل أشعارهم من غير تقديم شيء يكون ما بعدها معطوفا عليه والأشعار مشحونة بذلك، ويسمونها الاستئناف.
وقال السفاقسي: عطف الجمل على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون من الجمل الصالحة لمعمول ما تقدم، فيكون حكمها في العطف حكم المفرد في التشريك، نحو: كان زيد قائما وعمرو قاعدا.
الثاني: أن تكون فعلية تقدم قبلها معمول عامل يصح أن يكون الفعل معطوفا عليه باعتبار عامله وهذا العطف إنما هو باعتبار العامل دون متعلقة من فاعل ومفعول، لاختلاف المتعلقات، كقولك: أريد أن يضرب زيد عمراً، ويكرم بكر خالداً، فعطف يكرم خاصة دون متعلقة على يضرب خاصة، ألا ترى أن معنى التشريك في الفعلين حاصل مراد دون متعلقهما.
الثالث: أن يكون المراد من عطف الجملتين حصول مضمونهما خاصة، كقولك: قام زيد، وخرج عمرو، كأنك قلت: حصل قيام زيد، وخروج عمرو، ولخصته من شرح المفصل لابن الحاجب.
قال السفاقسي: فيمكن أن يكون المراد بقوله كلاما مبتدأ أي مستقلا، وهو الوجه الثالث، ويكون عطف على قوله: وإذ قالت: باعتبار حصول مضمون الجملتين، ويصح أن يكون معطوفا بالمعنى الثاني على معمول القول، وهو قوله: " إن الله يبشرك "، أي قالت ويعلمه، وهو غيرما ذكر من الوجهين. انتهى.
قوله: " أو عطف على يبشرك أو وجيها ".
قال أبو حيان: القولان بعيدان لطول الفصل ولا يقع مثله في لسان العرب، وقال الشيخ سعد الدين: إنما يحسنان بعض الحسن على قراءة

(2/533)


الياء، وأما على قراءة النون فلا يحسن إلا بتقدير القول، أي إن الله يبشرك بعيسى وبقوله: نعلمه أو وجيها ومقولا فيه نعلمه.
قوله: منصوب بمضمر على إرادة القول. إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: لا يتأتى هذا على عطف نعلمه على يبشرك إذ يكون التقدير إن الله يبشرك، وبقول عيسى كذا عطفا على الخبر ولا رابط إلا بتكلف عظيم. قال أبو حيان: هذا الوجه ضعيف إذ فيه إضمار شيئين القول ومعموله وهو أرسلت، والاستغناء عنهما باسم منصوب على الحال المؤكدة. قال: والأولى أن يكون على إضمار جعل، تقديره ويجعله رسولا.
قوله: مضمنا معنى النطق. إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: لا يخفى إن في هذا نوع خروج عن قانون التضمين.
قوله: " الضمير للكاف "، قال ابن هشام: وقع مثل ذلك في كلام غيره، ولو كان كما زعموا لسمع في الكلام مررت بكالأسد.
قوله: " روى أنه ربما كان يجتمع عليه ألوف من المرضى من أطاق منهم أتاه ". إلى آخره، أخرجه ابن جرير عن وهب بن منبه.
قوله: " عطف على رسولا "، إلى آخره. قال أبو حيان: هو عطف
على (بأية) إذ الباء فيه للحال، أي وجئتكم مصحوبا بأية من ربكم ومصدقا، ومنعوا كونه معطوفا على رسولا أو وجيها، لأنه يستلزم حينئذ كون ضمير بين يدي غائبا إلا أن قد رسولاً بإضمار أرسلت.

(2/534)


قوله: " مقدر بإضماره "، أي بإضمار فعل دل عليه قد جئتكم: أي وجئتكم لأجل.
قوله: " أو مردود على قوله: قد جئتكم بأية "، أي فيكون عطفا على (بأية)، فعلى هذا هو من عطف المفردات وعلى ما قبله من عطف الجمل أشار إليه الشيخ سعد الدين وقال: إن الأول هو التحقيق إذ لا وجه لعطف المفعول له على المفعول به إلا أن جعل (بأية) حالا، فإنه يستقيم العطف له ولمصدقا. انتهى. وقال أبو حيان: لا يستقيم ما قاله المصنف، لأن (بأية) في موضع الحال، (ولأحل) تعليل ولا يصح عطف التعليل على الحال، لأن الواو توجب التشريك في جنس المعطوف عليه، فإن عطفت على مصدر أو مفعول به أو حال أو ظرف أو تعليل أو غير ذلك.
شاركه في ذلك المعطوف. قال الحلبي: ويحتمل أن يجاب بأنه أراد الرد على (بأية) من حيث/ دلالتها على عامل مقدر.
قوله: " والثروب " جمع ثرب وهو سخم رقيق يغشى الكرش.
قوله: " ونظيره قوله عليه الصلاة والسلام: " قل أمنت بالله ثم استقم " " أخرجه أحمد والبخاري في تاريخه ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، على سفيان الثقفي، أن رجلا قال: يا رسول الله مرني بأمر في

(2/535)


الإسلام لا أسأل أحداً عنه بعدك. قال: " قل أمنت بالله ثم استقم ".
قوله: " من الحور "، قال الشيخ سعد الدين: كأنه نسب إليه، وزيادة الألف من تغييرات النسب قوله: " ومنه الحوريات " قال ابن خلدة:
فقل للحواريات يبكين غيرنا .... ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح
قوله: " قصارون " أخرجه ابن جرير، عن أبي أرطاة.
قوله: " أو الحجة أمة محمد فإنهم شهدوا على الناس "، أخرجه الفريابي بسند صحيح عن ابن عباس، وما قاله الشيخ سعد الدين في توجيه مرجوحيته من خفاء وجه الدلالة على هذا المعهود ممنوع بأن هذه الأمة لم تزل مشهورة بين الأمم بهذا الوصف كما دلت عليه الأحاديث والآثار.
قوله: غيلة، هي بالكسر النوع من الإغتيال وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع فإذا صار إليه قتله.
قوله: " والمكر من حيث إنه في الأصل "، إلى آخره، ذهبت طائفة إلى أن اللفظ ليس بمتشابه وإن المكر عبارة عن التدبير المحكوم الكامل ثم اختص بالتدبير في إيصال الشر خفية وذلك غير ممتنع.

(2/536)


قوله: " أي متوفي أجلك "، إلى آخره.
قال الطيبي: أي قوله: (إني متوفيك) بمعنى مميتك كناية تلويحية عن العصمة لأن التوفي لازم لتأخيره إلى أجل كتب الله له وتأخيره ذلك لازم لإماته الله إياه حتف أنفه وهو لازم لعصمته من أن يقتله الكفار.
قوله: " توفيت مالي " قال الطيبي: ما موصولة، أي الذي لي.
قوله: " روي أنه رفع نائما " أخرجه ابن جرير عن الربيع.
قوله: " وقيل أماته الله سبع ساعات "، أخرجه ابن جرير عن ابن إسحاق قال: النصارى يزعمون أنه توفاه سبع ساعات من النهار ثم أحياه.
قوله: " يعلونهم " قال الشيخ وسعد الدين: تفسير للفوقية بأنها رتبة شرفية لا مكانية.
قوله: " تفسير للحكم " قال الشيخ سعد الدين: اعترض بأن الحكم مرتب على الرجوع إلى الله وذلك في القيامة لا محالة فكيف يصح في تفسيره العذاب في الدنيا؟ وأجيب بوجوه: الأول أن المقصود التأبيد وعدم الإنقطاع من غير نظر إلى الدنيا والآخرة كما في قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ}.
الثاني أن المراد بالدنيا والآخرة مفهومها اللغوي أي الأول والآخر ويكون ذلك عبارة عن الدوام وهذا أبعد من الأول جداً.
الثالث أن المرجع أعم من الدنيوي والأخروي، وكونه بعد جعل الفوقية الثانية إلى يوم القيامة لا يوجب كونه بعد ابتداء يوم القيامة وعلى هذا فتوفية الأجور أيضا تتناول نعيم الدارين ولا يخفى إن في لفظ كنتم، في قوله (فيما كنتم فيه تختلفون) بعد نبوة عن هذا المعنى وأن المعنى أحكم بينكم في الآخرة فيما كنتم فيه تختلفون في الدنيا.

(2/537)


الرابع أو العذاب في الدنيا هو الفوقية عليهم والمعنى أضم إلى عذاب الفوقية السابقة عذاب الآخرة وهذا بعيد من اللفظ جداً إذ معنى أعذبه في الدنيا والآخرة ليس إلا أني أفعل عذاب الدارين إلا أن يقال إن اتحاد الكل لا يلزم أن يكون باتحاد كل جزء فيجوز أن يفعل في الآخرة تعذيب الدارين بأن يفعله به عذاب الآخرة وقد فعل في الدنيا عذاب الدنيا فيكون تمام العذابين في الآخرة.
قوله: " جملة مفسرة للتمثيل "، إلى آخره، قال الطيبي أي أنها بيان لما يدل على وجه التشبيه بأخذ الزبدة والخلاصة التي يعطيها التركيب وهي كونه وجد من غير أب.
قوله: " خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - على طريق التهيج "، قال الطيبي: في هذا الأسلوب فائدتان. إحداهما أنه صلوات الله عليه وسلامه إذا سمع مثل هذا الخطاب تحرك منه الأريحية فيزيد في الثبات على اليقين، وثانيهما أن السماع يتنبه بهذا الخطاب على أمر عظيم فينزع عما يورث الإمتراء لأنه صلوات الله وسلامه لجلالته إذا خوطب بمثله فما يظن بغيره، وإلى هذين المعنيين الإشارة بقوله: لزيادة الثبات وأن يكون لطفا لغيره.
قوله: " أي من البينات الموجبة للعلم " قال الطيبي: أي اللام في العلم للعهد وهو تلخيص الدليل الموجب، لأن عيسى عليه الصلاة والسلام مخلوق من مخلوقاته وليس بابن له سبحانه ولا تفاوت بين عيسى وبين آدم المخلوق من التراب المكون بكلمة التسخير ويدل على أن البينة الموجبة للعلم ذلك قوله تعالى: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} يعني إذا عاندوا الحق بعد ذلك لم يبق إلا الدعوة إلى الملاعنة

(2/538)


وتعجيزهم بالمباهلة التي تستأصلهم من سنيحهم.
فقوله: الحق، وقوله: العلم، يعبران عن تلخيص الدليل.
قوله: " من قولهم بهلت الناقة إذا ترتكتها بلا صرار " هو خيط يشد فوق حلمة الناقة لئلا يرضعها فصيلها.
قوله: " روي إنهم دعوا إلى المباهلة " إلى آخره. أخرجه أبو نعيم في الدلائل من طرق عن ابن عباس وغيره مفرقا.
قوله: " بالفصل في أمر صاحبكم "، قال الطيبي: يعني به ما يشير إليه قوله تعالى: {قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} أي فصل بينكم وبين اليهود حيث قلتم عيسى ابن الله وثالث ثلاثة، وقالوا: هو ساحر كذاب، وقول الحق هو عيسى.
قوله: " فإن أبيتم إلا إلف دينكم "، قال الطيبي: الاستثناء مفرغ لأن في أبى معنى النفي، يعني إن لم تقبلوا دين الإسلام ولم ترغبوا في شيء إلا إلف دينكم.
قوله: " فوادعوا الرجل " في النهاية: الموادعة المتاركة وإعطاء كل واحد الآخر عهدا ألا يقاتله.
قوله: " فقال أسقفهم " هو اسم سرياني لرؤساء النصارى وعلمائهم.

(2/539)


قوله: " روي أنه لما نزلت: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ} الحديث " أخرجه الترمذي وحسنه، من حديث عدي بن حاتم.
قوله: " تنازعت اليهود والنصارى في إبراهيم وزعم كل فريق أنه منهم وترافعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت " أخرجه ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس.
قوله: " أي أنتم هؤلاء الحمقى "، قال الطيبي: يعني قصد باسم الإشارة وهو " هؤلاء " تحقير شأنهم وتركيك عقولهم.
قوله: " جادلتم فيما لكم به علم مما وجدتموه في التوراة والإنجيل " قال الإمام: فيما لكم به علم، لم يصقد بالعلم حقيقته. وإنما أراد: هب إنكم تستجيزون محاجته فيما تدعون علمه فيكف تحاجون فيما لا علم لكم به ألبتة.
قوله: " وقيل هؤلاء بمعنى الذين " هو مذهب الكوفيين.
قوله: " ها أنتم، أصله أأنتم " إلى آخره. قال أبو حيان: لا يحسن لأن
إبدال همزة الاستفهام هاء لم يسمع، لا يحفظ من كلامهم هتضرب زيداً بمعنى أتضرب زيداً إلا في بيت نادر، ثم الفصل بين الهاء المبدلة منها وهمزة أنتم لا يناسب لأنه إنما يفصل لاستثقال اجتماع الهمزتين وهنا قد زال الاستثقال بإبدال الأولى هاء.

(2/540)


قوله: " والله يعلم علم ما حاججتم فيه " الطيبى فإن قلت لم زيد (علم)؟ قلت: ليس الكلام في التهديد وأن الله يعلم محاجتهم فيجازيهم على عنادهم بل في إزالة الجهل وبيان حقيقة المجادلة أو بطلانها ولذلك أتبع ذلك بقوله: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ} الآية.
قوله: " وليس المراد أنه كان على ملة الإسلام " الذي في الكشاف إن المراد من قوله مسلما أنه عليه السلام كان على ملة الإسلام أي التوحيد. قال الطيبي: وينصره قوله: " وما كان من المشركين ".
قوله: " كلابس ثوبي زور " أوله " المتشبع بما لم يعط " والحديث أخرجه مسلم من حديث عائشة.
قوله: " وقيل اثنى عشر من أحبار خيبر " إلى آخره. أخرجه ابن جرير عن السدي.
قوله: " متعلق بمحذوف أي دبرتم ذلك وقلتم لأن يؤتى أحد "، إلى آخره، قال ابن المنير فيه إشكال لوقوع أحد في الواجب لأن الاستفهام للإنكار إيجاب، ويمكن أن يقال روعيت صورة الاستفهام وإن لم يكن المراد حقيقته فحسن دخول أحد فيه، وقيل عامل اليهود رجالا من قريش فلما أسلموا تقاضوهم إلى

(2/541)


أخره، أخرجه ابن جرير عن ابن جريج.
قوله: " عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال عند نزولها " كذب أعداء الله " ما من شيء في الجاهلية إلا هو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤاداة إلى البر والفاجر " أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير، مرسلا، قال الشيخ سعد الدين: قوله تحت قدمي أي منسوخ متروك. وقال الطيبي. مثل لإبطال الشيء.
قوله: " وعموم المتقين ناب عن الراجع الجزاء إلى " من "، قال الشيخ جمال الدين ابن هشام الظاهر إنه لا عموم فيها وإن المتقين متساوون لمن تقدم ذكره، وإنما الجواب محذوف تقديره يحبه الله.
قوله: " قيل إنها نزلت في أحبار حرفوا التوراة وبدلوا نعمت محمد - صلى الله عليه وسلم - " أخرجه ابن جرير عن عكرمة.
قوله: " وقيل نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد اشتراها بما لم يشترها به " أخرجه ابن جرير عن مجاهد والشعبي، وأخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن أبي أوفى " أن رجلا أقام سلعة له في السوق فحلف والله لقد أعطي بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين " فنزلت هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} إلى آخر الآية.

(2/542)


قوله: " وقيل في ترافع كان بين أشعث بن قيس ويهودي في أرض وتوجه الحلف على اليهودي " أخرجه الأئمة الستة وغيرهم من حديث ابن مسعود.
قوله: " يفتلونها بقراءته فيميلونها عن المنزل إلى المحرف " قال الطيبي: أي يفتلون الألسنة في القراءة لتصير الصحيحة محرفا ويحسب المسلمون أن المحرف من التوراة فيلتبس عليه الأمر. الأساس فتلته صرفته فانفتل.
قوله: " أو يعطفونها بشبه الكتاب " الطيبي. قال صاحب المغرب: استعطف ناقته أي عطفها بأن جذب زمامها ليميل رأسها. والمراد بها الإيهام في الكلام أي كانوا يوهمون المسلمين أن ذلك من نفس الكتاب، ومن ثم قال بشبه الكتاب والضمير في " لتحسبوه " راجع إلى هذا المضاف المحذوف، والفرق أنهم على الأول كانوا يتركون النص ويقرون ما بدلوا به.
قوله: (" وقيل إن أبا رافع القرظي والسيد النجراني قالا يا محمد أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا فقال " معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني " فنزلت) أخرجه ابن

(2/543)


إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس.
تنبيه: قول المصنف في سياق الحديث: فقال: معاذ الله أن نعبد غير الله وأن نأمر بغير عبادة الله، قال الزمخشري فيما نقله الطيبي: نأمر بعبادة غير الله أحسن طباقا لما سبق في المتن لأن الكلام لم يقع في نفيهم عن أنفسهم الأمر بغير عبادة الله بل بعبادة الله ألا ترى إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -: " أن نعبد غير الله " ولم يقل أن نفعل غير عبادة الله. قال الطيبي: والحديث مروي في معالم التنزيل للبغوي، بلفظ، معاذ الله أن نأمر بعبادة غير الله قلت: ولفظ الكتب التي خرجته منها فقال معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بعبادة غير الله. ثم قال الطيبي: والزمخشري وجد الرواية كما ذكرها فلم تطوع له نفسه لفصاحته أن يقبله لنبوء المقام عنه فذكر ما ذكر وكان على ما ذكر لله دره قال ولناصر الرواية الأخرى أن يقول: إن قولهم: أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا يحتمل أنهم توهموا الشركة في العبادة بين الله وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنفى ذلك على الوجه الأبلغ أي معاذ الله أن نأمر بغير عبادة الله يعني أمري مقصور بالأمر بعبادة الله لا يتجاوز إلى غير عبادته فكيف أمر بعبادتي؟.
قوله: " وقيل قال رجل: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ " إلى آخره. أخرجه عبد ابن حميد في تفسيره عن الحسن، قال: بلغني، فذكره.

(2/544)


قوله: " كالجماني " أي وافر الجمة.
قوله: " والرقباني " أي غليظ الرقبة.
قوله: " وتكون (لا) مزيدة " أي لا مؤسسة لأنه يصير المعنى حينئذ: ما كان له ألا يأمركم/ أن تتخذوا فيكون له الأمر بالإتخاذ وهو فاسد.
قوله: " دليل على أن الخطاب للمسلمين " إلى آخره. قال الطيبي: يعني هذه الفاصلة ترجح قول من قال: إن الآية نزلت فيهم لا في أبي رافع والسيد. قال ويجوز أن يقال للنصرانيين أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون أي منقادون مستعدون لقبول الدين الحق إرخاء للعنان واستدراجا.
قوله: " وسماهم ربيين تهكما بهم ". قال الحلبي: هذا بعيد جداً إذ لا قرينة تبين ذلك.
قوله: " موطنة " من وطؤ الموضع صار وطيئا ووطأته أنا توطئة فهذه اللام كأنها وطأت طريق جواب القسم أي سهلت فهم الجواب على السامع.
قوله: " وما تحتمل الشرطية ولتؤمنن ساد مسد جواب القسم والشرط "، قال أبو حيان: في جعل ما شرطية خدش لطيف، وذلك لأنه إذا كانت شرطية كان الجواب محذوفا لدلالة جواب القسم عليه والمحذوف لابد وأن يكون من جنس المثبت ومتى قدر الجواب هنا من جنس جواب القسم لم يجز، لأنه تعد وجملة الجواب من ضمير يعود على اسم الشرط إذ ضمير به عائد على الرسول لا على ما، وإن قدر من غير جنسه لم يجز. قال: وقوله: (لتؤمنن) ساد مسد الجوابيين مخالف لما نصوا عليه من أن جواب الشرط محذوف إلا إن عني من حيث تفسير المعنى لا تفسير

(2/545)


الإعراب انتهى. وقال الحلبي في كلام المصنف نظر من حيث إن لام التوطئة إنما تكون مع أدوات الشرط وتأتي غالبا مع أن. أما مع الموصول فلا، فلو جوز في اللام أن تكون موطنة وأن تكون للإبتداء ثم ذكر في " ما " الوجهين من حملنا كل واحد على ما يليق به.
قوله: " وتحتمل الخبرية " أي الموصولة فهي مبتدأ والعائد محذوف أي أتيتكموه والخبر محذوف أي يوقنون به. قاله الشيخ سعد الدين.
قوله: " لأجل ايتائي " إلى آخره.
قال أبو حيان: ظاهره أن اللام متعلقة بقوله: (لتؤمنن به)، وهو ممنوع، لأن لام القسم لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
وقال الشيخ سعد الدين: ظاهر كلامه، أن اللام متعلقة بقوله: (لتؤمن). وليس كذلك، بل هو بيان للمعنى، وأما بحسب اللفظ فمتعلق بأقسم المحذوف صرح بهذا في الكشاف، في قوله: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ}.
قوله: " ثم مجيء رسول مصدق " قال الطيبي: الحاصل أن أخذ الميثاق وارد على شيء له موجبان، أحدهما قوله: " لما أتيتكم من كتاب "، أي إنكم أهل كتاب وعلم، تعرفون أمارات النبوة وشواهد على صدق من ادعاها، لاسيما وذكره مسطور في كتابكم. وثانيهما: قوله: " ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ليؤمنن به " وتقريره أن يقال: أن أصوله موافقة لأصولكم في التوحيد ومع هذا هو مصدق للتوراة والإنجيل، وإنهما من عند الله فعلى هذا قوله: لأجل أني آتيتكم تعليل لقوله: "

(2/546)


لتؤمنن به " لا لأخذ الميثاق فيجتمع عليه القسم والسببان للتوكيد.
قوله: " ولما بمعنى حين "، قال أبو حيان: هو خلاف مذهب سيبويه، ولم يقدر المصنف جوابا (لما) وقدره الزمخشري، وجب عليكم الإيمان به ونصرته.
قوله: " أو لمن أجل ما أتيتكم "، قال أبو حيان: يلزم على هذا أن تكون اللام في (لما) زائدة لا موطئة لأن الموطئة لا تدخل على حروف الجر إنما تدخل على أدوات الشرط.
قوله: " فحذف إحدى الميمات "، قال ابن جني: هي الأولى قال الحلبي: وفيه نظر لأن الثقل إنما حصل بعدها ولذا كان الصحيح في نظائره إنما هو حذف الثواني وقد ذكر أبو البقاء أن المحذوف هي الثانية لضعفها لكونها بدلا وحصول التكرير بها.
قوله: " كعبر وعبر "، يقال: ناقة عبر أسفار وعبر أسفار وهي المعدة للأسفار. قال الشيخ سعد الدين: وكذا جمل عبر أسفار وجمال عبر أسفار يستوي في ذلك الواحد والجمع والمؤنث مثل الفلك: الذي لا يزال يسافر عليها.
قوله: " جمع أصار " هو حبل قصير يعقد به أسفل الجنادي " الوتد ".
قوله: " عطف على الجملة المتقدمة والهمزة متوسطة بينهما للإنكار أو محذوف تقديره أيتولون فغير دين الله يبغون "، قال ابن هشام في المغنى: الأول هو مذهب سيبويه والجمهور، وجزم به الزمخشري في

(2/547)


مواضع وجوز هنا هذا الوجه الثاني ويضعفه ما فيه من التكلف وأنه غير مطرد، أما الأول، فلدعوى حذف الجملة، فإن قوبل بتقديم بعض المعطوفان، فقد يقال: إنه أسهل منه لأن التجوز فيه على قولهم أقل لفظا مع أن في هذا التجوز تنبيها على أصالة شيء في شيء، أي أصالة الهمزة في التصدر، وأما الثاني فلأنه غير ممكن في نحو {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} وتعقبه الشيخ شمس الدين ابن الصائغ في حاشيته على المغني فيقول: أي مانع من تقدير الأمد بر للموجودات " أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت "، على الاستفهام التقديري المقصود به تقدير ثبوت الصانع والمعنى أيبتغي المدبر فلا أحد قائم على كل نفس بما كسبت لا يمكن ذلك بل المدبر موجود فالقائم على كل نفس هو هو، وقال البدر ابن الدماميني في حاشية المغني، لا نسلم عدم الإمكان، يجوز أن يقدر أهم ضالون فمن هو قائم على كل نفس بما كسبت لم يوجدوه، والهمزة للإنكار التوبيخي. انتهى.
قوله: " وتقديم المفعول، لأنه المقصود بالإنكار "، وقال الطيبي: يعني أن المقام يقتضي إنكار المعبود من دون الله، ليكون الدين كله لله، بدليل قوله: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فوجب لذلك التقديم، وقال أبو حيان: لا تحقيق فيما ذكره الزمخشري، لأن الإنكار الذي هو معنى الهمزة لا يتوجه إلى الذوات إنما يتوجه إلى الأفعال التي تتعلق بالذوات فالذي أنكر انما هو الابتغاء الذي متعلقه غير دين الله وإنما جاز تقديم المفعول من باب الاتساع ولشبه يبغون بالفاصلة. قال الحلبي، بعد إيراده وأين المعنى من المعنى.

(2/548)


قوله: " أو مخلصون في عبادته "، قال الشيخ سعد الدين:
تفسير للإسلام المعدي باللام مع التقديم.
قوله: " واستدل به على أن الإيمان هو الإسلام ". إلى آخره.
قال الطيبي: الذي عليه النظم أن الإسلام هو التوحيد والتعريف فيه للعهد المجازي التقديري، وكان مشتملا على الإيمان بالله وكتبه ورسله مقيداً بالاستسلام فينبغي أن يحمل الإسلام على ذلك ولأن دينا تمييز وتبيين للإسلام والدين مشتمل على التصديق والأعمال الصالحة والإسلام كذلك لأن المبين لا يكون على خلاف المبين وعلى هذا حمل الإسلام على الدين في قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} وتعريف الخبير ينفي غير الإسلام أن يكون دينا، كما أن عدم القبول فيما نحن بصدده ينفيه، وإن لتأكد الإثبات كما أن لن لتأكيد النفي، فحق لذلك قول السلف الصالح: الراغب في الآية قولان: أحدهما أن الإسلام ههنا الاستسلام إلى الله وتفويض الأمر إليه سبحانه وذلك أمر مراد من الناس في كل زمان وفي كل شريعة، والدين في اللغة الطاعة وفي التعارف وضع إلهي يتساق به الناس إلى النعيم الدائم.
فبين تعالى أن من تحرى طاعته من غير استسلام له على ما يأمر به ويصرفه فيه فلن يقبل منه شيء من أعماله، والثاني أن المراد بالإسلام شريعة محمد عليه الصلاة والسلام فبين أن من تحرى بعد بعثته شريعة أو طاعة لله من غير متابعته فغير مقبول منه. وهذا الوجه داخل في الأول لأنه علم من الإسلام الانقياد لأوامر الله من صحة نبوته وظهر صدقه.

(2/549)


قوله: " وشهدوا عطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل " قال الطيبي: إذ لا يجوز أن يكون معطوفا على " كفروا "، لأنه لا يساعده المعنى، وقال الشيخ سعد الدين: لأن الظاهر تقييد المعطوف عليه، وشهادتهم هذه لم تكن بعد إيمانهم بل معه أو قبله، وقيل: لأنهم ليسوا جامعين بين الكفر والشهادة، ورد بالمنع بل هم جامعون لكن لا يفيد تقديم الشهادة، ألا ترى أنه صح جعله حالا مع أنه أجدر بمقارنة العامل.
قوله: " ونظيره فأصدق وأكن "، قال الحلبي: وجه تنظيره بالآية توهم وجود ما يسوغ العطف عليه في الجملة كذا يقول النحاة جزم على التوهم أي لسقوط الفاء، إذ لو سقطت لا يجزم في وجوب التحضيض، وكذا يقولون: توهم وجود فجر، وفي العبارة- بالنسبة إلى القرآن- سوء أدب ولكنهم لم يقصدوا ذلك حاش لله، وكان تنظيره بغير ذلك أولى. كقوله تعالى: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} إذ هو في قوة إن الذين صدقوا وأقرضوا قال: وظاهر عبارته. أن الأول يؤل لأجل الثاني، وليس بظاهر، بل ينبغي تأويل الثاني باسم ليصح عطفه على الاسم الصريح قبله، بأن يقدر معه أن المصدرية، وأن شهدوا أي وشهادتهم. ولهذا تأولوا: " للبس عباءة وتقر عيني " إذ التقدير: وقرة عيني، وإلى هذا ذهب أبو البقاء فقال: التقدير بعد أن آمنوا وأن شهدوا. انتهى. وكذا قال الراغب: تقديره بعد إيمانهم وأن شهدوا فيكون أن مقدرا، نحو قولها: للبس عباءة وتقر عيني، لكن في الفعل أظهر لانتصاب تقر.
قول: " وأصلحوا ما أفسدوا ".

(2/550)


قال الشيخ سعد الدين: يعني أن مجرد الندم على ما مضى من الارتداد والعزم على تركه في الاستقبال غير كاف. بل لابد من تدارك لما أخلوا به من الحقوق على أن أصلح متعد محذوف الفعل أو من دخول في الصلاح في الأمر الظاهر والباطن على أنه لازم من قبيل أصبحوا، دخلوا في الصباح.
قال الطيبي: هذا الثاني أبلغ، لأنه ن باب قوله: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي}.
قوله: " قيل إنها نزلت في الحارث بن سويد " إلى آخره.
أخرجه النسائي، وابن حبان، والحاكم عن ابن عباس.
قال الطيبي: الجلاس. قال الزمخشري: بالتخفيف، وقيل:

(2/551)


بالتشديد.
قوله: " ريب المنون "، حوادث الدهر.
قوله: " فكنى عن عدم توبتهم بعدم قبولها ". قال الشيخ سعد الدين: يعني ليس المراد أنهم يتوبون ولا تقبل توبتهم، بل هم من قبيل من لا يحصل له قبول التوبة، بناء على عدم التوفيق للتوبة، فهو من قبيل الكناية دون المجاز، حيث أريد بالكلام معناه لينتقل منه إلى الملزوم.
قوله: " لما كان الموت على الكفر سببا لامتناع قبول الفدية أدخل الفاء هنا للإشعار به ".
قال الطيبي: حاصل السؤال أن الآيتين سواء في صحة إدخار الفاء لتصور السببية، وحاصل الجواب الفرق وذلك أن المرتد قد يرجى منه الرجوع إلى الإيمان، فلا يترتب عليه عدم التوبة، بخلاف الميت على الكفر، نعوذ بالله، فإن عدم قبول الفدية مترتب على الموت حالة الكفر لا محالة، والحاصل منع السببية في الأولى لجواز تخلف الثاني عن الأول وتقريره أن التي عريت عن الفاء واردة على الكناية وجعل الموصولة مع صلتها ذريعة إلى تحقيق الخبر.
كقوله:
(إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت دونها غول)
قوله: " والتي حلت بها موجبة، كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا

(2/552)


وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ} والفرق أن الصلة على القول الأول منبهة على تحقيق الخبر ملوحة إليه فتكون كالأمارة، فإن الكفر بعد الإيمان والتمادي عليه عناد وليس بموجب لعدم قبول التوبة فحقق الخبر للتغليظ بخلاف الموت على الكفر فإنه موجب للدمار والهلاك ألبتة فإخلاء الفاء ثمة وإدخالها هنا لذلك.
قوله: " على البدل من " ملء " أو الخبر لمحذوف "، قال الشيخ سعد الدين: لابد من تقدير وصف ليحسن البدل ولا دلالة عليه وجعله خبر محذوف إنما يحسن إذا جعلت الجملة صفة أو حالا ولا يخلوا عن ضعف.
قوله: " ولو افتدى به، محمول على المعنى، كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا " قال ابن المنير: هذه الواو للمصاحبة تستدعي شرطا آخر يعطف عليه الشرط المقترنة به ضرورة والعادة أن يكون المنطوق به منبها على ما سكت عنه بالأولى كقولك: أكرم زيداً ولو أساء، تقديره: أكرم زيدا إن أحسن وإن أساء، كقوله تعالى: {وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} وهنا ولو افتدى لا يقتضي إضمار محذوف ينبه المذكور عليه، لأن افتداءهم بملء الأرض ذهبا أجدر بقبول الفدية فلذلك قدر الزمخشري فدية حتى يجعل ملء الأرض ذهبا فدية خالصة أولى من أصل الفدية. وأما تطبيق الآية عليه فعسير، وغايته أن قبول الفدية بملء الأرض ذهبا بأن يؤخذ قهراً كأخذ الدية، وتارة يقول المفتدى: أنا أفعل هذا ولا يفي به، وتارة يقول ذلك والفدية عتيدة

(2/553)


وتسليمها لمن يؤمل/ قبولها منه، فالمذكور في الآية أبلغ الأحوال وهو أن يبذله محققا، ونظيره {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} فإذا لم يقبل هذا فلأن لا يقبل قوله: أبذل أو أقدر عليه. وما جرى مجراه أولى فتكون
الواو على حالها. وكقوله تعالى: {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ} مصرح به، والمراد به لا خلاص لهم من الوعيد، وإلا فقد علم أنهم لا يقدرون يومئذ على فلس. كما تقول: لا أبيعك هذا بألف دينار ولو سلمتها إلي في يدي، وهذا من السهل الممتنع، وقال أبو حيان- في تقدير المصنف-: هذا المعنى، ينبو عنه هذا التركيب ولا يحتمله، والذي يقتضيه هذا التركيب وينبغي أن يحمل عليه أن الله تعالى أخبر أن من مات كافراً لا يقبل منه ما يملأ الأرض من ذهب على كل حال يقصدها ولو في حال افتدائه من العذاب، لأن حالة الافتداء هي حالة لا يمتن فيها المفتدى على المفتدي منه إذ هي حالة قهر من المفتدى منه للمفتدي، وقد قررنا في نحو هذا التركيب أن لو تأتي منبهة على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء وما بعدها جاء تنصيصا على الحالة التي يظن أنها لا تندرج فيما قبلها، كقوله: أعطوا السائل لو جاء على فرس، ورد السائل ولو بظلف محرف كان هذه الأشياء ممالا ينبغي أن يؤتى به لأن كون السائل على فرس يشعر بغناه فلا يناسب أن يعطي وكذلك الظلف المحرق لا غنى فيه فكان يناسب ألا يرد السائل وكذلك حالة الفداء تناسب أن يقبل منه ملء الأرض ذهبا لكنه لا يقبل ونظيره {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} لأنهم نفوا أن يصدقهم على كل حال

(2/554)


حتى في حالة صدقهم وفي الحالة التي ينبغي أن يصدقوا فيها. ولو هنا، لتعميم النفي والتأكيد له. انتهى. الطيبي: في تقرير كلام المصنف، حاصلة أن الكلام وارد على اللفظ وعلى المعنى معا فيجعل ملء الأرض ذهبا عين الفدية فيعتبر اللفظ بحسب عود الضمير في به والمعنى بحسب وقوعه موقعه وإفادة المبالغة المقصودة فكأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا.
قوله: " أو المراد، ولو افتدى بمثله "، إلى آخره. قال الطيبي: لابد من تقدير كلام ليستقيم المعنى وهو أن يقال ولو افتدى به وبمثله، وقال أبو حيان: لا حاجة إلى تقدير مثل في قوله ولو افتدى به وكأن الزمخشري تخيل أن ما نفي أن يقبل لا يمكن أن يفتدي به فاحتاج إلى إضمار " مثل " حتى يغابر بين ما نفي قبوله وبين ما يفتدي به. وليس كذلك، لأن ذلك على سبيل الفرض والتقدير، وكذا قال السفاقسي: الحق أنه لا حاجة إلى ما ذكر من التقدير.
قوله: " أي لن تبلغوا حقيق البر "، قال الشيخ سعد الدين: يريد أن اللام للجنس والحقيقة، ومعنى نيله: الوصول إليه والإتصاف به أو للعوض عن تعريف الإضافة فيقع على نوع من الجنس ومعنى نيله إصابته ووجدانه.
قوله: " روي أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال يا رسول الله إن أحب أموالي إلى بيرحا "، الحديث أخرجه الشيخان والنسائي من حديث أنس. وبيرحا قال في النهاية: كثيرا ما يختلف فيها المحدثون،

(2/555)


فيقولون: بيرحا بفتح الباء وكسرها وبفتح الراء وضمها والمد فيهما والقصر وهي اسم مال وموضع بالمدينة، وقال الزمخشري في الفائق إنها فيعلى من البراح وهي الأرض الظاهرة. ونقل عنه الشيخ سعد الدين أنه قال: وشيوخ مكة يروونها بكسر الباء فإن صح، فهو إضافة إلى (رحا): اسم قبيلة، وبخ بخ كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء وتكرر للمبالغة وهي مبنية على السكون فإن وصلت كسرت ونونت وربما شددت وقوله مال رائح يقال لصنعة الإنسان إذا كانت قريبة من بلده رائح أي يروح نفعه وثوابه إليه. ويروى مال رابح كقولك لابن وتامر.
قوله: " وجاء زيد ابن حارثة بفرس "، الحديث أخرجه ابن المنذر عن محمد ابن المنكدر مرسلا وفيه أن الفرس يقال له سبل، ورواه ابن جرير عن عمرو بن دينار مرسلا وعن أيوب السختياني معضلا.
قوله: " كل الطعام أي كل المطعومات " قال الشيخ سعد الدين لما كانت كلمة كل عند الإضافة إلى المفرد المعرف لعموم الأجزاء مثل أكلت الزمان وكان القصد هنا إلى عموم أفراد المطعوم حمل الطعام على المطعومات بدلالة اللام أو قدر مضافا وهو جمع عام بالإضافة فوقعت كلمة كل لتأكيد العموم المستفاد من اللام أو الإضافة.
قوله: " وهو مصدر نعت به "، قال الشيخ سعد الدين: فإطلاقه على

(2/556)


المطعومات بمعنى الفاعل أو على حذف المضاف.
قوله: " قيل: كان به عرق النسا " إلى آخره. أخرجه أحمد والحاكم وغيرهما، عن ابن عباس مرفوعا بسند صحيح. وعرق النسا: بوزن العصا، عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذ.
قوله: " نعي عليهم "، قال الشيخ سعد الدين: من نعى عليه عقوبة شهره بها.
قوله: " كالنبيط والنميط ": قال ابن هشام فيما نقلت عن خطه في بعض تعاليقه. بكة علم البلد الحرام، ومكة لغة فيه، كما قالوا: النبيط والنميط في اسم موضع بالدهناء ونحوه من الاعتقاب، أمر راتب وراتم وطين لازب ولازم وحمى مغبطه ومغمطة.
قوله: " روى أنه عليه الصلاة والسلام، سئل عن أول بيت وضع للناس، فقال: (المسجد الحرام ثم بيت المقدس) وسئل كم بينهما؟ فقال: (أربعون سنة) " أخرجه الشيخان من حديث أبي ذر.

(2/557)


قوله: " جرهم " حي من اليمن أصهار إسماعيل عليه الصلاة والسلام.
قوله: " العمالقة "، هم قوم من ولد عمليق بن لاود بن إرم بن سام بن نوح، وهم أمم تفرقوا في البلاد.
قوله: " الضراح " بالضاد المعجمة، ومن رواه بالمهملة فقد صحف ذكره الطيبي: وقيل: هو أول بين بناه آدم فانطمس في الطوفان، أخرجه الأزرقي في تاريخ مكة عن ابن عباس.
قوله: " مبتدأ محذوف خبره "، أي منها. قال أبو حيان: أو خبر مبتدأ محذوف، أي أحدهما. قال الحلبي: وهو المختار.
قوله: " وقيل عطف بيان " قاله الزمخشري: قال أبو حيان: ورد عليه لأن آيات نكرة ومقام إبراهيم معرفة ولا يجوز التخالف في عطف

(2/558)


البيان بإجماع البصريين والكوفيين. وقال السفاقسي: يحتمل أن يكون الزمخشري أطلق عطف البيان وأراد به البدل كالجماعة تسامحا وكذا قال ابن هشام في المغني، قد يكون عبر عن البدل بعطف البيان لتأخيهما ويؤيده قوله: في، {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} إن من وجدكم عطف بيان لقوله {حَيْثُ سَكَنْتُمْ} وتفسير له، وإنما يريد البدل لأن الخافض لا يعاد إلا معه، قال: وهذا إمام الصنعة سيبويه يسمي التوكيد صفة وعطف البيان صفة.
قوله: " وسبب هذا الأثر أنه لما ارتفع بنيان الكعبة قام على هذا الحجر ليتمكن من رفع الحجارة فغاصت فيه قدماه " أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.
قوله: " جملة ابتدائية أو شرطية معطوفة من حيث المعنى على مقام، لأنه في معنى: أمن من دخله أي ومنها أمن من دخله "، قال أبو حيان: ليس هذا بواضح لأن تقديره وأمن الداخل، هو مرفوع عطفا على مقام إبراهيم، وفسر بها الآيات، والجملة من قوله {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} لا موضع لها من الإعراب فتدافعا إلا إن اعتقد أن ذلك معطوف على محذوف يدل عليه ما بعده فيمكن التوجيه فلا يجعل قوله: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} في معنى (وأمن داخله) إلا من حيث تفسير المعنى لا تفسير الإعراب، وقال الحلبي: هذه مشاحة لا طائل تحتها ولا تدافع فيما ذكر لأن الجملة متى كانت في تأويل المفرد صح عطفها عليه، قال: ثم

(2/559)


المختار أن يكون قوله مقام إبراهيم خبر مبتدأ مضمر لا كما قدروه حتى يلزم الإشكال المتقدم.
قوله: " أو فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله " اقتصر بذكرهما من الآيات الكثيرة وطوى ذكر غيرهما كقوله عليه الصلاة والسلام: " حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة ".
هنا فوائد: الأولى هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد من حديث أنس بن مالك ولم يخرجه في المسندة. وأخرجه النسائي في سننه والحاكم في المستدرك وقال إنه صحيح على شرط مسلم والبيهقي في السنن ولفظه عند الجميع " حبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة " وليس فيه لفظ ثلاث الذي استشهد به المصنف، قال الطيبي: فعلى هذا لا يكون من الباب وقد وقع الكلام في ذلك قديما وألف فيه الإمام أبو بكر ابن فورك، الثانية: قال الشيخ بدر الدين الزركشي في شرح المنهاج: في كتاب الزهد لأحمد بن حنبل في هذا الحديث زيادة لطيفة وهي: (أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن) قلت: وقد

(2/560)


مررت على كتاب الزهد مراراً لا تحصى فلم أجد فيه هذه الزيادة إلا أن فيه من زوائد ابنه عبد الله من طريق أخر عن أنس قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " جعلت قرة عيني في الصلاة وحبب إلي النساء والطيب والجائع يشبع والظمآن يروي وأنا لا أشبع من حب الصلاة والنساء " فالظاهر أن الزركشي أراد هذه الطريقة ونقلها من حفظه فوهم في إيرادها. الثالثة: ضل بعض القصاص، لا كثر الله منهم وقال في مجلسه ما سلم أحد من هوى ولا فلان وسمى من لا يمكن تسميته في هذا المقام وكان بعض أرباب الأحوال حاضراً، قال: فقلت له: اتقي الله. فقال: ألم يقل حبب إلي من الدنيا النساء والطيب؟ قال: فقلت: ويحك إنما قال حبب إلي ولم يقل أحببت قال: ثم خرجت على وجهي وأنا لا أعقل من الهم فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " لا تهتم فقد قتلناه " قال فخرج ذلك القاص إلى بعض القرى فخرج عليه بعض قطاع الطريق فقتلوه. الرابعة: قال التيجاني: كان الأوزاعي يقول ليس حب النساء من حب الدنيا، قال: ومراده ليس من حب الدنيا المذموم، ويقال: إن الشيء قد يكون من الدنيا ويكون حبه من الآخرة لإعانته عليها، وقال الشيخ تقي الدين السبكي: السر في إباحة نكاح أكثر من أربعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله تعالى أراد نقل بواطن الشريعة وظواهرها وما يستحيي من ذكره ومالا يستحيي منه، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد الناس حياء فجعل الله له نسوة ينقلن عنه من الشرع ما يرينه من أفعاله ويسمعنه من أقواله التي قد يستحيي من الإفصاح بها بحضرة الرجال ليكتمل نقل الشريعة وكثر عدد النساء ليكثر الناقلون بهذا النوع ومنهن عرف غالب مسائل الغسل والحيض والعدة ونحوها، قال: ولم يكن ذلك لشهوة منه - صلى الله عليه وسلم - في النكاح ولا كان يحب الوطء للذة البشرية معاذ الله وإنما حبب إليه النساء لنقلهن عنه ما يستحيي هو من الإمعان في التلفظ به فأحبهن لما فيهن من الإعانة على نقل الشريعة في هذه الأبواب. وأيضا فقد نقلن مالا يمكن أن ينقله غيرهن مما رأينه في منامه وحالة خلوته من الآيات البينات على نبوته ومن جده واجتهاده في العبادة ومن

(2/561)


أمور يشهد كل ذي لب أنها لا تكون إلا لنبي وما كان يشاهدها غيرهن فحصل بذلك خبر عظيم. انتهى. وقال الحكيم الترمذي، في نوادر الأصول: الأنبياء زيدوا في النكاح بفضل نبوتهم وذلك أن النور إذا امتلأ منه الصدر ففاض في العروق التذت النفس والعروق فأثارت الشهوة وقواها. وروي عن سعيد بن المسيب أن النبيين عليهم الصلاة والسلام يفضلون بالجماع على الناس وذلك لما فيه من اللذة، وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " أعطيت قوة أربعين رجلا في البطش والنكاح وأعطي المؤمن من قوة عشرة " فهو بالنبوة والمؤمن بإيمانه والكافر له شهوة الطبيعة فقط. قال وأما الطيب فإنه يذكي الفؤاد ويقوي القلب والجوارح والنور بين القلب والفؤاد، وأصل الطيب إنما خرج من الجنة تزود آدم منها بورقة تستر بها فتركت عليه. وروى أحمد والترمذي من حديث أبى أيوب، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أربع من سنن المرسلين التعطر والحناء والنكاح والسواك " قال التستري في شرح الأربعين: من في هذا الحديث بمعنى في لأن هذه من الدين لا من الدنيا وإن كانت فيها والإضافة في رواية دنياكم للإيذان بأن لا علاقة له بها، وفي هذا الحديث إشارة إلى وفائه - صلى الله عليه وسلم - بأصلي الدين/ وهما التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وهما كمالا قوتيه النظرية والعملية فإن كمال الأولى بمعرفة الله تعالى والتعظيم دليل لأنه لا يتحقق بدونها والصلاة لكونها مناداة الله تعالى على

(2/562)


ما قال - صلى الله عليه وسلم -: " المصلي يناجي ربه " نتيجة التعظيم على ما يلوح من أركانها ووظائفها، وكمال الثانية في الشفقة وحسن المعاملة مع الخلق وأولى الخلق بالشفقة بالنسبة إلى كل واحد من الناس نفسه وبدنه كما قال - صلى الله عليه وسلم -: " إبدأ بنفسك ثم بمن تعول " والطيب أخص اللذات بالنفس، ومباشرة النساء ألذ الأشياء بالنسبة إلى البدن مع ما يتضمن من حفظ الصحة وبقاء النسل المثمر لنظام الوجود ثم أن معاملة النساء أصعب من معاملة الرجال لأنهن أرق دينا وأضعف عقلا وأضيق خلقا، كما قال عليه الصلاة والسلام: " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن " فهو عليه الصلاة والسلام أحسن معاملتهن بحيث عوتب بقوله تعالى: {تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} وكان صدور ذلك منه طبعا لا تكلفا كما يفعل الرجل ما يحبه من الأفعال فإذا كانت معاملته معهن هذا فما ظنك بمعاملته مع الرجال اللذين هم أكمل عقلا وأمثل دينا وأحسن خلقا.
وقوله: " وجعلت قرة عيني في الصلاة " إشارة إلى أن كمال القوة النظرية أهم عنده وأشرف في نفس الأمر. وأما تأخيره فللتدرج التعليمي من الأدنى إلى الأعلى، وقدم الطيب على النساء لتقدم حظ النفس على حظ البدن في

(2/563)


الشرف، قال: واعلم أن المراد بالقوة النظرية قوة النفس الناطقة بها بما يقبل الفيض من الملأ الأعلى وبالقوة العملية قوة لها تدبر بدنها لتكمله ويستكمل بواسطته. انتهى.
قوله: " قال عليه الصلاة والسلام: " من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا " " أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده والبيهقي في شعب الإيمان من حديث عمر، وإسحاق بن راهويه في مسنده، والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أنس، والطبراني في معجمه الكبير والبيهقي في شعب الإيمان من حديث سلمان، والطبراني في معجمه الأوسط من حديث جابر، والدارقطني في سننه من حديث حاطب.
قوله: " فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاستطاعة بالزاد والراحلة " أخرجه الترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث ابن عمر والحاكم وصححه على شرط الشيخين من حديث أنس، وسعيد بن منصور في سننه وابن

(2/564)


جرير من مرسل الحسن.
قوله: " وكل مأتي إلى الشيء فهو سبيله "، قال الطيبي: أي كل ما يأتي به إلى الشيء من الأسباب فهو سبيل إليه.
قوله: " قال عليه الصلاة والسلام: " من مات ولو يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا " " أخرجه الترمذي وضعفه من حديث علي بلفظ " من ملك زاداً أو راحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا " والدارمي في مسنده من حديث أبي أمامة بلفظ: " من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة أو سلطان جائر أو مرض حابس فمات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا " وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات وتعقب عليه الحفاظ، كما بينته في مختصر كتابه المسمى باللآلئ المصنوعة، وفي النكت البديعات على الموضوعات.
قوله: " وقد أكد أمر الحج في هذه الآية من وجوه " إلى آخره. قال الطيبي: الذي يحتمل من الوجوه في تخصيص اسم الذات الجامع، وتقديم الخبر على المبتدأ الدلالة على أنها عبادة لا ينبغي أن تختص إلا بمعبود جامع للكمالات بأسرها وإن في إقامة المظهر وهو قوله (البيت) مقام المضمر بعد سبقه منكراً للمبالغة في وصفه اقصى الغاية كأنه رتب الحكم على الوصف المناسب وكذا في ذكر (الناس) بعد ذكره معرفا الإشعار بعلية الوجوب وهو كونهم ناسا، وفي تذييل {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} - لأنها في المعنى تأكيد -

(2/565)


الإيذان بأن ذلك هو الإيمان على الحقيقة وهو النعمة العظمى، وإن مباشره مستأهل بأن الله تعالى بجلالته وعظمته يرضى عنه رضى كاملا كما كان ساخطا على تاركه سخطا عظيما، ولهذا عقب بالآيات. قوله " ملة إبراهيم حنيفا " والمراد بها ملة الإسلام وفي تخصيص هذه العبادة وكونها مبينة لملة إبراهيم عليه السلام بعد الرد على أهل الكتاب فيما سبق من الآيات والعود إلى ذكرهم بقوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} خطب جليل وشأن خطير لتلك العبادة العظيمة.
قوله: " روي أنه لما نزل صدر الآية جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرباب الملل " الحديث أخرجه سعيد بن منصور وابن جرير عن الضحاك مرسلا، وفيه أن الخمس الملل، المشركون واليهود والنصارى والصابئون والمجوس.
قوله: " طالبين لها اعوجاجا "، قال ابن المنير: وفي تقديره الجار مع ضمير المفعول في قوله (تبغونها) أي تطلبون لها نقص من المعنى، والأحسن جعل (الهاء) من تبغونا مفعولا وعوجا حال وقع موقع الاسم مبالغة كأنهم طلبوا أن تكون الطريقة القويمة نفس العوج قال الطيبي: وفيه نظر إذ لا يستقيم المعنى إلا على أن يكون عوجا هو المفعول به لأنه مطلوبهم فلابد من تقدير الجار.
قوله: " نزلت في نفر من الأوس والخزرج "، إلى آخره. أخرجه ابن جرير عن زيد ابن الأسلم مرسلا، ويوم بعاث يوم مشهور وفيه

(2/566)


حرب بين الأوس والخزرج وبعاث بضم الموحدة أوله ومثلثة أخره وعين مهملة، وصحف من قاله بالمعجمة كما نبه عليه الأزهري وغيره موضع بالمدينة، قاله الشيخ سعد الدين وفي حاشية الطيبي بعاث اسم حصن للأوس.
قوله: " وقال أتدعون الجاهلية " تحريف كما قاله الشيخ ولي الدين العراقي ولفظ الحديث (أبدعوى الجاهلية) قال في النهاية: وهو قولهم يال فلان كانوا يدعون بعضهم بعضا عند الأمر الحادث الشديد.
قوله: " ومن يستمسك بدينه أو يلتجىء إليه في مجامع أموره "، قال الطيبي: يعني إما أن يقدر هنا مضاف بأن يقال ومن يعتصم بدين الله أي يتمسك به على الاستعارة أو لا يقدر فيجعل الاعتصام بالله استعارة للإلتجاء إلى الله وعلى الأول {وَمَنْ يَعْتَصِمْ} معطوف على {وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ} أي كيف تكفرون والحال أن القرآن يتلى عليكم وأنتم عالمون بأن من تمسك بدين الله فقد هدي، وعلى الثاني تذييل لقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} لأن مضمونه إنكم إنما تطيعونهم لما تخافون شرورهم ومكايدهم فلا تخافوهم والتجؤوا إلى الله في دفع شرورهم فلا تطيعوهم أما علمتم أن من التجأ إلى الله كفاه شر ما يخافه. فعلى الأول ومن يعتصم جيء لإنكار الكفر مع هذا الصارف القوي كقوله {وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ}

(2/567)


وعلى الثاني للحث على الإلتجاء.
قوله: " فقد اهتدى لا محالة "، قال الطيبي:
وذلك المجيء فعل الماضي مع قد، قال الجوهري: قد جواب، لما يفعل وإنما يصدق فقد هدي إذا وجد التوقع وهو المعتصم بالله منتظراً للهدى فإذا حصل الهدى قيل له فقد هدي ولو لم يحصل لم يقل ذلك ولهذا قال لا محالة.
قوله: " حق تقواه وما يجب منها "، قال الطيبي: أي حق هنا من حق يعني وجب وثبت أي الذي ثبت ووجب ما التقاة. ومن، في منها بيان ما يجب أي اتقوا الله التقاة التي تجب وتحق له. كقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} تابع فيه الزمخشري. وقد قال الطيبي: إن الزمخشري قال ذلك بناء على مذهبه أنه لا يجوز التكلف بما لا يطاق ابتداء، والذي ذكره الزجاج وغيره، إن قوله: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} منسوخ بقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} قال: ولهاتين الآيتين أسوة بقوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} فإنها ناسخة لقوله: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}.

(2/568)


قوله: وعن ابن عباس: " هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى " إنما هو عن ابن مسعود. أخرجه عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، في تفاسيرهم، والطبراني في معجمه، والحاكم في المستدرك وصححه وأبو نعيم في الحلية، عن ابن مسعود. قال أبو نعيم: هكذا رواه الناس عنه موقوفا، وروي عنه مرفوعا.
قوله: " كما في تؤدة " قال الجوهري: أتاد في مشيه، وهو افتعل من التؤدة وأصل التاء في إتأد، واو، ويقال: اتئد في أمرك أي تثبت.
قوله: " أي ولا تكونن على حال " قال الشيخ سعد الدين: يعنى أن النهي راجع إلى القيد.
قوله: " لقوله عليه الصلاة والسلام. (القرآن حبل الله المتين) أخرجه الترمذي من حديث علي، والحاكم وصححه من حديث ابن

(2/569)


مسعود.
قوله: " استعار له الحبل " إلى آخره، قال الطيبي: هي استعارة تمثيلية بأن شبهت الحالة بالحالة بجامع ثبات الوصلة بين الجانبين، واستعير لحالة المستعار له ما يستعمل في المستعار منه من الألفاظ، فقيل: " واعتصموا بحبل الله " قال: وقد يكون في الكلام استعارتان مترادفتان فاستعارة الحبل لعهده مصرحة أصلية تحقيقية، والقرينة إضافة الحبل إلى الله، واستعارة الاعتصام لوثوقه بالعهد وتمسكه به مصرحة تبعية تحقيقية، والقرينة اقترانها بالاستعارة الثانية وقد تكون الاستعارة في الحبل على طريقة التخيل أو التحقيق، ويكون الاعتصام ترشيحا لها، والقرينة إضافة الحبل إلى الله، وقد تكون الاستعارتان غير مستقلتين بأن تكون الاستعارة في الحبل مكنية، وفي الاعتصام تخييلية؛ لأن المكنية مستلزمة التخييلية.
قوله: " والضمير للحفرة أو للنار أو الشفا " قال أبو حيان: لا يحسن عوده إلا إلى الشفا، لأنه المحدث عنه.
قوله: " وتأنيثه لتأنيث ما أضيف إليه " الطيبي قيل: المضاف لا يكتسب من المضاف إليه التأنيث إلا إذا كان بعضا منه. نحو، {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ} أو فعله نحو أعجبتني مشي هند، أو صفته نحو أعجبتني حسن هند. ولا يجوز أعجبتني غلاء هند.
قوله: " من للتبعيض، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من

(2/570)


فروض الكفاية " قال الشيخ سعد الدين: يعني أن فرض الكفاية إنما يجب على البعض من غير تعيين، كالواجب المخير بعض منهم من الأمور المعينة، قال وهذا مذهب مردود. والمختار أنه يجب على الكل، ويسقط بفعل البعض، بدليل أنه لو ترك أثم الجميع، ولا معنى للوجوب على الجميع سوى هذا، ولو وجب على بعض مبهم لكان الآثم بعضا مبهما، وهو غير معقول، بخلاف الإثم بواجب مبهم كما في الواجب المخير. والاستدلال على أنه لا يجب على الكل بعدم الوجوب على الجاهل مردود بأنه إذا ترك بالكلية فذلك الجاهل أيضا آثم، كمن وجب عليه الصلاة، وهو محدث فإن عليه تحصيل الشرط، ثم الفعل. ولهذا ذهب البعض إلى أن من للبيان: يعني أنه واجب على كل الأمة، ويسقط بفعل البعض، لحصول المقصود، انتهى.
قوله: " بمعنى: وكنوا أمة تأمرون " قال الطيبي: أخرج من الكل الأمة، فيكون من باب التجريد.
قوله: " والدعاء إلى الخير يعم الدعاء إلى ما فيه صلاح ديني أو دنيوي، وعطف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه عطف الخاص على العام " قال ابن المنير: لكن الخير لا يعدوهما فالأولى أن يقال: ذكر الخير عاما وفضله. وفيه من العناية ما لا يخفى إلا أن يثبت عرف يخص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ببعض أنواع الخبر، وما أرى ذلك ثابتا.
قوله: " روي أنه عليه الصلاة والسلام سئل من خير الناس؟ قال: (آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم للرحم) أخرجه أحمد وأبو يعلى من حديث درة بنت أبى لهب.

(2/571)


قوله: " والنهي عن المنكر واجب كله، لأن جميع ما أنكره الشرع حرام " قال الشيخ سعد الدين: فيه نظر إذ المكروه منكر يندب تركه، ولا يجب.
قوله: " والأظهر أن النهي مخصوص فيه بالتفريق في الأصول دون الفروع لقوله عليه الصلاة والسلام: " اختلاف أمتي رحمة " عزاه الزركشي في الأحاديث المشهورة إلى كتاب الحجة للشيخ نصر المقدسي، ولم يذكر سنده ولا صاحبيه، وروى الطبراني والبيهقي في المدخل بسند ضعيف عن ابن عباس/ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " مهما أوتيتم من كتاب الله لا عذر لأحد في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيما أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة " وأخرج البيهقي في المدخل عن عمر بن عبد العزيز، قال: " ما سرني لو أن أصحاب محمد لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة ".
وقال الشيخ تقي الدين السبكي، في الحلبيات: هذا الحديث ليس معروفا عند المحدثين ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع، ولا أظن له أصلا إلا أن يكون من كلام الناس، بأن يكون أحد قال اختلاف الأمة رحمة فأخذه بعض الناس فظنه حديثا فجعله من كلام النبوة، قال: ورأيت في تعليق القاضي حسين في كتاب الشهادات، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " اختلاف أمتي رحمة " قال: وفسره بعضهم باختلاف الهمم والحرف.
وفي النهاية لإمام الحرمين: قال الحليمي في تفسير قوله - صلى الله عليه وسلم -: " اختلاف أمتي رحمة " قال: أراد بذلك اختلافهم في الدرجات والمراتب والمناصب فحق القول في الحرف انتهى. قال السبكي: وما زلت أعتقد أن هذا الحديث لا أصل

(2/572)


له، وأستدل على بطلانه بقوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وقوله تعالى: {وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ} وقوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} قوله: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ} وقوله تعالى: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} وقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} وقوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} وما أشبه ذلك من الآيات. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم " وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " وتطاوعا ولا تختلفا " وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إنما هلكت بنو إسرائيل بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبياءهم " وما أشبه ذلك من الأحاديث فانظر إلى القرآن العزيز كيف دل على أن

(2/573)


الرحمة تقتضي عدم الاختلاف، فإن الاختلاف نشأ عنه كفر بعضهم واقتتالهم. وانظر كلام النبوة كيف اقتضى أن الاختلاف سبب لاختلاف القلوب، وإن كان الحديث واردا في تسوية الصفوف فالعبرة بعموم اللفظ. والذي نقطع به ولا نشك فيه أن الاتفاق خير من الاختلاف على ثلاثة أقسام:
أحدها: في الأصول، ولاشك أنه ضلال، وسبب كل فساد، وهو المشار إليه في القرآن.
والثاني: في الآراء والحروب، ويشير إليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: " وتطاوعا ولا تختلفا " وكان ذلك خطابا منه - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى اليمن، ولاشك أيضا أنه حرام لما فيه من تضييع المصالح الدينية والدنيوية.
والثالث: في الفروع كالاختلاف في الحلال والحرام ونحوهما. والذي يظهر لنا ونكاد نقطع به أن الاتفاق خير من الاختلاف ولا حاجة إلى قولنا يظهر ونكاد فإنه كذلك قطعا، ولكن هل نقول: الاختلاف ضلال كالقسمين الأولين، أو لا؟
كلام ابن حزم، ومن سلك مسلكه ممن يمنع التقليد يقتضي أنه مثل القسمين الأولين. وأما نحن فأنا نجوز التقليد للجاهل، ويجوز الأخذ بعض الأوقات عند الحاجة بالرخصة من أقوال بعض العلماء من غير تتبع الرخص. ومن هذا الوجه قد يصح أن يقال: الاختلاف رحمة، فإن الرخص من الرحمة، مثاله إذا كان شخص مبتلى بسلس البول ونحوه، ولا يكاد يخلو ثوبه أو بدنه على نجاسة يسيرة، ويشق عليه التنزه عن النجاسة اليسيرة في الفرض أيضا، وهو يعتقد أن النجاسة اليسيرة غير معفو عنها لتمذهبه بمذهب من يرى ذلك، فإذا قلد من يرى العفو عنها صلى، وكان في ذلك رخصة له ورحمة وإدراك أجر كبير وهذا لا ينافي قطعا أن الاتفاق خير من الاختلاف، فلا تنافي بين الكلامين لأن جهة الخيرية تختلف وجهة الرحمة تختلف فالخيرية في العلم بالدين الحق الذي كلف الله به عباده وهو الصواب عنده والرحمة في الرخصة له وإباحة الإقدام بالتقليد على ذلك. ورحمة نكرة في سياق الإثبات لا تقتضي العموم فيكفي في صحته أن تحصل في الاختلاف رحمة ما في وقت، ما في حالة ما، على وجه ما، فإن كان ذلك حديثا فيخرج على هذا وإن لم يكن حديثا ويكون من كلام أحد من العلماء فمخرجه على هذا وعلى هذا

(2/574)


وعلى كل تقدير لا نقول إن الاختلاف مأمور به. وهل نقول الاختلاف مأمور به؟ هذا يلتفت على أن المصيب واحد أو لا؟ فإن قلنا المصيب واحد، وهو الصحيح فالحق في نفس الأمر واحد والناس كلهم مأمورون بطلبه واتفاقهم عليه مطلوب والاختلاف حينئذ منهي عنه وإن عذر المخطئ وكذلك إذا قلنا بالأشبه كما هو قول بعض الأصوليين. وإما إذا قلنا كل مجتهد مصيب فكل أحد مأمور بالاجتهاد وباتباع ما غلب على ظنه فلا يلزم أن يكونوا كلهم مأمورين بالاتفاق ولا أن يكون اختلاف منهي عنه، وإطلاق الرحمة على هذا التقدير في الاختلاف أقوى من إطلاقها على قولنا المصيب واحد. هذا كله إذا جعلنا الاختلاف المراد به الاختلاف في الفروع. وأما إذا قلنا المراد الاختلاف في الصنائع والحرف فلا شك أن ذلك من نعم الله تعالى، وقد عدها الحليمي في شعب من النعم التي يطلب من العبد شكرها لكن كان المناسب على هذا أن يقال اختلاف الناس رحمة إذ لا خصوصية للأمة بذلك فإن كل الأمم مختلفون في الحرف والصنائع. وأما اختلاف الأمة فلابد من خصوصية الأمة به وما قاله إمام الحرمين قد يظهر فيه خصوصية، لأن المراتب والمناصب التي أعطيتها أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لم تعطها أمة غيرهم فهي من رحمة الله تعالى لهم وفضله عليهم لكنه لا يسبق الذهن من لفظة الاختلاف إليها ولا إلى الصنائع والحرف، انتهى كلام السبكي.
قوله: ولقوله: " من اجتهد فأصاب فله أجران ومن أخطا فله أجر واحد " أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث عمرو بن العاصي بلفظ: " إذا حكم الحاكم فاجتهد وأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر ".
قوله: " وأهل الكتاب كفروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد إيمانهم به قبل مبعثه "

(2/575)


قال في الكشاف وهو الظاهر، قال الطيبي: لكن قرائن السياق قامت على ترجيحه وذلك قوله في الآيات السابقة: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} ثم قوله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وانتصاب يوم تبيض من لهم، ثم قوله بعد الفراغ من حديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم.
قوله: " ففي رحمة الله يعني الجنة "، قال الطيبي: إنما فسر الرحمة بالجنة لأنها مقابلة لقوله: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ} ومقارنة لقوله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
قوله: " وكان حق الترتيب أن يقدم ذكرهم لكن قصد أن يكون مطلع الكلام ومقطعه حلية المؤمنين وثوابهم "، قال الطيبي: أي أن الكلام من اللف والنشر لكن على غير ترتيب بناء على تلك النكتة.
قوله: " دل على خيريتهم فيما مضى ولم يدل على انقطاع طرأ لقوله:
{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} " قال الراغب: كان، في كثير من وصف الله تعالى يبنى على معنى الأزلية قال الله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} وما استعمل منه في جنس الشيء متعلق بوصف له هو موجود

(2/576)


فيه فتنبيه أن ذلك الوصف لازم له قليل الانفكاك، ومنه قوله تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} وإذا استعمل في الزمان الماضي فيكون المستعمل فيه باقيا على حالة وقد يكون متغيراً، ولا فرق بين أن يكون زمان المستعمل فيه قد تقدم تقدما كثيرا، وبين أن يكون قد تقدم بأن واحد. وقال أبو حيان: قول الزمخشري كان عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض وليس فيه دليل على عدم سابق ولا انقطاع طارئ، قول لبعض النحويين. والصحيح أنها كسائر الأفعال يدل لفظ المضي منها على الانقطاع. ثم قد تستعمل حيث لا يكون انقطاع وفرق بين الدلالة والاستعمال. ألا ترى أنك تقول هذا اللفظ يدل على العموم؟ ثم قد يستعمل حيث لا يراد العموم بل المراد الخصوص. وقال الشيخ سعد الدين: لا دلالة في كان الناقصة لا على انقطاع ولا دوام فلذلك تستعمل فيما هو حادث: مثل، كان زيد راكبا، وفيما هو دائم مثل: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}.
قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} لا يدل على أنهم لم يكونوا خيرا فصاروا خيراً أو انقطع ذلك عنهم.
قوله: " وقيل كنتم في علم الله "، إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: قصده بالأقوال الثلاثة تحقق معنى المضي.
وقوله: " استئناف بين به كونهم خيراً "، قال الطيبي: أن ترك العاطف ليكون الكلام الأول كالمورد للسؤال عن موجب ما سيق له الحديث فيجاب بالثاني ويعاد بصيغة من استؤنف عنه الحديث لبيان الموجب.

(2/577)


قوله: " يتضمن الإيمان بكل ما يجب أن يؤمن به "، قال الطيبي: يعني ذكر الإيمان بالله وأريد الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به لأن الإيمان إنما يعتد به ويستأهل أن يقال له إيمان إذا أمن بالله على الحقيقة، وحقيقة الإيمان بالله أن يستوعب جميع ما يجب الإيمان به فلو اختل شيء منه لم يكن من الإيمان بالله في شيء والمقام يقتضيه لكونه تعريضا بأهل الكتاب وإنهم لا يؤمنون بجميع ما يجب الإيمان به ويدل على مكان التعريض قوله تعالى: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} لاشك أنهم كانوا مؤمنين بالله وموافقين للمؤمنين في بعض الشرائع لكنهم لما تركوا بعض الإيمان كأنهم لم يؤمنوا وأيضا المقام مقام مدح للمؤمنين وكونهم خير الناس، لأن قوله (وتؤمنون بالله) عطف على تأمرون بالمعروف وهو كلام مستأنف بين به أن المؤمنين خير أمة في ماذا، فينبغي أن يكون هو أيضا تعليلا للخبرية وأن يندرج تحته جميع ما يجب الإيمان به ليكون معتداً به صالحا لأن يمتدح به فلو خرج بعض الإيمان لم يكن مدحا، قال: (وإنما أخر وحقه أن يقدم لأنه قصد بذكره الدلالة على أنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إيمانا بالله وإظهاراً لدينه)، قال الطيبي: يعني إنما أخر قوله: (وتؤمنون بالله) ليكون تلويحا إلى مكان التعليل فإنه حينئذ من باب الإخبار عن حصول الجملتين في قوله وتفويض الترتيب إلى الذهن ولو قدم لم يتنبه لتلك النكتة.
قوله: ويجوز أن يراد بتقديم الأمر بالمعروف على الإيمان الاهتمام وأن سوق الكلام لأجله، وذكر الإيمان كالتتميم ويجوز أن يجعل من باب قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} تنبيها على أن جدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدين أظهر شيء مما اشتمل عليه الإيمان بالله لأنه من وظيفة الأنبياء.
قوله: " وهذه الجملة والتي بعدها "، قال الشيخ سعد الدين: أي منهم

(2/578)


المؤمنون وما عطف عليه ولن يضروكم مع ما عطف عليه.
قوله: " واردتان على سبيل الاستطراد ". قال الشيخ سعد الدين: ولذا لم يعطف على الجملة الشرطية قبلهما أعني، ولو آمن، لأنها معطوفة على كنتم خير أمة مرتبطة بها على معنى لو آمن أهل الكتاب كما آمنوا وأمروا بالمعروف كما أمروا لكان خيرا لهم، قال: وإنما لم يعطف الاستطراد الثاني على الأول لتباعد ما بينهما وكون كل منهما نوعا آخر من الكلام.
قوله: " استثناء من أعم عام الأحوال "، قال الطيبي: عزي إلى الزمخشري أنه قال: الاستثناء من أعم عام الأحوال نحو قولك: ما رأيت إلا زيدا، والمراد بأعم العام ما لا أعم منه وهو الشيء، كأنك قلت: ما رأيت شيئا إلا زيداً وهذا الاستثناء يقع في جميع مقتضيات الفعل أعنى فاعله ومفاعيله وما شبه بها، فقولك إلا زيداً مستثنى من أعم عام المفعول به وكذلك ما لقيته إلا راكبا استثناء من أعم عام أحواله، وما ضربته إلا تأديبا مستثنى من أعم عام أعراضه. والإضافة في قوله: من أعم عام الأحوال مثل إضافة حب زمانه إلى من لا زمان له وإنما له المضاف الذي هو الحب لا غير كما تقول ابن قيس الرقيات، بإضافة قيس إلى الرقيات في أن الغرض إضافة الابن إلى الرقيات لأن قيسا ما شبب بالرقيات وإنما المشبب بهن ابنه ولا طريق إلى ذلك إلا بذكر المضاف والمضاف إليه جميعا، وقال الشيخ سعد الدين: هذه الإضافة كما في قولهم حب زمان زيد حيث لا زمان له، فإن القصد إلى إضافة الحب المختص بكونه للزمان إلى زيد وكذلك القصد إلى إضافة أعم العام ومثله: ابن قيس الرقيات فإن المتلبس بالرقيات ابن قيس لا قيس ففي مثل هذا

(2/579)


لابد من ذكر المضاف والمضاف إليه. ثم الإضافة، وتحقيقه أن يطلق الحب مضافا إلى الزمان والحب المقيد بالإضافة إلى الزمان مضاف إلى زيد.

(2/580)


سورة آل عمران

(3/47)


قوله: (عبر عنه بالتلاوة في ساعات الليل مع السجود ليكون أبين .. ).
قال الطَّيبي: أي مما لو قال: يتهجدون، لما في ذكرها وذكر الليل من تصوير تلك الحالة في أحسن صورة، فكأنه دعوى الشيء بالبرهان. اهـ
قوله: (روي أنه عليه السلام أخرها .. ).
يعني العشاء.
الحديث أخرجه أحمد والنسائي وابن حبان عن ابن مسعود.
قال الشيخ سعد الدين: قوله: (غيركم) بالنصب خبر (ليس)، و (من أهل الأديان) يكون حال من (أحد). اهـ
قوله: (أي الموصوفون بتلك الصفات ممن صلحت أحوالهم عند الله واستحقوا رضاه وثناءه).
قال الطَّيبي: اعلم أنَّ الصلاح هو وجود شيء على حال استقامته وكونه منتفعاً به، وإنما فسر (الصالحين) هاهنا بهذه المعاني لأنه موجب للصفات المذكورة من قبل، والإيذان بالإيجاب توسيط (أؤلئك) لأنه أعلم أنَّ ما بعده جدير بمن قبله لاكتسابه ما يوجبه، فالتعريف في (الصالحين) للجنس أي: الكاملين فيه. اهـ

(3/48)


قوله: (سمى ذلك كفراناً كما سمى توفية الثواب شكراً).
قال الطَّيبي: يعني لا يجوز أن يضاف إلى الله تعالى الكفران لأنه ليس لأحد عليه نعمة حتى يكفره، لكن لما وصف سبحانه بالشكور في تلك الآية -والشكور: مجاز عن توفية الثواب- نفى سبحانه على سبيل المشاكلة الكفران الذي هو مجاز عن تنقيص الثواب. اهـ
قوله (وتعديته إلى مفعولين ... ).
قال الشيخ سعد الدين: أحدهما ضمير المخاطبين القائم مقام الفاعل، والآخر الضمير المنصوب، والأصل: لن نكفركموه، أي: جزاؤه، بمعنى: لن نترك توفيته، ولولا تضمين الحرمان لكان الواجب: لن يكفر لكم، مثل شكرت لله نعمته. اهـ
قوله (بشارة لهم وإشعاراً. . .) إلى آخره.
قال الطَّيبي: يعني في إيراد العلم بعد الأعمال المذكورة بشارةٌ، لأنَّ الله تعالى إذا علم منهم أحوالهم ومجاهدتهم فيها لا يضيع أجرهم فيوفيهم أحسن ما عملوا، وفي وضع (المتقين) موضع المضمر إشعار بالعلية وإيذان بأنه لا يفوز عنده إلاّ أهل التقوى. اهـ
قوله: (من التشبيه المركب).
قال الطَّيبي: الذي تؤخذ فيه الزبدة والخلاصة من المجموع، والوجه قلة الجدوى والضياع.
قال: ويجوز أيضاً أن يكون من التشبيه المفرق الذي يتكلف لكل واحد من المشبه به شيء بقدر شبهه في المشبه، فشبه إهلاك الله بإهلاك الريح، وما ينفقون بالحرث، وما في غضب الله من جعل أعمال المرابين هباءً منثوراً بما في الريح البارد من حش الزرع وجعله حطاماً. اهـ

(3/49)


قوله: (وقرئ (ولكنَّ)، أي: ولكنَّ أنفسهم يظلمون).
قال الشيخ سعد الدين: فإن قيل على كلا القراءتين إشكال، وهو أنَّ (وَمَا ظَلَمَهُمُ) في الفعل، (ولكن أنفسهم يظلمون) في المفعول، [أما على القراءة المشهورة فلصريح تقديم المفعول، و] أمّا على قراءة التشديد فلأنه بنى الكلام على (أَنفُسَهُم) حيث جُعل في موضع المبتدأ مع أنه المفعول في المعنى، والذي يقتضيه ظاهر النظم أن يكون الكلام في الفاعل أي: ما نحن ظلمناهم ولكن هم ظلموا أنفسهم، كما تقول: ما أنا قلت هذا ولكن غيري قاله؟
قلنا: تقديم المفعول في المشهورة لرعاية الفاصلة لا الاختصاص والقصد إلى الفعل من حيث تعلقه بالفاعل أي: ما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم، وهو ظاهر، وأمّا على قراءة التشديد فبناء الكلام على (أَنفُسَهُم) من حيث فاعليتها لا مفعوليتها بمنزلة أن تقول: ولكن هم لا غيرهم ظلموا. اهـ
قوله: (وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ... ولكنّ من يبصر عيونك يعشق).
هو للمتنبي من قصيدة يمدح بها سيف الدولة، وقبله وهو أول القصيدة:
لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحب ما لم يبق مني وما بقي
وبين الرضى والسخط والقرب والنوى ... مجال لدمع المقلة المترقرق
قوله: (قال - صلى الله عليه وسلم -: الأنصار شعار والناس دثار).
أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم.
قوله: (لا يتمالكون أنفسهم).
قال الطَّيبي: أي لا يتمالكون انفلات ما يعلم به بغضهم. اهـ
قوله: (والجمل الأربع ... ).
المراد بها (لا يَأْلُونَكُمْ) (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ) (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ).

(3/50)


قال الشيخ سعد الدين: دون (وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) لظهور أنه حال. اهـ
قوله: (جات مستأنفات على التعليل).
قال الطَّيبي: قيل: يريد أنَّ الكل جواب عن السؤال عن النهي، والأحسن أن يجري الكل مستأنفات على الترتيب، كأنه قيل: لم لا نتخذهم بطانة؟ فقيل: لأنهم لا يقصرون في إفساد أمركم.
فقيل: ولم يفعلون ذلك؟ فأجيب: لأنهم يبغضونكم.
ولما كان كل من ذلك مترتباً على الآخر صح أن يقال إنها مستأنفات على التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة. اهـ
قال الشيخ سعد الدين: لا يريد أنَّ الكل علة واحدة بالاجتماع بل إنَّ كلاً منها علة للنهي بالاستقلال، ترك تعاطفها تنبيهاً على الاستقلال كما في قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا. . .) (ذَلِكَ بِمَا عَصَوا) بمعنى أنَّها مستأنفات للتعليل على طريق الترتيب بأن يكون اللاحق علة للسابق إلى أن يكون الأولى علة للنهي ويتم التعليل بالمجموع، أي: لا تتخذوا منهم بطانة لأنهم لا يألونكم خبالاً لأنهم يودون شدة ضرركم بدليل أنه قد تبدو البغضاء من أفواههم وإن كانوا يخفون الكثير، لكن لا يحسن ذلك في (قَدْ بَيَّنَّا) إذ لا يصلح تعليلاً لبدو البغضاء، ويصلح تعليلاً للنهى بأنََّا بينا الآيات الدالة على وجوب معاداة أعداء الله، وإن كان الأحسن أن يكون ابتداء كلام. اهـ
قوله: (بيان لخطئهم. .).
قال الطَّيبي: يعني لما قال: (هَا أَنْتُمْ أُولآءِ) أي: أنتم هؤلاء المشاهدون، تحقيراً لشأنهم وازدراءً لحالهم، لما شوهد منهم ما يجب تخطئتهم به بيّن ما به استحقوا هذا التحقير فقال: تحبونهم ولا يحبونكم. اهـ
قوله: (وهو حل من لا يحبونكم).
قال أبو حيان: يخدشه من صناعة النحو أنَّ المضارع المثبت إذا وقع حالاً لا يدخل

(3/51)


عليه واو الحال، ولهذا تأولوا: قمت وأصك عينه على حذف المبتدأ، أي: قمت وأنا أصك، فتصير الجملة إسمية هـ.
قال: ويحتمل هذا التأويل هنا، أي: ولا يحبونكم وأنتم تؤمنون بالكتاب كله، لكن الأولى كونها للعطف. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين في تقدير الحالية: يعني تقدير المبتدأ وترك ذكره اعتماداً على ما ذكره في بعض المواضعِ.
قال: ولم يجعله عطفاً على (يُحِبُّونَكُمْ) مع ظهوره لأنَّ ذلك في معرض التخطئة ولا كذلك الإيمان بالكتاب كله فإنه محض الصواب، والحمل على أنكم تؤمنون بالكتاب كله وهم لا يؤمنون بشيء لأنَّ إيمانهم كلا إيمان فإنَّ جامع المحبة سديد في تقدير الحالية دون العطف. اهـ
قوله: (والمعنى: إنهم لا يحبونكم والحال أنكم مؤمنون بكتابهم).
قال الطَّيبي: يريد أنَّها حال مقررة لجهة الإشكال كقولك: أتحسن إلى هؤلاء وإنهم يحاولون مضرتك، فعلى هذا يقدر (أنكم) ليصح إيقاع المضارع حالاً مع الواو، ويجوز أن لا يقدر وتكون الجملة معطوفة على (تحبون) أي: تجمعون بين المحبة والإيمان وكيت وكيت " اهـ
قوله: (دعاء عليهم بدوام الغيظ وزيادته بتضاعف قوة الإسلام وأهله)
وقال الشيخ سعد الدين: يشير الى أنَّ هذا من كناية الكناية عبر بدعاء موتهم بالغيظ عن ملزومه الذي هو دعاء ازدياد غيظهم إلى حين الهلاك وبه عن ملزومه الذي هو قوة الإسلام وعن أهله وذلك لأنَّ مجرد الموت بالغيظ أو ازدياده ليس مما يحسن أن يطلب ويدعى. اهـ
قوله (والمس يشعر بالإصابة)
جواب سؤالٍ مقدر تقديره: إنَّ من حق التقابل بين الفقرتين التوافق بين الكلمتين فكيف

(3/52)


خولف بينهما؟ والجواب: أنَّ الموافقة حاصلة من حيث المؤدى وأصل المعنى بشهادة الآيات الآتية.
(قال الطيبي): ونقل في الحواشي عن صاحب الكشاف أنه قال: وإنما جمع المس والإصابة لافتنان الكلام لأنه أفصح وأحسن.
قال الطَّيبي: وهذا على تقدير سؤال آخر يعني: هب أنَّ التوافق حاصل بين الفقرتين في أصل المعنى فما فائدة الاختلاف بينه وبين الآيات الأخر في (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ. . .) (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ. . .) (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا)؟
والجواب: أنَّ الاختلاف للافتنان في الكلام والنقل من أسلوب إلى أسلوب.
قال الطَّيبي: ولو قال لاقتضاء المقام والتنبيه على الخطأ العظيم للمخاطبين كما سبق في قوله (هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) فإنه يقتضي عنفاً شديداً وتعبيراً بليغاً، ولذلك استعير بجانب الحسنة المس، وذكر في السيئة الإصابة ليدل على الإفراط الشديد والتفريط البليغ، وليس كذلك في سائر الآيات لكان أحسن.
ولهذا المعنى أشار صاحب الانتصاف حيث قال: يمكن أن يقال المس أقل تمكناً من الإصابة وهو أقل درجاتها، أي: إن تصبكم حسنة أدنى إصابة تسؤهم ويحسدوكم، وإن تتمكن منكم المصيبة وتنتهي إلى الحد الذي يرثي عنده الشامت فهم لا يرثون ولا عن حسدهم يرجعون بل يفرحون ويسرون.

(3/53)


قال صاحب الإنصاف: هذا أحسن لكن يحتاج إلى الجواب عن آية (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ. . .)، صاحب الكشاف ذكر جواباً يعمها.
قال الطيبي: الجواب ما ذكرناه من أنَّ التخصيص بحسب القام، وإخراج الكلام على مقتضى الظاهر، والذي ينصر قول صاحب الانتصاف مجيء الفرح بمعنى البطر مقابلاً للسوء.
قال الجوهري: الفرح أيضاً البطر لقوله (إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) اهـ.
قوله: (وضمة الراء للإتباع).
قال الشيخ سعد الدين: هذا ما قالوا: إنَّ المجزوم والأمر من المضاعف المضوم العين يجوز الفتح للخفة، والكسر لأجل تحريك الساكن، والضم للإتباع. اهـ.
قوله: (روي أن المشركين نزلوا بأُحد يوم الأربعاء).
الحديث أخرجه ابن جرير والبيهقي في الدلائل من طريق ابن إسحاق قال حديث الزهري وعاصم بن عمر بن قتادة ومحمد بن يحيى بن حبان والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم.
ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري عن عروة.
بشر محبس: إذ لا ماء ولا طعام، وذباب السيف: طرفه الذي يضرب به ويذب، (فإن رأيتم): جوابه محذوف، أي: فافعلوا، واللأمة: مهموزة: الدرع، وقد تخفف بترك الهمزة، والشعب: بالكسر: الطريق في الجبل، وعدوة الوادي:

(3/54)


جانبه، و (انضحوا عنّا): فارشقوا النبل فيهم كالماء المنضوح ذابين عنّا.
وعبد الله بن جبير: بن النعمان الأنصاري، وجبير بضم الجيم، والباء الموحدة.
قوله: (متعلق بقوله (سميع عليم).
قال أبو حيان: لا يتعلق الجار بوصفين، والتحرير أنه على التنازع. اهـ
قال الحلبي: هو مراد عبارة الكشاف، أو عمل فيه معنى (سميع عليم). اهـ
قال الشيخ سعد الدين: أي يجمع بين سماع الأقوال والعلم بالضمائر إذ لا معنى لتقييد كونه سميعاً عليماً بذلك الوقت، فلذا لم يجعل الصفة المشبهة عاملة لا من جهة أنَّها لا تصلح للعمل في الظرف، ونحن قاطعون بأنَّ السميع العليم هنا صفة شبه لا صفة مبالغة للسامع والعالم بحيث يعتبر فيها معنى الحدوث. اهـ
قوله: (أنه عليه الصلاة والسلام خرج فى زهاء ألف رجل. . .).
الحديث أخرجه ابن جرير عن السدي.
وزهاء ألف: أي قدرها.
قوله: (أو لعلكم ينعم الله عليكم).
قال الشيخ سعد الدين: يعني أنه كناية أو مجاز عن نيل نعمة أخرى توجب الشكر. اهـ
قوله: (إنكار أنه لا يكفيهم ذلك).
قال الكواشي: أدخل همزة الاستفهام على النفي توبيخاً لهم على اعتقادهم أنهم لا ينصرون بهذا العدد فنقلته إلى إثبات الفعل على ما كان عليه مستقبلاً فقال

(3/55)


(أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ). اهـ
قوله: (كانوا كالآيسين من النصر).
قال الطَّيبي: وذلك أنَّ (لَنْ) فيها رد إنكار منكر، تقول لصاحبك: لا أقيم غداً، فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غداً، أنزلهم ليأسهم من النصر منزلة المنكرين. اهـ
قوله: (وهو فى الأصل مصدر فارت القدر. . .) إلى آخره.
قال الراغب: الفور: شدة الغليان، ويقال ذلك في النار نفسها إذا هاجت، وفي القدر، والغضب، قال تعالى (وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ)، وفلان من الحمى يفور، والفوارة: ما يقذف القدر من فورانها، وفوارة الماء: تشبيهاً بغليان القدر، ويقال: فعلت كذا من فوري: أي من غليان الحال، وقيل سكون الأمر قال تعالى (وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا).اهـ
قوله: (لقوله عليه السلام: تسوموا فإنَّ الملائكة قد تسومت).
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وابن جرير عن عمير بن إسحاق مرسلاً وزاد: قال: فهو أول يوم وضع فيه الصوف.
قوله: (لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) متعلق بـ (نصركم).
قال الشيخ سعد الدين: أي في قوله (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ) على تقدير أن يجعل (إِذ تَقُولُ) ظرفاً لـ (نَصَرَكُم) لا بدلاً ثانياً من (وَإِذْ غَدَوْتَ)، لأنَّ ذلك يوم أحد فيكون أجنبياً فيلزم الفصل به، وأما تعلقها بقوله (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ) فيصح على التقديرين، ولكنّ العامل (هو النفي) المنقوض بـ (إلاّ) أو النصر

(3/56)


الواقع مبتدأ فيه تردد، والظاهر من كلامه هو الأول. اهـ
قوله: (عطف على (أو يكبتهم)).
قال الشيخ سعد الدين: وجه سببية النصر على تقدير تعلق اللام بقوله (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) ظاهر، وأما على تقدير تعلقها بقوله (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ) فلأنَّ النصر الواقع ببدر كان من أظهر الآيات وأبهر البينات فيصلح سبباً للتوبة على تقدير الإسلام، أو ليعذبهم على تقدير البقاء على الكفر لجحودهم بالآيات، وإن أريد التعذيب في الدنيا بالأسر فالأمر ظاهر، فإن قيل: هو يصلح سبباً لتوبتهم والكلام في التوبة عليهم؟ قلنا: يصلح سبباً لإسلامهم الذي يصلح سبباً للتوبة عليهم، فيكون سبباً بالواسطة. اهـ
قوله: (ويحتمل أن يكون مطوفاً على (الأمر) أو (شىء). .) إلى آخره.
قال الطَّيبي: الفرق بين الوجهين أنه على الأول سلب ما يتبع التوبة والتعذيب منه صلوات الله عليه بالكلية من القبول والرد والخلاص من العذاب والمنع من النجاة، وعلى الثاني سلب نفس التوبة والتعذيب منه يعني: لا تقدر أن تجبرهم على التوبة ولا تمنعهم عنها ولا تقدر أن تعذبهم ولا أن تعفوا عنهم فإنَّ الأمور كلها بيد الله. اهـ
قوله: (روي أنَّ عتبة بن أبى وقاص شجه بأُحد).
الحديث أخرجه عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير عن قتادة، وهو في الصحيح من حديث سهل بن سعد وليس فيه ذكر عتبة.
قوله: (وذكر العرض للمبالغة في وصفها بالسعة على وجه التمثيل).
قال الشيخ سعد الدين: يعني ليس القصد إلى تحديد عرض الجنة بذلك لامتناع كونها في السماء، بل هو كناية عن غاية السعة والبسطة بما هو غاية في ذلك في علم السامعين. اهـ
قوله: (وعن ابن عباس: كسبع سماوات وسبع أرضين لو وصل بعضها إلى بعض).

(3/57)


أخرجه ابن جرير.
قوله: (من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً).
أخرجه عبد الرزاق وأحمد من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ.
قوله: (إنَّ هؤلاء فى أمتى قليل إلا من عصم الله وقد كانوا كثيراً فى الأمم التى مضت).
رواه الثعلبي في تفسيره عن مقاتل بلاغاً، والديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس بن مالك.
قال الشيخ سعد الدين: والاستثناء منقطع وهو ظاهر، أو متصل لما في القلة من معنى العدم، كأنه قيل: إنَّ هؤلاء في أمتي لا يوجدون إلا من عصم الله فإنه يوجد فى أمتي. اهـ
قوله: (والمراد وصفه تعالى بسعة الرحمة).
قال الطَّيبي: اعلم أنَّ صاحب الكشاف سلك بهذا التركيب في هذا المقام مسلكاً عجيباً، وخرج تخريجاً غريباً قلما تذهب إليه الأذهان إلا من ريض نفسه في علم البيان وتمرن في الأصول، فنقول: إنه ساق كلامه أولاً في بيان ما يقتضي التركيب من الخواص بدلالة عبارته من جهة المولى، ثم ثنى إلى بيان ما يقتضيه بدلالة إشارته من جهة العبد.
أما الأول فعلى وجوه:
أحدها: دلالة اسم الذات بحسب ما يقتضيه هذا المقام من معنى الغفران الواسع، وإيراد التركيب على صيغة الإنشاء دون الإخبار بأن لم يقل: وما يغفر الذنوب إلا الله تقرير لذلك المعنى وتأكيد، كأنه قيل: هل تعرفون أحداً يقدر على غفر الذنوب كلها صغيرها وكبيرها سالفها وغابرها غيرَ من وسعت رحمته كل شيء.
وفي نقيضه قال صاحب المفتاح في قراءة (مَن فرعون) على الاستفهام: (وفرعون) هل تعرفون من هو في فرط عنفه، وشدة شكيمته، وتفرعنه؟ ما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله.
ويعضد ما قلناه قوله في آخر هذه السورة في قوله (لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ): لإلى الرحيم

(3/58)


الواسع الرحمة المثيب العظيم الثواب تحشرون.
ثانيها: تقديمه عن مكانه وإزالته عن مقره لأنه اعترض بين المبتدأ والخبر ثم بَيَّنَ المعطوف والمعطوف عليه، أي: فاستغفروا ولم يصروا، للدلالة على شدة الاهتمام به والتنبيه على أنه كلما وجد الاستغفار لم يتخلف عنه الغفران.
وثالثها: الإتيان بالجمع المحلى بلام التعريف إعلاماً بأن التائب إذا تقدم بالاستغفار يتلقى بغفران ذنوبه كلها فيصير كمن لا ذنب له.
ورابعها: دلالة الحصر بالنفي والإثبات على أن لا مفزع للمذنبين إلا كرمه وفضله، وذلك أنَّ من وسعت رحمته كل شيء لا يشاركه أحد في نشرها كرماً وفضلاً.
وخامسها: إسناد غفران الذنوب إلى نفسه سبحانه وإثباته لذاته المقدس بعد وجود الاستغفار وتنصل عبيده يدل على وجوب ذلك قطعاً إما بحسب الوعد عندنا أو العدل عندهم.
وأما النظر من جهة العبد ففيه وجوه أيضاً:
أحدها: أنَّ في إبداء سعة الرحمة واستعجال المغفرة بشارةً عظيمةً وتطيباً للنفوس.
وثانيها: أنَّ العبد إذا نظر إلى هذه العناية الشديدة والاهتمام العظيم في شأن التوبة يتحرك نشاطه ويهتز عطفه فلا يتقاعد عنها.
وثالثها: أنَّ في ضمن معنى الاستغراق قلع اليأس والقنوط، ولهذا علل سبحانه النهي عن الإقناط في قوله (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ) بقوله (إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا).
ورابعها: أطلقت الذنوب وعممت بعد ذكر الفاحشة وظلم النفس، وترك مقتضى الظاهر ليدل به على عدم المبالاة في الغفران فإنَّ الذنوب وإن جلت فعفوه أعظم.
وخامسها: أنَّ الاسم الجامع في تركيب قوله (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ) كما دل على سعة الغفران بحسب المقام يدل أيضاً على أنه تعالى وحده معه مصححات المغفرة

(3/59)


من كونه عزيزاً ليس أحد فوقه فيرد عليه حكمه، وكونه حكيماً يغفر لمن تقتضى حكمته غفرانه " اهـ
قوله: (ولم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين).
قال الطَّيبي: (غير مستغفرين) حال من الضمير في (يقيموا)، والجملة تفسير لقوله (وَلَمْ يُصِرُّوا). اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: هذا المجموع تفسير لقوله (وَلَمْ يُصِرُّوا)، لأن عدم الإصرار هو أن لا يقيم على القبيح من غير استغفار بل يرجع عنه بالتوبة.
قال: ومنهم من توهم أنَّ عدم الاستغفار قيد في عدم الإصرار والمعنى: أنهم لم يكونوا مصرين غير مستغفرين، وبنى عليه كلاماً لا طائل تحته. اهـ
قوله: (ما أصر من استغفر).
الحديث أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر الصديق.
قوله: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) حال من (يصروا)، أي: ولم يصروا على قبيح فعلهم عالمين به).
قال الشيخ سعد الدين: إشارة إلى أنَّ قوله (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) ليس قيداً للنفي لعدم الفائدة، لأنَّ ترك الإصرار موجب للأجر والجزاء سواءً كان مع العلم بالقبيح أو مع الجهل، بل مع الجهل أولى، وإذا كان قيداً للفعل المنفي فله معنيان:
أحدهما: وهو الأكثر أن يكون النفي راجعاً إلى القيد فقط، ويثبت أصل الفعل مثل: ما جئت راكباً؟ بمعنى: جئت غير راكب، وقد ذكر في قوله تعالى (لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) أنه نفي للصمم والعمى وإثبات للخرور، وأنَّ النفي إذا ورد على ذات مقيدة بالحال يكون إثباتاً للذات ونفياً للحال، وهذا أيضاً ليس بمراد إذ ليس المعنى على إثبات الإصرار ونفي العلم.
وثانيهما: أن يقصد نفي الفعل والقيد معاً، بمعنى انتفاء كل من الأمرين مثل: ما جئتك راكباً؛ بمعنى: لا مجيء ولا ركوب، وهذا أيضاً ليس بمناسب إذ ليس المعنى على نفي العلم، أو بمعنى انتفاء الفعل من غير اعتبار لنفي القيد وإثباته وهذا هو المناسب في الآية، أي: ولم يصروا عالمين، بمعنى أنَّ عدم الإصرار متحقق ألبتة، والحاصل أنَّ القيد في

(3/60)


الكلام المنفي قد يكون لتقييد النفي، وقد لا يكون لنفي المقيد بمعنى انتفاء كل من الفعل والقيد أو القيد فقط أو الفعل فقط. اهـ
قوله: (ولا يلزم من إعداد الجنة للمتقين والتائبين جزاءً لهم أن لا يدخلها المصرون). قصد بذلك الرد على الزمخشري فيما قرره في كشافه في هذا المحل.
قال صاحب الفرائد: دلت الآية على أنَّ غير المصر تغفر ذنوبه ويدخل الجنة، وأمّا المصر فالآية لا تدل على أن لا تغفر ذنوبه ولا يدخل الجنة، ومن عدم الدليل لا يلزم عدم المدلول. اهـ
وقال الطَّيبي: قوله (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) خطاب لآكلي الربا من المؤمنين ردعاً لهم عن الإصرار إلى ما يؤديهم إلى دركات الهالكين من الكافرين، وتحريضاً على التوبه والمسارعة إلى نيل الدرجات مع الفائزين والمتقين من التائبين، فإدراج المصرين في هذا المقام بعيد المرمى لأنه إغراء وتشجيع على الذنب لا (زجرا ولا) ترهيب، فبين بالآيات معنى المتقين للترغيب والترهيب ومزيد تصوير مقامات الأولياء ومراتبهم ليكون حثاً لهم على الانخراط في سلكهم، ولا بد من ذكر التائبين واستغفارهم وعدم الإصرار ليكون لطفاً لهؤلاء، وجميع الفوائد التي ذكرت في قوله (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ) يدخل في المعنى، فعلم من هذا أنَّ دلالة مفهوم قوله (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) مهجور لأنَّ مقام التحريض والحث أخرج المصرين. اهـ
قوله: (وكفاك فارقاً بين القبيلين أنه فصل آيتهم. .) إلى آخره.
قال الطَّيبي: مآل كلام القاضي أنَّ اختصاص ذكر الأجر لمقتضى المقام وإلا فلم خولف بين الجزاءين والمتقون أيضاً عاملون؟
قال: ثم في قوله (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) وجوه من المحسنات:
أحدها: أنَّها كالتذييل للكلام السابق فيفيد مزيد تأكيد للاستلذاذ بذكر الوعد.

(3/61)


وثانيها: في إقامة الأجر موضع ضمير الخبر، لأنَّ الأصل: ونعم أجر العاملين جزاوُهم هو إيجاب إنجاز هذا الوعد، وتصوير صورة العمل في العمالة تنشيطاً للعامل.
وثالثها: في تعميم (الْعَامِلِينَ) وإقامته مقام المضمر الدلالة على حصول المطلوب للمذكورين بطريق برهاني. اهـ
قوله: (أي أنه مع كونه بياناً للمكذبين).
قال الطيبي: إشارة إلى أنَّ المراد بالناس المكذبون المخاطبون بقوله (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ)، أو الذين سبق ذكرهم من المتقين والتائبين والمصرين، والأولى أن يراد به الجنس؛ أي: بيان لجميع الناس لكن المنتفع به المتقون لأنهم يهتدون وينتجعون بوعظه. اهـ
قوله: (أو إلى ما لخص من أمر المتقين والتائبين، وقوله (قد خلت) اعتراض للبعث والتوبة).
قال الطَّيبي: الذي ذهبنا إليه أنَّ تلك الآيات واردة على سبيل الترغيب والترهيب لآكلي الربا، والمخاطبون بقوله (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ) هم الذين سبق خطابهم بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا)، وذلك أنه تعالى بعدما حذرهم من النار المعدة للكافرين وأمرهم بالمسارعة إلى نيل درجات الفائزين بيَّن لهم سوء عاقبة من كذب الأنبياء في ترغيبهم وترهيبهم؛ أي: إنذارهم وبشارتهم لأنهم ما بعثوا إلا لهما، فعلى هذا قوله تعالى (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) إشارة إلى ما يخص المخاطبين من الترهيب والترغيب والحث، وقوله (قَد خَلَت) إلى قوله (وَلا تَهِنُوا) كالتخلص من قصة آكلي الربا التي استطردت لذكر المحاربة إلى ما جرى له الكلام من مجاهدة الكفار، وهذا أولى من جعلها معترضة لأنها توجب أن تجعل الآيات كلها موافقة لها، لأن المعترضة مؤكدة للمعترض بأن يقال: إنَّ تلك الآيات دلت على الترهيب والترغيب (وهذه الآية دلت على الترهيب)، ومعنى الترهيب راجع إلى الترغيب بحسب التضاد، وكما أنَّ بعض الآيات الواردة في الرحمن للوعيد تعد من الآلاء بحسب الزجر عن المعاصي وذلك تعسف. اهـ

(3/62)


قوله: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا) تسلية لهم عما أصابهم يوم أحد).
قال الشيخ سعد الدين: يشير إلى أنه متعلق بما سبق من قصة أحد من جهة المعنى، وأمّا بحسب اللفظ فالظاهر أنه عطف على (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا) وتوسيط حديث الربا وما بعده قيل: استطراد، وقيل: إشارة إلى أنَّ هذا نوع آخر من عداوة الدين ومحاربة المسلمين. اهـ
قال الطيبي: هذا يؤذن أنَّ قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا. . .) إلى آخر الآيات مستطرد بين القصة وسلوك طريقة النظم فيها صعب، ولهذا قال الإمام: من الناس من قال: إنه تعالى لما شرح عظيم نعمته على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح لهم في أمر الدين وفي أمر الجهاد، واتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي والترغيب والتحذير وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا) فعلى هذا تكون الآية ابتداء كلام لا تعلق لها بما قبلها.
وقال القفال: يحتمل أن يكون متصلاً بما تقدم من جهة أنَّ المشركين إنما أنفقوا على تلك العساكر أموالاً جمعوها بسبب الربا، فلعل ذلك يصير داعياً للمسلمين إلى الإقدام على الربا حتى يجمعوا المال وينفقوه على العساكر فيتمكنوا من الانتقام منهم، فلا جرم نهاهم الله عن ذلك.
قال: والذي نقوله والعلم عند الله أنه تعالى لما عاتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) أتبعه قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) بمعنى أنك ما بعثت أن تتصرف في الأمور الإلهية ولكنك مبعوث للإنذار والبشارة، وهؤلاء الكفار أمرهم في التوبة أو التعذيب إلى مالكهم، وما كان عليك سوى الإنذار فقد أنذرتهم وبذلت وسعك فيه ففوض أمورهم إلى الله تعالى إن

(3/63)


شاء تاب عليهم وإن شاء عذبهم، وثن بالإنذار إلى أصحابك في أمر عظيم ارتكبوه وهو محاربتهم مع الله في أمر الربا، قال الله تعالى (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) فأرهبهم بالنار ليحترزوا عن الربا، ورغبهم في الجنة وأمرهم بالاعتبار والنظر في عاقبة المكذبين وبين لهم البيان الشافي ثم مع ذلك كله لا يكن منك ولا من أصحابك ضعف ولا وهن في الجهاد، ولا يورثنكم ما أصابكم حزناً في هذه الوقعة لأنَّ حالكم أعلى من حال الكفرة لأنَّ قتالكم لله ولإعلاء كلمة الله وقتالهم للشيطان ولإعلاء كلمة الكفر. اهـ
قوله: (إن كنتم مؤمنين).
متعلق بالنهي.
قال الطَّيبي: أي تتميم له كالتعليل لأنَّ الخطاب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين من الصحابة الكرام تسلية لما أصابهم يوم أحد فلا جائز أن يجري الشرط على حقيقته.
قال الزمخشري في قوله تعالى (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ. . . إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا. . .): (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ) متعلق بـ (لا تَتَّخِذُوا) أي: لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي.
أي: لأجل أنكم أوليائي إذ المجاهد من الصحابة رضوان الله عليهم لا يكون إلاّ ولياً. اهـ

(3/64)


قوله: (فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نُساءُ ويوم نُسر).
قال الشيخ سعد الدين: الأحسن أن يقدر: فيوماً يكون الأمر علينا، أي: بالإضرار، ويوماً لنا، أي: بالنفع، فيكون يوماً ظرف ملائماً لقوله (ويوماً نساء) من سيء فلان: أي أصيب بحزن، من ساءه: أحزنه، (ويوماً نسر) من سره: جعله مسروراً. اهـ
وذكر الزمخشري في شرح أبيات سيبويه أنَّ هذا البيت للنمر بن تولب، وقبله:
أرى الناس قد أحدثوا شيمة ... وفي كل حادثة يؤتمر
يهنون من حقروا سيبه ... وإن كان فيهم يفي أو يبر
ويعجبهم من رأوا عنده ... سواماً وإن كان فيه الغمر
ألا يالذا الناس لو تعلمون ... للخير خير وللشر شر
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر
قوله: (والمداولة كالمعاورة).
في النهاية: يقال: تعاور القوم فلاناً إذا تعاونوا عليه بالضرب واحداً بعد واحد.
قوله: (والأيام تحتمل الوصف والخبرية).
زاد أبو حيان: والبدل والبيان.
قوله: (ليكون كيت وكيت).
قال أبو حيان: لم يبين المحذوف بل كنى عنه بكيت وكيت، ولا يكنى عن الشيء المحذوف حتى يعرف هـ.
قال: وفي هذا الوجه حذف العلة وعاملها وإبهام فاعلها، فالوجه الآخر أظهر إذ ليس فيه غير حذف العامل. اهـ
وقال الطَّيبي في تفسير كيت وكيت: أي (سلطناهم عليكم) لرفع درجاتهم، ولأن الأيام دول، ولاستدراجهم، وليتميز الثابتون من (المتزلزلين). اهـ

(3/65)


قوله: (تقديره: وليتميز التائبون).
قال الشيخ سعد الدين: بيان لحاصل المعنى لا إشارة إلى أنَّ العلم مجاز عن التمييز بطريق إطلاق (اسم) السبب على المسبب. اهـ
قوله: (والقصد في أمثاله ونقائضه ليس إلى إثبات علمه تعالى ونفيه بل إلى إثبات المعلوم ونفيه).
قال الطَّيبي: أي الواجب أن يحمل على التمثيل، فإنه إن لم يحمل عليه يلزم ذلك المحذور، وذلك باطل لأنَّ الله تعالى لم يزل عالماً بالأشياء قبل كونها.
وقال صاحب الانتصاف: التعبير عن نفي المعلوم بنفي العلم خاص بعلم الله تعالى إذ يلزم من عدم تعلقه بوجود شيء إعدام ذلك الشيء ولا كذلك علم المخلوقين، فلا يعبر عنه بذلك لعدم الملزوم.
وقيل معناه: ليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء.
قال الزجاج: المعنى: ليقع ما علمنه غيباً مشاهداً للناس ويقع منكم، وإنما تقع المجازاة علي ما علمه الله من الخلق وقوعاً لا على ما لم يقع.
وقال أيضاً في قوله (وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ): أي يختبره بأعمالكم لأنه قد علمه غيباً فيعلمه شهادة، لأنَّ المجازاة تقع على ما علم مشاهدةً، أعني على ما وقع من عامليه لا على ما هو معلوم منهم. اهـ
قوله: (ويكرم ناساً منكم بالشهادة).
قال الطَّيبي: كنى بالاتخاذ عن الإكرام لأنَّ من يتخذ (شيئاً يتخذه) لينتفع به أو يتزين به كقوله (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) لأنَّ الشهيد مقرب حاضر في حظيرة

(3/66)


القدس. اهـ
قوله: (بل أحسبتم ومعناه الإنكار).
قال الشيخ سعد الدين: وحقيقته النهي عن الحسبان. اهـ
قوله: (والفرق بين (لما) و (لم) أنَّ فيه توقع الفعل فيما يستقبل).
قال أبو حيان: هذا الذي قاله في (لما) أنها تدل على توقع الفعل المنفي بها فيما يستقبل لا أعلم أحداً من النحويين ذكره، بل ذكروا أنك إذا قلت: لمّا يخرج زيد، دل ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى متصلاً نفيه إلى وقت الإخبار، أما أنها تدل على توقعه في المستقبل فلا، ولكني وجدت في كلام الفراء شيئاً يقارب هذا قال: (لمّا) لتعريض الوجود بخلاف (لم). اهـ
قال الحلبي: قد فرق النحاة بينهما من جهة أنَّ المنفى بـ (لم) هو فعل غير مقرون ب (قد)، و (لمّا) نفي له مقروناً بها، وقد تدل على التوقع، فيكون كلام الزمخشري صحيحاً من هذه الجهة.
قال: ويدل على ما قلته من كون (لم) لنفي فعل، و (لمّا) لنفيٍ قد فُعِل، نص النحاة (على ذلك) سيبويه فمن دونه. اهـ
وقال الزجاج: إذا قيل: قد فعل فلان، فجوابه: لمّا يفعل، أو فعل، فجوابه: لم يفعل، أو لقد فعل، فجوابه: ما فعل، أو هو يفعل (يريد ما يستقبل)، فجوابه: لا يفعل، أو سيفعل، فجوابه: لن يفعل. اهـ
قوله: (وقرئ بفتح الميم على أنَّ أصله يعلمن فحدفت النون).
خرجه غيره على أنه من التحريك بالفتح عند التقاء الساكنين إتباعاً للام وإبقاء لتفخيم

(3/67)


اسم الله.
قال الشيخ سعد الدين: ولم يرتكب هذا الوجه البعيد في (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) لإمكان الوجه الصحيح الشائع. اهـ
قوله: (نصب بإضمار (إن) على الواو للجمع).
قال أبو البقاء: والتقدير: أظننتم أن تدخلوا الجنة قبل أن يعلم الله المجاهدين وأن يعلم الصابرين. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: قيل المعنى: لم يكن العلم بالمجاهدين والعلم بالصابرين، أي: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة مع الجمع بين عدم متعلقي العلمين أعني الجهاد والصبر، والأصوب مع عدم الجمع بين الأمرين لأن مرجع واو الصرف إلى عطف مصدر بعده على مصدر الفعل السابق، فكما أنَّ معنى لا تأكل السمك وتشرب اللبن: لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، أي الجمع بينهما، فكذا هنا المعنى الواقع حالاً هو مضمون قولك: لم يكن منك العلم بالجهاد والعلم بالصبر، أي: لم يتحقق الأمران جميعاً. اهـ
قوله: (وقرئ بالرفع على أن الواو للحال).
قال أبو حيان: لا يصح هذا، لأنَّ واو الحال لا تدخل على المضارع، وقد خرجه الناس على الاستئناف. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: هو بتقدير المبتدأ، أي: أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم يسبق منكم مجاهدة مقيدة بالصبر، والظاهر أنَّ المراد الصبر عليها، (وَلَمَّا يَعلَم)، حال من (قَد خَلَت)، (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) حال من (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا) على التداخل. اهـ
قوله: (أي فقد رأيتموه معاينين له).
قال الزجاج: المعنى: فقد رأيتموه وأنتم بصراء، كما تقول: قد رأيت كذا وليس في عيني علة، أي: قد رأيته رؤية حقيقة، ففيه توكيد. اهـ
قوله: (وقيل الفاء للسببية. . .) إلى آخره.
قال الطَّيبي: أي قوله (أَفَإِنْ مَاتَ) مسبب عن جملة قوله (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ)،

(3/68)


وقوله (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) صفة (رَسُولٌ)، فدخلت همزة الإنكار بين المسبب والسبب لإعطاء مزيد الإنكار الذي يتضمنه قوله (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، وذلك أنَّ التركيب من باب القصر القلبي، لأنه جعل المخاطبين بسبب ما صدر عنهم من النكوص على أعقابهم عند الإرجاف بقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - كأنهم اعتقدوا أنَّ محمداً صلوات الله عليه ليس حكمه حكم سائر الرسل المتقدمة في وجوب اتباع دينهم بعد موتهم بل حكمه على خلاف حكمهم، فأنكر الله ذلك عليهم، وبين أنَّ حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم من سبق من الأنبياء صلوات الله عليهم في أنهم ماتوا وبقي أتباعهم متمسكين بدينهم ثابتين عليه، ثم عقب الإنكار بقوله (أَفَإِنْ مَاتَ) وأدخل الهمزة لمزيد ذلك الإنكار، يعني: إذا علم أنَّ أمره أمر الأنبياء السابقين فلم عكستم الأمر؟ فإن لم يجعل ذلك العلم سبباً للثبات فلا أقل من أن لا يجعل سبباً للانقلاب.
قال: وأما كلام صاحب المفتاح أنَّ التركيب من باب القصر الإفرادي -أي: محمد مقصور على الرسالة، لا يتجاوزها إلى البعد عن الهلاك، يعني أنَّهم أثبتوا له صفة الرسالة والخلد استعظاماً لهلاكه فقصر على صفة الرسالة- فحديثٌ خارج عن مقتضى المقام، وبمعزل عن موجب النظم، ويؤيده قوله تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)، كما أنه تعريض بما أصابهم من الوهن، والانكسار عند الإرجاف بقتل النبي - صلى الله عليه وسلم -. اهـ
وكذا قال الشيخ سعد الدين: في كلام صاحب المفتاح بُعد من جهة عدم اعتباره الوصف أعني (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، حتى كأنه لم يجعله وصفاً بل ابتداء كلام

(3/69)


لبيان أنه ليس متبرئاً من الهلاك كسائر الرسل إذ على اعتبار الوصف لا يكون القصر إلا قصر قلب.
قال: ومن زعم أنه يلزم مِن حمله على قصر القلب أن يكون المخاطبون منكرين للرسالة فقد أخطأ خطأً بيّناً وذهل عن الوصف. اهـ
قوله: (روي أنه لما رمى عبد الله بن قميئة الحارثى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. . .)
الحديث بطوله أخرجه ابن جرير عن السدي هكذا، ووردت أبعاضه موصولة من طرق.
قال الطَّيبي: وقوله هنا عبد الله بن قميئة مخالف لما سبق عند قوله تعالى (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) أنه عتبة بن أبي وقاص. قال: والذي هنا أصح. اهـ
قوله: (بل يضر نفسه).
قال الشيخ سعد الدين: مستفاد من تقييد الفعل بالمفعول ورجوع القيد إلى النفي فيكون المعنى أنه صدر عنه ضرر لكن لا بالنسبة إلى الله تعالى، ومعلوم أنه ليس غير نفسه. اهـ
قوله: (وسيجزي الله الشاكرين) على نعمة الإسلام بالثبات عليه كأنسٍ وأضرابه).
قال الطَّيبي: وضع (الشاكرين) موضع الثابتين علي الإسلام تسمية للشيء باسم مسببه، إذ أصل الكلام: ومن ينقلب على عقبيه يكن كافراً لنعمة لله التي أنعم عليه بالإسلام
فيضر نفسه حيث كفر نعمة الله، والله يجزيه ما يستحقه، ومن ثبت عليه يكن شاكراً لتلك النعمة، والله يجزيه الجزاء الأوفى، ولم يذكر ما يجزي به ليدل على التعميم والتفخيم، ففي الكلام تعريض وإليه أشار بقوله: (الشاكرين الذين لم ينقلبوا) كأنسِ وأضرابه. اهـ
قوله. (إلاّ بمشيئة).
قال الطَّيبي: استعير للمشيئة الأذن على التمثيل بأن شبه حال من يحاول ما يتوصل به إلى موته -من طلب تسهيله ولا يجد إلى ذلك سبيلاً إلاّ بتيسير الله تعالى- بحال من يتوخى الوصول إلى قرب من هو محتجب عنه ولا يحصل مطلوبه إلاّ بإذن منه وتسهيل الحجاب له، وهذه الآية موقعها موقع التذييل للكلام السابق، وأخرجت مخرج التمثيل، فنسبتها إلى المؤمنين التحريض والتشجيع على القتال والجهاد ومن ثم قيل:

(3/70)


إذا كانت الأبدان للموت أنشب ... فقتل امرئٍ بالسيف لله أجمل
، وإلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - الوعد بالحفظ وتأخير الأجل، وإليهما الإشارة بقوله (وفيه تحريض هـ. .) إلى آخره. اهـ
قوله: (ويؤيد الأول أنه قرئ بالتشديد).
(سبق إلى ذلك ابن جني فقال: إنَّ (قُتِّلَ) بالتشديد) يتعين أن يسند الفعل فيها إلى الظاهر يعني (ربيين) لأنَّ الواحد لا تكثير فيه. اهـ
وقال أبو البقاء: لا يمتنع أن يكون فيه ضمير النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه في معنى الجماعة. اهـ
أي أنَّ المراد بالنبي الجنس فالتكثير بالنسبة لكثرة الأشخاص.
وهذا الذي قاله أبو البقاء استشعره ابن جني وأجاب عنه فقال: فإن قيل: يسند إلى (نبي) مراعاة لمعنى (كم)؟
فالجواب: أنَّ اللفظ قد فشا على جهة الإفراد في قوله (مِنْ نَبِيٍّ) ودل الضمير المفرد في (مَعَهُ) على أنَّ المراد إنما هو التمثيل بواحد فخرج الكلام عن معنى (كم). اهـ
قال أبو حيان: وليس بظاهر، لأن (كأين) مثل (كم) يجوز فيها مراعاة اللفظ تارة والمعنى أخرى. اهـ
قوله: (والألف من إشباع الفتحة).
قال أبو حيان: هذا الإشباع لا يكون إلا في الشعر، وهذه الكلمة في جميع تصاريفها بنيت على هذا الحذف، تقول: استكان يستكين فهو مستكين ومستكان له، والإشباع لا يكون على هذا الحد.
قال: فالظاهر أنه (استفعل) من الكون فيكون أصل ألفه واواً، أو من قول العرب: بات

(3/71)


فلان بكينة سوء؛ أي بحالة سوء، أو من: كَانَه يكينه إذا أخضعه، قاله الأزهري وأبو علي، فعلى قولهما أصل الألف ياء. اهـ
قوله: (أي: وما كان قولهم مع ثباتهم وقوتهم في الدين وكونهم ربانين إلا هذا القول وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم).
قال الطَّيبي: إشارة إلى أنَّ هذا المعنى كالتتميم والمبالغة في صلابتهم في الدين وعدم تطرق الوهن والضعف إليهم، وذلك من إفادة الحصر وإيقاع (أن) مع ذلك الفعل اسماً لـ (كان). اهـ
قوله: (وإنما جعل (قولهم) خبراً لأن (أن قالوا) أعرف).
وقال الزمخشري: لأنه لا سبيل عليه في التنكير بخلاف قول المؤمنين).
قال صاحب المطلع: ومعناه أن قول المؤمنين إن اختزل عن الإضافة يبقى مُنكّراً بخلاف (أن قالوا).
وقال أبو البقاء: اسم كان ما بعد (إِلاّ)، وهو أقوى من أن يجعل خبراً والأول اسماً لوجهين: أحدهما: أنَّ (أن قالوا) يشبه المضمر في أنه لا يوصف وهو أعرف.
والثاني: أن ما بعد (إِلاّ) مثبت، والمعنى: كان قولهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا دأبهم في الدعاء. اهـ
وقال الطَّيبي: كأنَّ المعنى: ما صح ولا استقام من الربانيين في ذلك المقام إلا هذا القول، وِكأنَّ غير ذلك القول مناف لحالهم، وهذه الخاصية يفيدها إيقاع (أن) مع الفعل اسماً لـ (كان).
وتحقيقه ما ذكره صاحب الانتصاف قال: فائدة دخول (كان) المبالغة في نفي الفعل

(3/72)


الداخلة عليه بتعديد جهة فعله عموماً باعتبار الكون وخصوصاً باعتبار خصوصية المقام فهو نفي مرتين.
قال الطَّيبي: فعلى هذا لو جعلت رب الجملة (أَنْ قَالُوا) واعتمدت عليه وجعلت (قَوْلَهُمْ) كالفضلة حصل لك ما قصدته، فلو عكست ركبت المتعسف، ألا ترى إلى أبي البقاء كيف جعل الخبر نسياً منسياً في الوجه الثاني واعتمد ما بعد (إلا). اهـ
قوله (ولا يرى الضب بها ينجحر).
صدره: لا تفزع الأرنب أهوالها
يصف مفازة بأنه لا وحش بها، والبيت من نفي الشيء بإيجابه، أي: لا ينجحر الضب؛ أي: لا يدخل جحراً فيرى بها، ومقصود المصنف أنَّ الآية كذلك، أي: لا سلطان ولا نزول معاً.
قوله: (بشرط التقوى والصبر).
قال الطَّيبي: يعني أنَّ المراد بقوله (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ) هو الوعد بالنصر المقيد بالصبر والتقوى في قوله (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا. . .) الآية، فلما لم يوجد الشرط وهو الصبر فقد المشروط وهو النصر، فالآية على هذا متصلة بتلك الآية. اهـ
قوله: (وجواب (إذ) محذوف وهو امتحنكم).
قال أبو حيان: يظهر لي تقدير غيره وهو: انقسمتم قسمين، ويدل عليه ما بعده، وهو نظير (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) التقدير: انقسموا قسمين فمنهم مقتصد. اهـ
قوله: (أو بمقدر كاذكر).
قال الطَّيبي: قيل فيه إشكال إذ يصير المعنى: اذكر يا محمد إذ تصعدون.
وقيل الصواب: أنَّ تقدير اذكر على قراءة (يصعدون) بالياء، ويمكن أن يقال: ليس مراده أنه منصوب [بإضمار (اذكر) صيغة أمر الواحد بل المراد] أنه منصوب بما ينتصب به أمثاله من لفظ الذكر بحسب ما يطابق الواقع فيقدر (اذكروا)، وإنما أفرد إذ الغالب في أمثال هذه المواضع الإفراد، ويحوز أن يكون من باب قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا

(3/73)


طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ). اهـ
قوله: (عطف على (صرفكم)).
قال أبو حيان: فيه بعدٌ لطول الفصل بين المتعاطفين، والذي يظهر أنه معطوف [على (تصعدون ولا تلوون)] لأنه مضارع في معنى الماضي، لأن (إذ) تصرف المضارع إليه. اهـ
قوله: (غماً متصلاً بغم).
قال الطَّيبي: يشير إلى أنَّ التكرير للاستيعاب نحو قوله (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ). اهـ
قوله: (وظفر المشركين)
قال الطَّيبي: قيل: لو كان قال: وغلبة المشركين؛ كان أحسن، لأنَّ الظفر للمؤمنين. اهـ
قوله: (والإرجاف).
في الأساس: رجف البحر: اضطرب، ومن المجاز: أرجفوا في المدينة بكذا؛ أي: أخبروا به على أن يوقعوا في الناس الاضطراب من غير أن يصح عندهم. اهـ
قوله: (ليتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا يحزنوا فيما بعد).
قال الطَّيبي: ولا بد من هذا التأويل، لأنَّ المجازاة بالغم بعد الغم سبب للحزن لا لعدمه. اهـ
قوله: (وقيل: الضمير في (فأثابكم) للرسول).
قال أبو حيان: هذا خلاف الظاهر لأن المسند إليه الأفعال السابقة هو الله وذلك في قوله (صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ) (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ) فيكون هذا كذلك، وذكر الرسول إنما جاء في جملة حالية نعى عليهم فرارهم مع كون من اهتدوا على يده يدعوهم، فلم يجيء مقصوداً لأنَّ يحدث عنه، إنما الجملة التي ذكر فيها في

(3/74)


تقدير المفرد إذ هى حال. اهـ
قوله: (فآساكم فى الاغتمام).
بالمد: جعلكم أسوته فيه.
قوله: (ولم يثربكم).
قال الجوهري: التثريب كالتأنيب والتعيير والاستقصاء في اللوم. اهـ
قوله: (وعن أبي طلحة: غشينا النعاس ... ) الحديث.
أخرجه البخاري).
قوله: (و (نعاساً) بدل ... ).
قال أبو حيان: وهو بدل اشتمال، لأنَّ كلاً منهما قد يتصور اشتماله على الآخر. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: على أنه كان نفس الأمنة. اهـ
قوله: (و (أمنة) حال منه).
قال أبو البقاء: والأصل: أنزل عليكم نعاساً ذا أمنة، لأنَّ النعاس ليس هو الأمن بل هو الذي حصل الأمن به. اهـ
قوله: (أو مفعول له).
زاد الزمخشري: بمعنى: نعستم أمنة. اهـ
قال أبو حيان: هذا فاسد لاختلال شرطه وهو اتحاد الفاعل إذ فاعل الإنزال هو الله تعالى، وفاعل الأمنة المنزل عليهم. اهـ
وقال الحلبي: فيه نظر، فإنَّ الزمخشري قدر له عاملاً يتحد فاعله مع فاعل (أَمَنَةً) فكأنه استشعر السؤال فلذلك قدر عاملاً، على أنه قد يقال إنَّ الأمنة من الله تعالى يعني أنه أوقعها بهم، كأنه قيل: أنزل عليكم النعاس ليؤمنكم به، وأَمَنَةً كما يكون مصدراً

(3/75)


لمن وقع به الأمن يكون مصدراً لمن أوقعه. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: إن أراد أنه بتقدير فعل هو (نعستم) فليس للفعل موقع حسن. اهـ
قوله: (قد أهمتهم ... ) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: أهمه الأمر: أقلقه وأحزنه، وأهمه الأمر: كان مهماً له معتنى بشأنه فالأول من الأول، والثاني من الثاني، والحصر مستفاد من المقام. اهـ
قوله: (صفة أخرى لطائفة).
قال الطَّيبي: قال صاحب التقريب: فيه نظر، لأنه لم يبق لـ (طائفة) خبر فينبغي أن يقدر له خبر: وثم، أو منهم طائفة. اهـ
قوله: (و (غير الحق) نصب على المصدر. .) إلى آخره.
قال ابن الحاجب: (غير الحق) و (ظن الجاهلية) مصدران أحدهما للتشبيه والآخر توكيد لغيره، والمفعولان محذوفان أي: تظنون أنَّ إخلاف وعده حاصل. اهـ
قوله: (وهو الظن المختص بالملة الجاهلية).
قال الشيخ سعد الدين: في إضافة ظن الجاهلية وجهان:
أحدهما: أن يكون إضافة الموصوف إلى مصدر الصفة، ومعناها الاختصاص بالجاهلية كما في حاتم الجود، ورجل صدق، على معنى: حاتم المختص بوصف الجود، ورجل مختص بوصف الصدق.
والثاني: أن يكون إضافة المصدر إلى الفاعل على حذف المضاف أي: ظن أهل الجاهلية أي: الشرك والجهل بالله. اهـ

(3/76)


قوله: (وهو بدل من (يظنون))
الأوجه ما قاله أبو حيان أنه حال من (يظنون) أو صفة أخرى.
قوله: (لله ولأوليائه ... ).
قال الشيخ سعد الدين: أي أنَّ كون الأمر لله كناية عن كونه لخواصه أيضاً لكونهم من الله بمكان وكونهم منصورين عالين على الأعداء. اهـ
قوله: (وهو بدل من (يُخْفُونَ)، أو استئناف على وجه البيان له).
قال الطَّيبي: كأنه قيل: ما ذلك القول الذي كانوا يُخْفُونَ في هذا القول؟
فأجيب: يقولون أي يقولون في أنفسهم قولاً معناه: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. اهـ
قال الشيخ سعد الدين: الأجود الاستئناف لكثرة فوائده، ولأنه لو كان بدلاً من (يُخْفُونَ) و (تُخفُون) حال من (يَقُولُون هَل لنَا) لكان (يَقُولُونَ لَو كَانَ لَنَا) في موضع الحال من (يَقولُون هَل لنَا)، ولا خفاء في عدم المقارنة إذ (يَقُولُونَ لَو كَانَ) مرتب على قوله (إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) المقول بعد قولهم (هَل لنَا). اهـ
قوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: اعلم أنَّ تأويل هذه الآية من المعضلات، والتركيب من باب الترديد للتعليق كقول الشاعر:
لو مسها حَجَر مسته سراءُ
لأن قوله (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ) خبر (إنَّ)، وزيدت (إنَّ) للتوكيد وطول الكلام و (ما) لتكفها عن العمل، وأصل التركيب: إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما تولوا لأن الشيطان ولاّهم بسبب اقتراف الذنوب، كقوله: إنَّ الذي أكرمك إنما أكرمك لأنك تستحقه، ثم قوله (اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ) إما أن يريد به ذنوب اقترفوها قبل التولي فصارت تلك الذنوب سبباً لهذا التولي، فيكون من باب إطلاق السبب على المسبب، أو أن يراد به هذا الذنب الخاص وهو التولي يوم أحد وهو المراد

(3/77)


من قوله: وقيل: استزلال الشيطان إياهم هو التولي، والمعنى: إن الذين انهزموا يوم أحد إنما ارتكبوا هذا الذنب لمّا تقدمت لهم ذنوب.
والتركيب على التقديرين من باب تحقيق الخبر كقوله:
إن الذي ضربت بيتاً مهاجرة ... بكوفة الجند غالت دونها غول.
وليس من باب أنَّ الصلة علة للخبر كقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ) لأنَّ قوله (بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) يأباه، وتحقق التحقيق. اهـ
قوله: (وكان حقه (إذ) لقوله (قالوا) لكنه جاء على حكاية الحال الماضية)
قال الشيخ سعد الدين: معناه أن تقدر نفسك كأنك موجود في ذلك الزمان الماضي، أو تقدر ذلك الزمان كأنه موجود الآن، وهذا كقولك: قالوا ذلك حين يضربون، والمعنى: حين ضربوا، إلاّ أنك جئت بلفظ المضارع استحضاراً لصورة ضربهم في الأرض.
واعترض بوجهين:
الأول: أنَّ حكاية الحال إنما تكون حيث يؤتى بصيغة الحال، والمذكور هنا صيغة الاستقبال، لأنَّ معنى إذا ضربوا: حين يضربون فيما يستقبل.
الثاني: أن قولهم (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا) إنما هو بعد موتهم فكيف يتقيد بالضرب في الأرض؟ فكيف ما اعتبروه إنما هو حال حياتهم.
وأجيب عن الأول: بأن (إِذَا ضَرَبُوا) في معنى الاستمرار كما في (وَإِذَا لَقُوا الذِينَ ءَامَنوا) فيفيد الاستحضار نظراً إلى الحال.
وعن الثاني: بأنَّ (وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ) في موقع جزاء الشرط من جهة المعنى، فيكون المعنى: لا تكونوا كالذين كفروا وإذا ضرب إخوانهم في الأرض فماتوا أو كانوا غزاً

(3/78)


فقتلوا قالوا: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فالضرب والقول كلاهما في معنى الاستقبال، وتقييد القول بالضرب إنما هو باعتبار الجزاء الأخير وهو الموت والقتل، فإنه وإن لم يذكر لفظاً لدلالة قوله (مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا) عليه فهو مراد معنى، والمعتبر المقارنة عرفاً كما في قوله (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ) وقوله: إذا طلع هلال المحرم آتيك في منتصفه.
وقال الزجاج: (إذا) هنا تنوب عما مضى من الزمان وما يستقبل، يعني أنه لمجرد الوقت أو لقصد الاستمرار، والذي يقتضيه النظر الصائب أن لا يجعل (إِذَا ضَرَبوا) ظرف (وَقَالُوا) بل ظرف ما يحصل للإخوان حتى يقال لأجلهم في حقهم ذلك القول، كأنه قيل: قالوا لأجل الأحوال العارضة للإخوان إذا ضربوا بمعنى حين كانوا يضربون. انتهى كلام الشيخ سعد الدين.
وقال أبو حيان: يمكن إقرار (إذا) على الاستقبال بأن يقدر العامل فيها مضاف مستقبل على أنَّ ضمير (لو كَانُوا) عائد على (إخوانهم) لفظاً لا معنى على حد: عندي درهم ونصفه، والتقدير: وقالوا مخافة هلاك إخوانهم إذا ضربوا أو كانوا غزاً لو كان إخواننا الآخرون الذين تقدم موتهم وقتلهم عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فتكون هذه المقالة تثبيطاً لإخوانهم الباقين عن الضرب والغزو لئلا يصيبهم ما أصاب الأولين. اهـ
قال الطَّيبي: تلخيص الوجوه الثلاثة هو أنَّ التعليل في الوجه الأول داخل في حيز الصلة ومن جملة المشبه به، والمعنى: لا تكونوا مثلهم في القول الباطل والمعتقد الفاسد المؤديين إلى الحسرة والندامة والدمار في العاقبة، وفي الثاني: العلة خارجة عن جملة المشبه به لكن القول والمعتقد داخلان فيه، أي: لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعل انتفاء كونكم معهم في ذلك القول والاعتقاد حسرة في قلوبهم خاصة، وفي الثالث: الكل خارج من ذلك، والمعنى: لا تكونوا مثلهم ليجعل انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، فعلى هذا قوله تعالى (وَقَالُوا) ابتداء كلام عطف على مقدرات شيء كما يقتضيه أقوال المنافقين وأحوالهم وأفعالهم.

(3/79)


قال: فإن قلت: فما وجه اتصاله بالشبه، وما تلك المقدرات؟
قلت: لما وقع التشبيه على عدم الكون عمّ جميع ما يتصل بهم من الرذائل، وخص المذكور لكونه أشنع وأبين لنفاقهم، أي أنهم أعداء الدين لم يقصروا في المضارة والمضادة بل فعلوا كيت وكيت وقالوا كذا وكذا، ونظيره موقع قوله (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) من قوله (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ). اهـ
قوله: (على أنّ اللام لام العاقبة ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: لما كان إيقاع الحسرة مترتباً على قولهم ذلك من غير أن يكون الثاني مطلوباً بالأول شبه بأمر مترتب على أمر يكون الأول عرضاً في الثاني على التهكم والتوبيخ ثم استعير لترتب المشبه كلمة الترتب المشبه به وهي اللام. اهـ
قوله: (أو بـ (لا تكونوا)، أي: لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول والاعتقاد، وليجعله حسرة فى قلوبهم خاصة).
قال أبو حيان: هذا كلام مثبج لا تحقيق فيه، لأن جعل الحسرة لا يكون سبباً للنهي، إنما يكون سبباً لحصول امتثال النهي، وهو انتفاء المماثلة، فحصول ذلك الانتفاء والمخالفة فيما يقولون ويعتقدون يحصل عنه ما يغيظهم ويغمهم إذا لم يوافقوهم فيما قالوه واعتقدوه فلا يضربون في الأرض ولا يغزون، فالتبس على الزمخشري استدعاء انتفاء المماثلة بحصول الانتفاء، وفهم هذا فيه خفاء ودقة. اهـ
قال الحلبي: ولا أدري ما وجه تثبيج كلام الزمخشري، وكيف رد عليه على زعمه بكلامه. اهـ
وقال السفاقسي: يلزم على هذا الاعتراض أن لا يجوز نحو: لا تعص لتدخل الجنة، لأنَّ النهي ليس سبباً لدخول الجنة بل حصول المنهي عنه، وكذا لا يجوز: أطع الله لتدخل الجنة، لأنَّ الأمر ليس سبباً لدخول الجنة بل لحصول الأمور.

(3/80)


قال: والحق أنَّ اللام متعلق بالفعل المنهي عنه والمأمور به على معنى أنَّ الكف عن الفعل أو الفعل المأمور به سبب لدخول الجنة ونحوه، وهذا لا إشكال فيه. اهـ
قوله: (فإنه تعالى يحيي المسافر والغازى ويميت المقيم والقاعد).
قال الطَّيبي: أراد تحقيق قولهم: الشجاع موقىً والجبان ملقى. اهـ
قوله: (من مات يمات).
أصله على هذا: موت، بكسر الواو، ونقلت الكسرة كما في خاف، وعلى الأخرى موت، بفتح الواو، وقلبت كما في قال.
قوله: (جواب القسم وهو ساد مسد الجزاء).
قال السفاقسي: إن عنى أنه حذف لدلالته عليه فصحيح، وإن عنى أنه لا يحتاج إلى تقدير فليس بصحيح. اهـ
وقال الحلبي: إنما عنى الأول. اهـ
قوله: (لإلى الله تحشرون).
عن صاحب الكشاف: الحرف وإن دخل على الحرف صورة فهو على التحقيق دخل على الجملة.
قوله: (و (ما) مزيدة للتأكيد والدلالة على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة).
قال الطَّيبي: لابد من تقدير محذوف ليصح الكلام، لأنَّ الحصر مستفاد من تقديم الجار والمجرور على العامل، والتوكيد من زيادة (ما)، فالمعنى (ما) مزيدة للتوكيد، والجار والمجرور مقدم للدلالة، فهو من باب اللف التقديري. اهـ
قوله: (وهو ربطه على جأشه).
بالهمز أي: ربط الله على جأش النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال الجوهري: يقال: فلان رابط الجأش؛ أي: شديد القلب، كأنه يربط نفسه عن الفرار لشجاعته، وجأش القلب روعه: إذا اضطرب عند الفزع. اهـ
قوله: (وتوفيقه للرفق بهم).

(3/81)


قال الطَّيبي: يعني أفاد قوله (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ) في هذا المقام فائدتين:
إحداهما: ما يدل على شجاعته.
والثانية: ما يدل على رفقه، فهو من باب التكميل، قال حكيم:
حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب
وقد اجتمع فيه صلوات الله وسلامه عليه هاتان الصفتان يوم أحد حيث ثبت حتى كر إليه أصحابه مع أنه شج وكسرت رباعيته، ثم ما زجرهم ولا عنفهم عن الفرار بل آساهم في الغم كما قال (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ)، وهو المراد بقوله: ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق. وفيه أنَّ هذه الآيات من هنا إلى قوله (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) مرتبط بعضها ببعض، فإن قلت: جعل الله تعالى الرحمة من الله علة لنبيه - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه وقد فسرها بأمرين وثانيهما ظاهر المدخل في العلِّية فبيِّنْ وجه الأول؟
قلت: الشجاع من ملك نفسه عند الغضب كما صح في الحديث، فربطُ الله جأشه سببٌ لكسر سورة الغضب الموجب لغلظ القلب والحمل على اللين، فاعجب لشدة هي في الحقيقة لين. اهـ
قال الشيخ سعد الدين: إنما جعل الرفق ولين الجانب مسبباً عن ربط الجأش لأنَّ من ملك نفسه عند الغضب كان كامل الشجاعة. اهـ
قوله: (روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر ... )
الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه من حديث ابن عباس).
قوله: (أو ظن به الرماة يوم أحد حين تركوا المركز للغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أخذ شيئاً فهو له ولا يقسم الغائم).
زاد في الكشاف عقبه: كما لم يقسم يوم بدر، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟

(3/82)


فقالوا: تركنا بقية إخواننا.
فقال - صلى الله عليه وسلم -: بل ظننتم أنّا نغل ولا نقسم لكم. فنزلت.
وهذا ذكره الثعلبي والواحدي عن الكلبي ومقاتل.
قوله: (وإما المبالغة فى النهي ... ).
قال الطَّيبي: يعني أجرى الخبري مجرى الطلبي مبالغة.
في الانتصاف: يشهد لورود هذه الصيغة نهياً مواضع من التنزل (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ).
في الإنصاف: يعارضه ورود هذه الصيغة للامتناع العقلي كثيراً (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا). اهـ
قوله: (روي أنه بعث طلاع ... ).
الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وابن جرير عن الضحاك مرسلاً.
في النهاية: الطلائع هم القوم الذين يبعثون ليطلعوا طلع العدو كالجواسيس، واحدهم طليعة، وقد يطلق على الجماعة، والطلائع: الجماعات. اهـ
قوله: (فيكون تسمية حرمان بعض المستحقين غلولاً تغليظاً ومبالغة ثانية).
قال ابن المنير: هذا مخالف لعادة لطف الله برسوله - صلى الله عليه وسلم - " في التأديب ومزجه باللطف (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) بدأه بالعفو فما كان له أن يعبر بهذه

(3/83)


العبارة. اهـ
قال الطَّيبي بعد حكايته: قد جاء أغلظ من ذلك بناءً على التهييج والإلهاب نحو قوله (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) أو التعريض (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ)، ومن هذا قوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ)، قال: كنى عن مباشرة النساء بالرفث استهجاناً لما وجد منهم قبل الإباحة، كما سماه اختياناً. اهـ
قلت: ما قاله الطَّيبي لا ينافي ما قاله ابن المنير، فإنَّ ابن المنير لم ينكر الخطاب الوارد من الله في هذا المعنى وإنما أنكر قول الزمخشري (تغليظاً) فإن هذه اللفظة لا تليق، ولهذا عبر الطَّيبي في الآية التي أوردها بالتهييج والإلهاب، ولم يجسر هو ولا غيره أن يعبروا بالتغليظ، ولهذا قال الشيخ سعد الدين هنا: قد استقبحت من المصنف هذه العبارة، فإنَّ العادة قد جرت باللطف مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالأولى أنه تعظيم لجنابه - صلى الله عليه وسلم - حيث عدَّ أدنى زلة منه غلولا. اهـ
ثم لا يعجبني قوله أدنى زلة، فإنه - صلى الله عليه وسلم - منزه عن الزلة؛ بل فعله ذلك إن صح صادر عن اجتهاد لا ينقض، فالأولى أن يكون على حد (لئن أشركت) خوطب وأريد غيره ممن يفعل هذا بعد النهي عنه (1).
قوله: (يأت بالذي غله يحمله على عنقه كما جاء فى الحديث).
رواه البخاري ومسلم من حديث أبي حميد الساعدي بلفظ: والذي نفس محمد بيده لا يغل أحدكم شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه.
قوله: (شبهوا بالدرجات لما بينهم من التفاوت).
قال الطيبي: وضع درجات موضع متفاوتون إطلاقاً للملزوم على اللازم على سبيل الاستعارة، أو جعلهم نفس الدرجات مبالغة في التفاوت فيكون تشبيهاً محذوف الأداة. اهـ
قوله: (والله بصير).
__________
(1) كلام الشيخ سعد الدين محمول على الفرض كما في قوله تعالى (وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ) فصدور الظلم من الله تعالى غير متصور فلو وقع -على سبيل الفرض المحال- فيكون ظلاما لا ظالماً. وفيه من المدح والثناء ما فيه كذلك الأمر هاهنا في حق الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم -. والله أعلم. اهـ (مصحح النسخة الإلكترونية).

(3/84)


قال الأزهري: البصير في صفة العباد هو المدرك ببصره الأكوان، وسمع الله وبصره لا يكيفان ولا يحدان، والإقرار بهما واجب كما وصف نفسه. اهـ
قوله: ((إن) هى المخففة، واللام هى الفارقة، والمعنى: وإنّ الشأن كانوا من قبل بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ضلال ظاهر).
ذكر مكي مثله إلا أنه قال: التقدير: وإنهم كانوا من قبل، فجعل اسمها ضميراً عائداً على المؤمنين.
قال أبو حيان: وكلا الوجهين لا يعرف نحو: يا ذهب إليه، إنما تقرر عندنا في كتب النحو ومن الشيوخ أنك إذا قلت: إنَّ زيداً قائم، ثم خففت فمذهب البصريين فيها وجهان:
أحدهما: جواز الإعمال، ويكون حالها وهي مخففه كحالها وهي مشددة إلا أنها لا تعمل في مضمر، ومنع من ذلك الكوفيون، وهم محججون بالسماع الثابت من لسان العرب.
والوجه الثاني: وهو الأكثر عندهم أن تهمل فلا تعمل لا في ظاهر ولا في مضمر، لا ملفوظ به ولا مقدر ألبتة، فإن وليها جملة اسمية ارتفعت بالابتداء والخبر ولزمت اللام في باقي مصحوبيها إن ينف وفي أولهما إن تأخر فتقول: إن زيد لقائم ومدلوله مدلول إن زيد قائم، وإن وليها جملة فعلية فلا بد عند البصريين أن تكون من نواسخ الابتداء، وإن جاء الفعل من غيرها فهو شاذ لا يقاس عليه عند جمهورهم. اهـ
وقال الحلبي: لم يصرح الزمخشري بأنَّ اسمها محذوف فقد يكون هذا تفسير معنى لا إعراب. اهـ
قوله: (والواو عاطفة للجملة على ما سبق من قصة أحد [أو على محذوف).
قال أبو حيان: أما العطف على ما مضى من قصة أحد] ففيه بعد، وبعيد أن يقع

(3/85)


مثله في القرآن، وأما العطف على محذوف فهو جار على ما تقرر من مذهبه، وقد رددنا عليه، وأما على مذهب الجمهور سيبويه وغيره قالوا: وأصلها التقديم، وعطفت الجملة الاستفهامية على ما قبلها. اهـ
وقال الطَّيبي: إن كان المعطوف عليه ما مضى فالهمزة داخلة بين المعطوف والمعطوف عليه للطول مزيداً للإنكار ولابد إذن من إنكار في الكلام السابق، ومضمون المعطوف عليه وهو جملة قوله (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ ... ) الآية: أكان من الله الوعد بالنصر على أعدائكم بشرط الصبر والتقوى، فلما فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم أمر الرسول ونفر أعقابكم يريدون الدنيا وأصابكم الله بما أصابكم وقلتم حين أصابكم ذلك: أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم، أنتم السبب فيما أصابكم. اهـ
قوله: (مثل أفعلتم كذا).
قال الطَّيبي: أي الفشل والتنازع والعصيان والخروج من المدينة والإلحاح على النبي - صلى الله عليه وسلم -. اهـ
قوله: (و (لما) ظرف)
قال أبو حيان: هو مذهب أبي علي الفارسي، ومذهب سيبويه -وهو الصحيح- أنها حرف وجوب لوجوب. اهـ
قوله: (من أين هذا)
قال أبو حيان: الظرف إذا وقع خبراً للمبتدأ لا يقدر داخلاً عليه حرف جر غير (في)، أما أن يقدر داخلاً عليه (من) فلا، لأنه إنما انتصب على إسقاط (في) فتقديره (أَنَّى هَذَا): من أين هذا؛ تقديرٌ غير سائغ وذهول عن القاعدة. اهـ
وقال الحلبي: الزمخشري لم يقدر غير (في) مع (أَنَّى هَذَا) حتى يلزمه ما قال، إنما جعل (أَنَّى) بمنزلة من أين في المعنى. اهـ

(3/86)


قوله: (وعن علي: باختياركم الفداء يوم بدر)
أخرجه الترمذي وحسنه، والنسائي.
قوله: (فهو كائن بقضائه ... ).
قال الشيخ سعد الدين: إشارة إلى أنَّ الظرف خبر المبتدأ، ودخول الفاء لتضمن معنى الشرط، ووجه السببيه ليس بظاهر إذ ليست الإصابة سبب التخلية بل بالعكس فهو من قبيل (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ)، أي: ذلك سبب للإخبار بكونه من الله تعالى على ما ذكرنا أنَّ القيد في الأوامر قد يكون للمطلوب وقد يكون للطلب فكذا في الأخبار.
فإن قيل: تقديره هو كائن؛ يخالف ما تقرر من أنَّ الظرف مقدر بالفعل؟ قلنا: هو بيان للمعنى، وإلا فالتقدير: فبإذن الله يكون ويحصل. اهـ
قوله: (وتخلية الكفار سماها إذناً لأنه من لوازمه).
قال الطَّيبي: قد مر كيفية استعارة الإذن للتيسير في هذه السورة، ووجهه أنَّ التكليف لما بني على الاختيار والابتلاء استعير هنا الإذن لتخلية الكفار وغلبتهم على المسلمين فكأنّ التكليف يستدعي التخلية ويطلب التيسير للابتلاء. اهـ
قوله: (أو كلام مبتدأ)
قال الطَّيبي: لما ذكر الله أحوال المؤمنين وما جرى لهم وعليهم في الآيات وبيَّن أنَّ الدائرة إنما كانت للابتلاء، وليتميز المؤمنون عن المنافقين، وليعلم كل واحد من الفريقين أنَّ ما قدره الله من إصابة المؤمنين كائن لا محالة أورد قصة من قصصهم مناسبة لهذا المقام مستطردة، وجيء بالواو لأنها ملائمة (لأصل الكلام)، والنفاق على هذا مطلق متعارف، وعلى أن يكون (وقيل لهم) عطفاً على (نافقوا) يكون بياناً له، وأنه نفاق خاص أظهروه في ذلك المقام حيث قالوا (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً

(3/87)


لاتَّبَعْنَاكُمْ). اهـ
قوله: (لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: هو من باب إخراج نوع من جنس وإدخاله في جنس آخر بالادعاء والمبالغة كقولك: ليس فلان آدمياً بل هو أسد. اهـ
قوله: (أو لا نحسن قتالاً).
قال الطَّيبي: المنفي على المعنى الأول القتال، وعلى الثاني القدرة عليه، لأن التقدير: لو نحسن قتالاً تدعونا إليه لاتبعناكم، يقال: فلان لا يحسن القتال؛ أي: لا يعرفه معرفة حسنة بتحقيق وإتقان. اهـ
قوله: (دغلاً).
في الأساس: الدغل: الغيل والشجر الملتف، ومن المجاز: اتخذ الباطل دغلاً ومنه دغل فلان، وفيه دغل أي: فساد وريبة. اهـ
قوله: (لانخذالهم).
في الأساس: أقدم على الأمر ثم انخذل عنه أي: ارتد وضعف. اهـ
قوله: (بدلاً من واو (يكتمون)).
قال الطَّيبي: المعنى والله أعلم بما يكتم الذين قالوا. اهـ
قوله: (بدلاً من الضمير في (بأفواههم)).
قال الطَّيبي: أي: يقولون بأفواه الذين قالوا لإخوانهم، فيكون من باب التجريد.
قال الشاعر:

(3/88)


دعوت كليباً دعوةً فكأنما ... دعوت به ابن الطود أو هو أسرع. اهـ
قوله: (أو قلوبهم).
قال الطَّيبي: المعنى: ما ليس في قلوب الذين قالوا، فهو تجريد أيضاً على نحو قوله (لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ). اهـ
قوله: (كقوله: على جوده لضن بالماء حاتم).
وصدره: على حالةٍ لو أنَّ في القوم حاتماً.
وقبله قوله:
فلما تصافنا الإداوة أجهشت ... إلى غضون العنبريِّ الجُراضِم
فجاء بجلمود له مثل رأسه ... ليشرب ماء القوم بين الصرائم
قال الشيخ سعد الدين: التصافن: اقتسام الماء بالحصص عند ضيق الماء، وذلك إنما يكون بالمقلة تسقي الرجل بقدر ما يغمرها، وحاول العنبري الزيادة المفرطة على حقه لفرط عطشه وكونه واسع البطن أكولاً؛ وهو معنى الجراضم بضم الجيم، والصرائم: جمع صريمة وهي منقطع الرمل ويقل فيه الماء، والإجهاش: تفزع الإنسان إلى غيره مع تهيؤٍ للبكاء كالصبي إلى الأم، وغضون الجلد: مكاسره كالجبين، وأسند الإجهاش إليها لأنَّ مخايله تظهر فيها، وحاتم: بالجر بدل من ضمير جوده. اهـ
قال الطَّيبي: (على جوده) حال من ضمير الاستقرار، أي: لو أنَّ حاتماً مستقر في القوم، أي كائناً على جوده، (حاتم) بالجر، لأن القوافي كلها مجرورة، وهو بدل من

(3/89)


الهاء في ضمير (جوده) بدل المظهر من المضمر نحو: مررت به أبي زيد. اهـ
قوله: ((وقعدوا) مقدرة بقد).
قال الشيخ سعد الدين: يعني أنَّ الواو للحال لأنه ليس بالمقصود من العطف. اهـ
قوله: (نزلت في شهداء أحد).
أخرجه الحاكم عن ابن عباس.
قوله: (وقيل فى شهداء بدر).
وهو غلط، إنما تلك آية البقرة.
قوله: (أو إلى (الذين قتلوا) والمفعول الأول محذوف).
زاد الزمخشري: ويكون التقدير: ولا يحسبنهم الذين قتلوا أمواتاً، أي: ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً. اهـ
قال أبو حيان: وما ذهب إليه من هذا التقدير لا يجوز، لأنَّ فيه تقديم المضمر على مفسره، وهو محصور في أماكن لا تتعدى وليس هذا منها. اهـ
قال السفاقسي: مسلَّم أنه ليس واحداً منها لكن (الذين) فاعل وعود الضمير على الفاعل المتأخر في اللفظ جائز لأنه مقدم في المعنى، وإنما هذا مما تعدى فيه فعل الظاهر إلى ضميره وهو جائز في ظننت وأخواتها، وحسبت منها، وقد نص السيرافي وغيره على جواز (ظنه زيدٌ منطلقاً) و (ظنهما الزيدان منطلقين) وهذا نظير ما ذكره الزمخشري. اهـ

(3/90)


وكذا قاله ابن هشام في المغني بعد نقله رد أبي حيان على الزمخشري: وهو غريب جداً فإنَّ هذا المؤخر مقدم الرتبة. اهـ
ثم قال أبو حيان: وقوله إنَّ المفعول الأول محذوف قد يتمشى على رأي الجمهور فإنهم يجوزنه لكنه عندهم عزيز جداً، ومنعه إبراهيم بن ملكون الإشبيلي ألبتَّة، وما كان ممنوعاً عند بعضهم عزيزاً عند الجمهور ينبغي ألاّ يحمل عليه كلام الله، فتأويل من تأول الفاعل مضمراً يفسره المعنى أي: لا يحسبنَّ هو -أي: أحدٌ أو حاسبٌ- أولى، وتتفق القراءتان في كون الفاعل ضميراً وإن اختلف بالخطاب والغيبة. اهـ
وقال الحلبي: هذا من تحملات أبي حيان على الزمخشري، أما قوله (يؤدي إلى تقديم المضمر ... ) إلى آخره فالزمخشري لم يقدره صناعةً بل إيراداً للمعنى المقصود، ولذلك لمّا أراد أن يقدر الصناعة النحوية قدره بلفظ (أنفسهم) المنصوبة وهي المفعول الأول، وأظنُ الشيخ توهم أنَّها مرفوعة تأكيد للمضمر في (قتلوا) ولم ينتبه لأنه إنما قدرها مفعولاً أول منصوبة، وأما تمشيته قوله على مذهب الجمهور فيكفيه وما عليه من ابن ملكون، وستأتي مواضع يضطر هو وغيره إلى حذف أحد المفعولين. اهـ
وقال الطَّيبي: حذف أحد المفعولين في باب الحسبان مذهب الأخفش، خلافاً لسيبويه. اهـ
قال الشيخ سعد الدين: فإن قيل: كيف جاز في المقتولين؟ قلنا: لأنهم أحياء ونفوسهم باقية مدركة. اهـ
قوله: (بل أحسبهم أحياءً)
هو تخريج الزجاج، وقد رده الفارسي بأن الأمر يقين فلا يؤمر فيه بحسبان، قال:

(3/91)


ولا يصح أن يضمر له إلا فعل الحسبان، فإن أضمر (اعتقدهم) أو (اجعلهم) فهو ضعيف إذ لا دلالة عليه.
وقال الحلبي: وهذا تحامل من الفارسي لأن (حسب) قد تأتي لليقين كقوله:
حسبت التقى والجود خير تجارة
وتضعيفه تقدير (اعتقدهم) و (اجعلهم) يريد من حث عدم الدلالة اللفظية وليس كذلك بل إذا أرشد المعنى إلى شيء قدر من غير ضعف، وإن كان دلالة اللفظ أحسن.
وقال أبو حيان: لا يصح تقدير (اجعلهم) ألبتَّة سواءً أجعلته بمعنى اخلقهم أو صيرهم أو سمهم أو ألقهم. اهـ
وقال السفاقسي: يصح إذا كان بمعنى اعتقدهم. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: لا منع من الأمر بالحسبان لأنه ظن لا شك، والتكليف بالظن واقع لقوله تعالى (فاعتبروا) (أمر) بالقياس وتحصيل الظن. اهـ
قوله: (ذوو زلفى منه).
قال الشيخ سعد الدين: يعني ليس (عند) هنا للقرب المكاني لاستحالته، ولا بمعنى في علمه وحكمه كما في قولهم: هو كذا عند سيبويه؛ لعدم مناسبة المقام، بل

(3/92)


بمعنى القرب شرفاً ورتبة. اهـ
قوله: (بدل من (الذين)).
قال الطَّيبي: أي بدل الاشتمال لأن الضمير في (عليهم) عائد إلى (الذين لم يلحقوا بهم)، وقد ضم إليه السلامة من الخوف والحزن. اهـ
قوله: (عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قال: أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ... ).
الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه على شرط مسلم.
قال الإمام التوربشتي: أراد بقوله (أرواحهم في أجواف طير خضر) أنَّ الروح الإنسانية المتميزة المخصوصة بالإدراكات بعد مفارقتها البدن يهيأ لها طير أخضر فتنتقل إلى جوفه ليعلق ذلك الطير من ثمر الجنة، فتجد الروح بواسطته ريح الجنة ولذتها والبهجة والسرور، ولعل الروح يحصل لها تلك الهيئة إذا تشكلت وتمثلت بأمر الله تعالى طيراً أخضر كتمثل الملك بشراً، وعلى أي حالة كانت فالتسليم واجب علينا لورود البيان الواضح على ما أخبر عنه الكتاب والسنة وروداً صريحاً لا سبيل إلى خلافه).
قوله: ((يستبشرون) كرره للتوكيد).
قال أبو حيان: أعربه غير الزمخشري بدلاً من الأول، ولذا لم يدخل عليه واو العطف. اهـ
قوله: (وليعلق به ما هو بيان لقوله (أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ))
قال الطَّيبي: يعني كرر (يَسْتَبْشِرُون) ليعلق به قوله (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)، وهو بيان وتفسير لقوله (أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ

(3/93)


يَحْزَنُونَ)، لأنَّ الخوف غم يلحق الإنسان مما يتوقعه من السوء، والحزن غم يلحقه من فوات نافع أو حصول ضار، فمن كان متقلباً في نعمة من الله وفضل فلا يحزن أبداً ومن جعلت أعماله مشكورة غير مضيعة فلا يخاف العاقبة. اهـ
قوله: (وقرأ الكسائى بالكسر على أنه استئناف معترض).
قال أبو حيان: ليست هذه الجملة اعتراضاً لأنَّها لم تدخل بين شيئين أحدهما يتعلق بالآخر. اهـ
قال الحلبي: ويمكن أن يجاب عنه بأن (الذِينَ استجَابُوا) يجوز أن يكون تابعاً لـ (الذين لم يلحقوا) نعتاً أو بدلاً، فعلى هذا يتصور الاعتراض. اهـ
قال الطَّيبي: قول الزمخشري: على أنَّ الجملة اعتراض، أي: تذييل للآيات السابقة من لدن قوله (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ)، وفي ذكر المؤمنين إشعار بأن من وسم بسمة المؤمنين كائناً من كان شهيداً مقرباً أو من أصحاب اليمين فإن الله تعالى لا يضيع ًأجره. اهـ
قوله: (صفة للمؤمنين أو نصب على المدح).
قال الطَّيبي: فعلى هذا يجب أن يكون (أنَّ) المفتوحة مع ما بعدها معطوفة على النعمة والفضل، ويكون (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ... ) الآية مستأنفة، أي: ما لهم حينئذ؟ فقيل: لهم أجر عظيم. اهـ
قوله: (أو مبتدأ خبره (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا)).
قال أبو حيان: [إنه الظاهر. اهـ
قال الطَّيبي]: أي (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا) مع ما في حيز الصلة مبتدأ، وقوله (أَجْرٌ

(3/94)


عَظِيمٌ) مبتدأ ثان، و (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول. اهـ
وبقي من الوجوه أن يكون رفعاً على القطع.
قوله: (و (من) للبيان).
قال الطَّيبي: فالكلام فيه تجريد، جرد من (اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) المحسن المتقي. اهـ
وقال أبو حيان: من لا يرى ورود (من) للبيان قال إنَّها للتبعيض حالاً من ضمير (أحسنوا) وعليه أبو البقاء. اهـ
قوله: (روي أن أبا سفيان وأصحابه -إلى قوله- فنزلت)
أخرجه ابن جرير عن عكرمة والسدي وغيرهما، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة عن ابن إسحاق عن شيوخه.
قوله: (من حضر يومنا).
أي وقعتنا.
في الأساس: ذكر في أيام العرب كذا، أي: في وقائعها، (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ): بدمادمه على الكفار. اهـ
قوله: (فتحاملوا).
في الأساس: تحاملت الشيء: احتملته على مشقة. اهـ
قوله: ((الذين قال لهم الناس))
قال الشيخ سعد الدين: (الناس) الثاني في الآية غير الأول إذ اللام العهدية فيه ليست إشارة إلى ما ذكر صريحاً بل إلى ما يعرفه المخاطبون. اهـ
قوله: (روي أنه نادى عند انصرافه ... ).
الحديث أخرج ابن جرير بعضه عن مجاهد وبقيته عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن

(3/95)


عمرو بن حزم.
قوله: (وقيل في نعيم بن مسعود).
الحديث ذكره ابن سعد في طبقاته.
قوله: (الضمير المستكن للمقول)
قال أبو حيان: هو ضعيف من حيث إنه لا يزيد إيماناً إلا بالنطق به لا هو في نفسه. اهـ
قال الحلبي: وفيما قاله نظر، لأن المقول هو الذي في الحقيقة حصل به زيادة الإيمان. اهـ
وكذا قال السفاقسي: فيه نظر لأنَّ نفس المقول لا يزيد إيماناً بل باعتبار مدلوله. اهـ
قوله: (أو لفاعله إن أريد به نعيم).
قال أبو حيان: هو ضعيف من حيث إنه إذا أطلق على المفرد لفظ الجمع مجازاً فإن الضمائر تجري على ذلك الجمع لا على المفرد، فيفال: مفارقه شابت، باعتبار الإخبار عن الجمع، ولا يجوز: مفارقه شاب، باعتبار مفرقه شاب. اهـ
قال السفاقسي: لا يبعد جوازه بناءً على ما علم من استقراء كلامهم فيما له لفظ وله معنى اعتبار اللفظ تارة والمعنى أخرى. اهـ
وذكر الحلبي ونحوه.
قوله: (ويعضده قول ابن عمر: قلنا يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال: نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة، وينقص حتى يدخل صاحبه النار).

(3/96)


أخرجه الثعلبي في تفسيره.
قوله: (وفيه تحسير للمتخلف).
قال الطَّيبي: يعني في عطف قوله (وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ) على قوله (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ) على سبيل التكميل، وتذييل الآية (وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) مع التصريح بالاسم الجامع وإسناد (ذو فضل) إليه ووصفه بعظيم إيذان بأنَّ المتخلفين فوتوا على أنفسهم أمراً عظيماً لا يكتنه كنهه وهم أحق بأن يتحسروا عليه تحسراً ليس بعده. اهـ
قوله: (و (الشيطان) خبر (ذلكم) ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: ذكر في الآية وجوهاً:
أحدها: أنَّ (الشيطان) خبر (ذلكم)، والظاهر أنَّ المشار إليه (الناس) المذكور أولاً في قوله (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ... ) وهو نعيم بن مسعود لقوله: إنما ذلكم الشيطان، والمرا بـ (أولياءه) أبو سفيان وأصحابه، فيكون قوله (يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) على تقدير جواب سائل: لم قصرت الشيطنة فيه؟ وأجيب: بأنه يخوف المسلمين أبا سفيان وأصحابه خديعةً ومكراً، وتخويفه قوله: (ما هذا بالرأي) أتوكم في دياركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريد.
وثانيها: أن يكون (الشيطان) صفة، و (يُخَوِّفُ) الخبر، وحينئذٍ يجوز أن يراد بالمشار إليه (الناس) المذكور أولاً وهو نعيم، أو الثاني وهو أبو سفيان، والمراد بتخويف أبي سفيان نداؤه عند انصرافه من أحد: موعدنا موسم بدر لقابل، ولما كان الوجه الأول أبلغ لمكان التخصيص بتعريف الخبر وموقع الاستئناف وكان تخويف نعيم ظاهراً اختص به.
وثالثها: أن يكون المضاف محذوفاً والمراد بالشيطان إبليس كما صرح به، وعلى هذا الوجه المفعول الأول محذوف، والمراد بالأولياء: أبو سفيان وأصحابه، ويجوز أن يراد بالأولياء القاعدون، والمفعول الثاني محذوف والمراد بالتخويف: ما أوقع الشيطان في قلوبهم من الجبن والخور والرعب.

(3/97)


وكأنَّ أقرب الوجوه الوجه الأخير لأنه قيل في حق السابقين غير القاعدين (فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) فوضع موضع فما خافوا فزادهم إيماناً، وقال في حق هؤلاء القاعدين (فَلا تَخَافُوهُم وَخَافُونِ) وسموا أولياء الشيطان تغليظاً، ولذلك قرن به (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) مقابلاً لقوله (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا)، ثم إن أريد بالأولياء أبو سفيان وأصحابه والخطاب بقوله يخوفكم المؤمنون الخلص كان قوله (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) في معنى التعليل فلا يقتضي الجزاء، وإن أريد به المتخلفون كان المعنى: إن كنتم مؤمنين فخافوني وجاهدوا مع رسولي لأنَّ الإيمان يقتضي أن يؤثروا خوف الله على خوف الناس كما قال الإمام: والمعنى: الشيطان يخوف أولياءه الذين يطيعونه ويؤثرون أمره، وأما أولياء الله فهم لا يخافونه إذا خوفهم ولا ينقادون لأمره، وهذا قول الحسن والسدي.
قال الطَّيبي: والنظم يساعد عليه، فإنه تعالى لما بين أنَّ الذي أصاب المؤمنين يوم التقى الجمعان إنما أصابهم ليتميز المؤمن المخلص من المنافق فقسمهم أقساماً بدأ بذكر المنافقين ثم ثنى بذكر المؤمنين وجعلهم طبقات فذكر من استشهد وصدقوا ما عاهدوا الله عليه واستتبع مدحهم مدح الطبقة الثانية الذين لم يلحقوا بهم فذكر من أوصافهم أنَّهم الذين استجابوا لله والرسول تعريضاً بالمتخلفين، وأنهم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً، ولا فرغ من مدحهم التفت إلى الطبقة الثالثة وقال (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ)، ثم ثلث بذكر الذين محضوا الكفر و واطأت قلوبهم ألسنتهم فقال (وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ) مستطرداً لذكر أولياء الشيطان، ثم عاد إلى ما بدأ منه من قوله (مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) توكيداً وتقريراً، ولما أراد أن يذكر اليهود جعل قوله (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) مخلصاً إليه ثم قال (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ). اهـ
قال أبو حيان: إنما كان المراد بالشيطان على القولين الأولين نعيماً أو أبا سفيان لأنه لا يكون صفة والمراد به إبليس، لأنه إذا أريد به إبليس كان إذ ذاك علماً بالغلبة كالعيوق. اهـ
قال الحلبي: وفيه نظر. اهـ

(3/98)


قوله: (يقعون فيه سريعاً).
قال الطَّيبي: يشير إلى أنَّ (يسارعون) مضمن معنى يقعون، لأنَّ المسارعة تعدى بـ (إلى). اهـ
قوله: (والمعنى: لا يحزنك خوف أن يضروك).
قال الطَّيبي: يعني ما أوقع فاعل (وَلا يَحْزُنْكَ) موصولة لتدل صلتها على علة النهي بل أوقعه ليكني به عن إيصال المضرة لأنَّ من يرغب في الكفر سريعاً غرضه مراغمة المؤمنين وإيصال المضرة إليهم قتالهم ويدل عليه إيتاء قوله (لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا) رداً وإنكاراً لظن الخوف، وإلى هذا المعنى أشار صاحب المفتاح: ربما جعل ذريعة إلى التنبيه للمخاطب على الخطأ. اهـ
قوله: (وفي ذكر الإرادة إشعار بأنَّ كفرهم بلغ الغاية أراد أرحم الراحمين أن لا يكون لهم حظ من رحمته).
تبع فيه الكشاف حيث قال: فإن قلت هلا قيل: لا يجعل الله لهم حظاً في الآخرة، أي: نصيباً من الثواب، ولهم بدل الثواب عذاب عظيم، وأي فائدة في ذكر الإرادة؟ قلت: فائدته الإشعار بأنَّ الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم قد خلص خلوصاً لم يبق معه صارف قط حين سارعوا في الكفر تنبيهاً على تماديهم في الطغيان وبلوغهم الغاية حتى إنَّ أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم. اهـ قال الطَّيبي: السؤال والجواب مبني على مذهبه، والسؤال من أصله غير متوجه لأنه عدول عن الظاهر، فإن قوله (يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا) استئناف لبيان الموجب، كأنه قيل: لم يسارعون في الكفر مع أنَّ المضرة عائدة إليهم؟ فأجيب: أنه تعالى يريد ذلك منهم فكيف لا يسارعون. اهـ
قوله: (تكريراً للتأكيد).
قال الطَّيبي: أي هذه الآية والمتلوة قبلها سيان من حيث المعنى، فإن معنى (يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) و (اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ) سواء، لأنَّ المسارعة للرغبة والمشتري راغب في المشترى، و (لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا) مقابل لمثله، وقوله (يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا

(3/99)


فِي الآخِرَةِ ... ) إلى آخره تلخيص قوله (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ). اهـ
قوله: (أو المفعول الثاني على تقديره مضاف ... ).
قال الطَّيبي: قيل: إنما لم يجعله مفعولاً ثانياً بدونه لأنَّ التقدير كون الإملاء خيراً لهم [فلا يصح حمله على (الذين كفروا) لأنك لا تقول (إن الذين كفروا)] على الابتداء والخبر، ويجوز ذلك على حذف المضاف إما في الخبر أو في الابتداء لتصح الجمل. اهـ
قوله: (الطِّول).
بكسر الطاء: الحبل الذي يُطّولُ للدابة فترعى فيه.
قوله: (واللام لام الإرادة).
قال السجاوندي: إرادة زيادة الإثم جائزة عند أهل السنة، ولا يخلو عن حكمة. اهـ
قوله: (وقرئ (أنما) بالفتح وكسر الأولى)
قال الطَّيبي: هذه القراءة شاذة، ومع ذلك غير مخالفة لمذهب أهل السنة، وتقريرها أنها جارية على البعث على التفكر والنظر، فالمعنى: لا يحسبن الذين كفروا أنَّ مطلق الإملاء في حقهم لأجل الازدياد في الإثم والانهماك في الشر فقط حتى يسارعوا في الكفر والإضرار بنبي الله فيهلكوا؛ بل قد يكون الإنظار للنظر المؤدي إلى الإنصاف فيتداركهم الله بلطفه بالتوبة والدخول في الإسلام فيفلحوا قال الله تعالى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)، ونحوه قوله تعالى (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ)، إنهم إذا نظروا إلى هذا الكلام المنصف تركوا العناد

(3/100)


وأنصفوا من أنفسهم.
والفرق بين القولين أنَّ إملاء الله تعالى على قولهم مقصور على الإرادة للتوبة مراعاة للأصلح، وعلى قولنا الإرادة كما أنَّها تتعلق بالتوبة تتعلق بازدياد الإثم. اهـ
قوله: (روى أن الكفرة قالوا: إن كان محمد صادقاً فليخبرنا من يؤمن منَّا بالله ومن يكفر فنزلت).
أخرجه ابن جرير عن السدي.
قوله: (وعن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: عرضت علي أمتي وعلمت من يؤمن بي ومن يكفر.
فقال المنافقون: إنه يزعم أنه يعرف من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا، فنزلت).
لم أقف عليه.
قوله: (وإن جعله الموصول كان المفعول الأول محذوفاً لدلالة (يبخلون) عليه).
قال الطَّيبي: عن صاحب الكشاف: إنما يجوز حذف أحد مفعولي (حسب) إذا كان فاعل حسب ومفعولاه شيئاً واحداً في المعنى كقوله تعالى (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا) على القراءة بالياء التحتية أي: لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً، وإنما حذفت لقوة الدلالة؛ وهذه الآية ليست كذلك فلا بد من التأويل، وذلك أنَّ الموصولة اشتملت على (يبخلون) فالفاعل مشتمل على معنى البخل فكان الجميع في حكم معنى واحد، ولذلك حذف، وإليه الإشارة بقوله: والذي سوغ حذفه دلالة (يبخلون) عليه. اهـ
قوله: (والمعنى: سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق).
قال الشيخ سعد الدين: إشارة أنَّ هذا تمثيل ولا طوق حقيقة، وقيل: هو على حقيقته وأنهم يطوقون حية أو طوقاً من نار. اهـ
قوله: (ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله ... ) الحديث.

(3/101)


أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، والترمذي والنسائي من حديث ابن مسعود نحوه.
قوله: (وله ما فيها مما يتوارث).
قال الزجاج: إنَّ الله يغني أهلهما فيغنيان بما فيهما ليس لأحد فيهما ملك، فخوطبوا بما يعلمون لأنهم يجعلون ما يرجع للإنسان ميراثاً (إذا كان) ملكاً له. اهـ
قوله: (قاله اليهود لما سمعوا (من ذا الذي يقرض الله قرضاً)).
أخرجه ابن جرير عن الحسن البصري.
قوله: (روي أنه عليه الصلاة والسلام كتب مع أبى بكر إلى يهود بنى فينقاع ... ) الحديث.
أخرجه ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه).
قوله: (والمعنى أنه لم يخف عليه وأنه أعد لهم العقاب عليه)
قال الطَّيبي: يشير إلى أن قوله (سَمِعَ اللهُ) كناية تلويحية عن الوعيد لأن السماع لازم العلم بالمسموع وهو لازم للوعيد في هذا المقام، فقوله: وأنه أعد لهم عطف تفسيري على قوله: أنه لم يخف. اهـ
الشيخ سعد الدين: يعني أن الله سميع عليم بالمسموعات، فمعنى تخصيص هذا القول بالذكر أنه أعد له عقاباً يناسبه على طريق الكناية. اهـ
قوله: (أي: وننتقم منهم بأن نقول لهم ذوقوا)
قال الطَّيبي: أي (ونقول) عطف على (سنكتب)، والباء في (بأن نقول) كالباء في (كتبت بالقلم) أي: ننتقم منهم بواسطة هذا القول، ولن يوجد هذا القول إلاّ

(3/102)


وقد وجد العذاب وألمه، فالكلام فيه كناية. اهـ
قوله: (والذوق ... ) إلى آخره.
قال الزجاج: (ذوقوا) كلمة للذي يؤيس من العفو عنه، أي: ذق ما أنت فيه فلست بمتخلص. اهـ
قوله: (وعلى الاتساع ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: ناسب ذق في الاتساع للإدراك قوله (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) في الاتساع من مزاولة الأعمال. اهـ
قوله: (عطف على (ما قدمت) وسببيته العذاب من حيث إن نفي الظلم يستلزم العدل المقتضي إثابة المحسن ومعاقبة المسيء).
هو جواب سؤال مقدر وتقديره كما قال الطَّيبي: إنَّ الجهة الجامعة بين المعطوف والمعطوف عليه واجب، وهي في قوله (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ) مفقودة، لأنَّ الذي دل عليه المعطوف استحقاق العذاب لكونه تعليلاً لقوله (ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) وهذا كيف يتصور في قوله (لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ)؟
وتقرير الجواب: أنَّ مفهوم الآية دل على أنه عادل، والعدل مستلزم لعقاب المسيء وإثابة المحسن، كأنه قيل: ذلك العذاب بسبب فعلكم وبسبب أنَّ الله عادل لا يترك معاقبة المسيء، فحصلت الجهة الجامعة. اهـ
قوله: (ولا ذاكر الله إلا قليلاً)
هو لأبي الأسود الدؤلي وصدره: فألفيته غير مستعتب.
وأول الأبيات:
رأيت امرئ كنت لم أبله ... أتاني فقال اتخذني خليلا
فخاللته ثم أكرمته ... ولم أستفد من لدنه فتيلا
فوافيته حين جربته ... كذوب اللسان سؤولاً بخيلا
فذكرته ثُمَّ عاتبته ... عتاباً رفيقاً وقولاً جميلا

(3/103)


فألفيته ... البيت.
قال الشيخ سعد الدين: الأصل (ذاكرٍ) بالتنوين مجروراً معطوفاً على (مستعتب) ولا إضافة لأنَّ (الله) منصوب واسم الفاعل معتمد على النفي أو على المبتدأ في التقدير كما تقول: أنت غير ضارب زيداً؛ أي: لا ضارب، والمعنى: ذكرته ما كان بيننا من العهود والمودات وعاتبته أدنى عتاب فما وجدته طالباً رضاي، يقال: استعتبته فأعتبني، أي: استرضيته فأرضاني. اهـ
قوله: (ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام: القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار).
أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
واستدرك عليه الشيخ ولي الدين العراقي بأنه ورد أيضاً من حديث أبي هريرة أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط.
قوله: (وعن النبى - صلى الله عليه وسلم -: من أحب أن يزحزح عن النار ... ) الحديث.
أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو.
وقال الطَّيبي: الضمير المستتر في (يؤتى) راجع إلى ما.
في الأساس: أتى إليه إحساناً إذا فعله، أي: يحسن إلى الناس ما يحب أن يحسن إليه. اهـ
قوله: (على المستام).
قال الطَّيبي: أي المشتري. اهـ

(3/104)


قوله: (متاع بلاغ).
قال الطَّيبي: (أي يبلغ بالدنيا إلى الآخرة). اهـ
قوله: (من معزومات الأمور ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: جعل المصدر في تأويل المفعول، وجمعه لإضافته إلى الأمور. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: يعني أنَّ العزم مصدر بمعنى المفعول أي المعزوم عليه، والفاعل هو العبد بمعنى أنه يجب عليه أن يعزم على ذلك، أو الله أي: أراد وفرض، وذكر المرزوقي أن حقيقة العزم: توطين النفس وعقد القلب على ما يرى فعله، ولذلك لم يجز على الله. اهـ
قوله: (أي: اذكر وقت أخذه).
قال الشيخ سعد الدين: يشعر بأنَّ (إذ) مفعول به لا ظرف إلا أن يكون المراد ذكر الحادث وقت الأخذ. اهـ
قوله: (من كتم علماً عن أهله ألجم بلجام من النار).
أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة من حديث أبي هريرة، وأخرجه ابن ماجة من حديث أنس، وأخرجه الحاكم وصححه من حديث عبد الله بن عمرو.
ولفظه: من سُئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار.
قال الشيخ ولي الدين العراقي: ولم أجد في ألفاظه من كتم علماً عن أهله.

(3/105)


قوله: (وعن علي: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يُعلموا).
قال الشيخ ولي الدين: رواه الثعلبي في تفسيره من طريق الحارث ابن أبي أسامة، وهي في مسند الفردوس من حديثه مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قوله: (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ تأكيد).
قال الزجاج: العرب إذا طالت القصة تعيد (حسبت) وما أشبهها إعلاماً أنَّ الذي جرى متصل بالأول وتوكيداً. اهـ
قوله: (ومفعولا (لا يحسبن) محذوفان).
قال السفاقسي: حذف المفعولين في باب (حسب) أسوغ من حذف أحدهما. اهـ
قوله: (أو المفعول الأول محذوف).
قال الشيخ سعد الدين: هذا إذا جعل التأكيد مجموع (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ) أعني الفعل والفاعل والمفعول، فإن جعل الفعل والفاعل على ما هو الأنسب إذ ليس المذكور سابقاً إلا الفعل والفاعل فالضمير المنصوب المتصل بالتأكيد هو المفعول الأول ولا حذف. اهـ
وأعاد أبو حيان منازعته السابقة في آية الشهداء من أن هذا الحديث عزيز عند الأكثر وممنوع عند البعض فينزه عنه القرآن.
قوله: (روي أنه عليه الصلاة والسلام سأل اليهود عن شىء ... ) الحديث.
أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس بمعناه.
قوله: (وقيل نزلت في قوم تخلفوا عن الغزو ... ) إلى آخره.
أخرجه الشيخان عن أبي سعيد، وعبد بن حميد في تفسيره عن رافع بن خديج.
يقال: استحمد إليه؛ أي: طلب منه أن يحمده.
قوله: (فهو يملك أمرهم).
قال الطَّيبي: فيه تهديد لليهود، والفاء جواب شرط محذوف والمراد بالسماوات

(3/106)


والأرض جميع العالم، والتقدير: إذا كان مالك العالم وهو من جملته وقادراً على كل شيء وهم بعض مقدوراته فيلزم أن يكون مالكاً لأمرهم وقادراً على عقابهم. اهـ
قوله: (وعن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها).
أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث عائشة.
قوله: (وعنه عليه الصلاة والسلام: من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله).
أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني من حديث معاذ.
قوله: (صل قائماً ... ) الحديث.
أخرجه البخاري وأصحاب السنن الأربعة حديث عمران بن حصين وليس فيه ذكر الإيماء.
قوله: (لا عبادة كالتفكير).
أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وابن حبان في الضعفاء من حديث علي وضعفاه.
قوله: (بينما رجل مستلق على ... ) الحديث.
أخرجه أبو الشيخ ابن حيان والثعلبي من حديث أبي هريرة.
قوله: (غاية الإخزاء ونظيره قولهم من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك).
قال الطَّيبي: أي أدرك مرعى ليس بعده مرعى، والصمان: جبل. اهـ

(3/107)


وقال الشيخ سعد الدين: الأبلغية مستفادة من جعل الجزاء أمراً ظاهر اللزوم للشرط بحيث لا فائدة في ذكره ما دام محمولاً على إطلاقه، فيحمل على أخص الخصوص ليفيد. اهـ
قوله (لتضمنهما معنى الانتهاء).
أي انتهاء الغاية والاختصاص.
قال الطَّيبي: لأنَّ من انتهى إلى الشيء اختص به. اهـ
قوله: (أي: بأن آمنوا).
اقتصر على أنَّ (أن) مصدرية، وجوز الزمخشري أن تكون تفسيرية، ورجحه أبو حيان، وعبارة الكشاف: أن آمنوا، أو: بأن آمنوا.
قال الطَّيبي: الأول: على أنَّ (أن) مفسرة، لأنَّ في (ينادي للإيمان) معنى القول، والثاني: على أنَّ (أن) مصدرية وصلت بالأمر. اهـ
قوله: ((فاغفر لنا ذنوبنا) كبائرنا (وكفر عنا سيئاتنا) صغائرنا)
قال الطَّيبي: خولف بين معنييهما ليكون من باب التتميم والاستيعاب كقوله (الرحمن الرحيم)، أو لأنَّ المناسب بالذنب الكبائر لأنه مأخوذ من الذَنُوب وهو الدلو الملأى، ولأنَّ الشرك يسمى ذنباً ولا يسمى سيئة، ولأنَّ الغفران مختص بفعل الله والتكفير قد يستعمل في فعل العبد يقال: كفر عن يمينه، ولأنَّها مقابلة للحسنة لقوله تعالى (إنَّ الحسنات يذهبن السيئات) فلا شك أنها صغائر (1). اهـ
قوله: (مخصوصين بصحبتهم).
قال الطَّيبي: الاختصاص مستفاد من استعمال التوفي مع الأبرار، وذلك أن التوفي مع الأبرار محال لأن بعضاً منهم تقدم وبعضاً لم يوجد، فالمراد: الانخراط في سلكهم على سبيل الكناية، فإنه إذا كان منخرطاً في سلكهم لا يكون مع غيرهم. اهـ
قوله: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه).
__________
(1) قد ذكر فعل الغفران منسوباً للعبد في موضعين في سورة الجاثية في قوله تعالى (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
وفي التغابن في قوله تعالى (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
لكن شتان بين فعل العبد وبين فعل الرب تبارك وتعالى. والله أعلم. اهـ (مصحح النسخة الإلكترونية).

(3/108)


أخرجه الشيخان من حديث عبادة بن الصامت.
قوله: (والأبرار: جمع برّ أو بارّ كأرباب وأصحاب).
قال الشيخ سعد الدين: الجمهور على أنه لم يثبت جمع فاعل على أفعال، وأن أصحاب جمع صحْب بالسكون أو صحب بالكسر مخفف صاحب بحذف الألف. اهـ قوله: (ويجوز أن يعلق علَى محذوف تقديره: ما وعدتنا مُنَّزلاً على رسلك، أو محمولاً عليهم).
قال أبو حيان: هذا لا يجوز لأنَّ القاعدة أنَّ معلق الظرف إذا كان كونا مقيداً لا يجوز حذفه وإنما يحذف إذا كان كوناً مطلقاً.
وقال أيضاً: فالظرف هنا حال وهو إذا وقع حالاً أو خبراً أو صفة أو صلة يتعلق بكون مطلق لا مقيد. اهـ
وقال السفاقسي: للزمخشري أن يمنع انحصار التعلق في كونٍ مطلق بل به أو بمقيد إذا كان عليه دليل، وليس نظير: زيد في الدار؟ أي: صاحبك، أي: لا دليل على صاحبك. اهـ
قوله: (وفى الآثار: من حزنه أمر فقال خمس مرات ربنا أنجاه الله مما يخاف).
لم أقف عليه).
قوله: (أو لأنهما من أصل واحد ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: يريد أنَّ (من) في قوله (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) إتصالية كما في قوله: لست من دد ولا الدد مني، ثم الاتصال إما بحسب أنَّ أباكَم آدم، وهو المراد بقوله: من أصل واحد، وإما بحسب محبتكم وخلتكم، وهو المراد بقوله: أو لفرط الاتصال والاتحاد، وإما باعتبار الأخوة في الإسلام، وهو المراد بقوله: أو الاجتماع والاتفاق في الدين. اهـ
قوله: (وهى جملة معترضة).
قال الحلبي: يعني بالاعتراض أنَّها جيء بها بين قوله (عَمَلَ عَامِلٍ) وبين ما فصل به عمل

(3/109)


العامل من قوله (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا). اهـ
قوله: (روي أنَّ أم سلمة قالت: يا رسول الله إنى أسمع الله يذكر الرجل في الهجرة ولا يذكر النساء، فنزلت).
أخرجه الترمذي والحاكم وصححه من حديثها.
قوله: (تفصيل لأعمال العمال).
قال الطَّيبي: والمجمل هو العمل المضاف إلى عامل، وكان من حق الظاهر أن يقال: فالمهاجرة حكمها كذا وتحمل مشقة الجلاء عن الأوطان كذا وتحمل أذى الكفار والمجاهدة في سبيل الله بالقتال كذا، لأنَّ تفصيل العمل هذا فعدل عنها إلى إعادة ذكر العامل بالموصول وإيقاع الأعمال صلة ليدل على العامل وعلى العمل مزيداً لتقرير تلك الأعمال وتصويراً لتلك الحالة السنية تعظيماً للعامل وتفخيماً لشأنه.
ثم في بناء الخبر وهو قوله (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) على المسند إليه الموصول مع إرادة القسم وتكرير اللام في (وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ) إشعار بَأن هذه الكرامة لأجل تلك الأعمال الفاضلة والخصائل النابهة وأن لا بد من تحقيق كل من هذين الوعدين على سبيل الاستقلال. اهـ
قوله: (والنهي في المعنى للمخاطب وإنما جعل للتقلب تنزيلاً للسبب منزلة المسبب).
قال الطَّيبي: السبب تقلبهم في البلاد، والمسبب التباس المغرور به، فنهى تقلبهم لينتفي غروره به، يعني: لا تغتر بسبب تقلبهم في البلاد وتمتعهم بالمال والمنال فإنَّ ذلك في وشك الزوال، يعني: لا تكن بحيث إن شاهدت ذلك وقعت في الغرور، وهو على منوال: لا أريتك هاهنا. اهـ
قوله: (ما الدنيا فى الآخرة ... ) الحديث.
أخرجه مسلم من حديث المستورد بن شداد.
قال الشيخ سعد الدين: أي في جنبها وبالإضافة إليها، وهي حال عاملها معنى النفي،

(3/110)


وقد يقدر مضاف، أي: ما تقدير الدنيا واعتبارها، فهو العامل. اهـ
قوله: (قال أبو الشعراء الضبي:
وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا).
قال الطَّيبي: الجبار: الملك المتسلط، ضافنا: أي نزل بنا ضيفا، والباء في بالجيش للتعدية أو المصاحبة، يقول: إذا جعل الجيش ضيفاً لنا أو إذا صار مع الجيش ضيفاً لنا، والمرهفات: السيوف الباترات، جعل المرهفات نزلاً على التهكم. اهـ
قوله: (نزلت في ابن سلام وأصحابه).
أخرجه ابن جرير عن ابن جريج.
قوله: (وقيل فى أربعين من نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا نصارى فأسلموا).
قوله: (وقيل في أصحمة النجاشي لما نعاه جبريل ... ) الحديث.
أخرجه ابن عدي في الكامل من حديث جابر، والثعلبي والواحدي من حديث ابن عباس.
والعلج في الأصل: القوي الغليظ من الكفار.
وقال الشيخ سعد الدين: النجاشي بفتح النون وتخفيف الجيم والياء ساكنة. اهـ
وقال ابن الأثير في النهاية: الياء مشددة. وقيل: الصواب تخفيفها. اهـ
وقال الزركشي في نكت العمدة: نونه مفتوحة في المشهور، وزعم ابن دحية وابن السيد أنه بكسرها أيضاً.
قال: وأصحمة: بالحاء المهملة والحبشة يقولوه بالخاء المعجمة.

(3/111)


وذكر مقاتل في نوادر التفسير من تأليفه أنَّ اسمه مكحول بن صعصعة، توفي في رجب سنة تسع.
قوله: (وتخصيصه بعد الأمر بالصبر ... ).
قال الطَّيبي: لأنَّ المصابرة نوع خاص من الصبر، فهو من باب قوله (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ). اهـ
قولة: (من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة).
أخرجه مسلم والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة نحوه.
قوله: (من رابط يوماً وليلة فى سبيل الله كان كعدل صيام شهر رمضان وقيامه).
الحديث أخرجه أحمد وابن أبي شيبة في المصنف من حديث سلمان بهذا اللفظ، وأصله عند مسلم بمعناه.
قال الشيخ سعد الدين: كعدل: هو بالفتح: المثل من غير الجنس، وبالكسر: المثل من الجنس. اهـ
قوله: (من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى تغيب الشمس).
أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس.
قوله: (من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آيهَ منها أماناً على جسر جهنم).
هذا من الحديث الموضوع الذي روي عن أبي بن كعب في فضائل القرآن سورة سورة وقد نبَّه أئمة الحديث وحفاظه ونقاده قديماً وحديثاً على أنه موضوع مختلق على

(3/112)


رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعابوا على من أورده من المفسرين في تفاسيرهم وها أنا أسوق نبذة من كلامهم في ذلك:
قال ابن الصلاح: روينا عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم أنه قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟
فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت هذه الأحاديث حسبة.
وهكذا حال الحديث الطويل الذي روي عن أبي بن كعب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في سورة بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه، وإن أثر الوضع لبين عليه، ولقد أخطأ الواحدي المفسِّر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم. اهـ
قال الحافظ ولي الدين العراقي في شرح الألفية: ومثال من كان يضع الحديث حسبة ما رويناه عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي قاضي مرو فيما رواه الحاكم بسنده عن أبي عمار المروزي أنه قيل لأبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟
فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة.
وكان يقال لأبي عصمة هذا نوح الجامع، فقال أبو حاتم ابن حبان: جمع كل شيء إلا الصدق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: وضع حديث فضائل القرآن.
وروى ابن حبان في مقدمة تأريخ الضعفاء أنَّ ابن مهدي قال: قلت لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث من قرأ كذا فله كذا؟
قال: وضعتها أرغب الناس فيها.
وهكذا حديث أبي الطويل في فضائل قراءة سور القرآن سورة سورة فروينا عن المؤمل ابن إسماعيل قال: حدثني شيخ به. فقلت للشيخ: من حدثك؟ فقال: حدثني رجل بالمدائن وهو حي فصرت إليه فقلت: من حدثك؟ فقال حدثني شيخ بواسط وهو حي فصرت إليه فقال: حدثني شيخ بالبصرة، فصرت إليه فقال: حدثني شيخ بعبادان، فصرت إليه فأخذ بيدي فأدخلني بيتاً فإذا فيه قوم من المتصوفة ومعهم شيخ فقال: هذا الشيخ حدثني.

(3/113)


فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: لم يحدثني أحد، ولكنّا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن.
وكل من أودع حديث أبي المذكور تفسيره كالواحدي والثعلبي والزمخشري مخطئ في ذلك، لكن من أبرز إسناده منهم كالثعلبي والواحدي والزمخشري فهو أبسط لعذره إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه من غير بيانه، وأما من لم يبرز سنده وأورده بصيغة الجزم فخطؤه أفحش. اهـ

(3/114)


سورة النساء
(قوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) خطاب يعم بني آدم هـ.
ثم قال: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) عطف على خلقكم أي: خلقكم من شخص واحد وخلق منه أمكم حواء من ضلع من أضلاعه أو محذوف تقديره: من نفس واحدة خلقها وخلق منها زوجها).
أقول: الذي ذكره صاحب الكشاف أنه إذا كان الخطاب في (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) عاماً فالعطف على محذوف، وإن كان خاصاً بالذين بعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالعطف على (خَلَقَكُمْ).
وقال ابن المنير: إنما قدر المحذوف حيث كان الخطاب عاماً لئلا يكون قوله (وَبَثَّ مِنْهُمَا) تكرار لقوله (خَلَقَكُمْ) وهو معطوف عليه لا يصلح أن يكون بياناً له وإنما هو معطوف على المقدر فذاك المقدر واقع صفة مبينة والمعطوف عليه داخل في حكم البيان فلا يلزم التكرار في الوجه الثاني لخصوص الخطاب. اهـ
وتابع ابن المنير على هذا التقدير جماعة منهم السفاقسي.
وقال صاحب التقريب: إنما التزم الإضمار في الأول والتخصيص في الثاني دفعاً للتكرار.
قال: ويحتمل أن يعطف على (خَلَقَكُمْ) من غير تخصيص (الناس)، ولا تكرار إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس واحدة خلق زوجها منها. اهـ
وكأنَّ المصنف لحظ ما لحظه صاحب التقريب من هذا الاحتمال فاقتصر على العموم في (الناس) وجعل العطف على (خَلَقَكُمْ) المذكور على خلاف ما ذكره صاحب الكشاف وزاد فبدأ به، كأنه لمح ما لمحه أبو حيان والحلبي حيث قالا: إن تقدير محذوف تكلف، ثم لم يخل الكتاب من ذكره آخراً متمماً للفائدة بذكر كل ما قيل في التخريج.
قال الشيخ سعد الدين: قوله (يعم بني آدم) يريد الذكور والإناث لا الأبناء خاصة،

(3/115)


لكنه مبهم يحتمل أن يراد المجموع أو من بعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. اهـ
قوله (وترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة ... ) إلى آخره.
جواب سؤال تقديره: أنَّ الأصل في ترتيب الحكم على الوصف أن يكون ذلك الوصف مما له صلاحية العلية، وهنا خلقهم من نفس واحدة كيف يصح أن يكون علة لقوله (اتقوا)؟
وحاصل الجواب: أنه دال على القدرة والنعمة وكل من الأمرين موجب للتقوى وداع إليها، والمراد تقوى خاصة فيما يتعلق بحفظ حقوق ذوي الأرحام فقط، وعلى هذا لا يرد السؤال لأنَّ المذكور موجب للحكم بلا تأويل. قاله الطَّيبي.
قوله: (بطرحها).
أي التاء الثانية.
قال الشيخ سعد الدين: لأنَّ الثقل عندها يحصل، ولأن الأولى حرف مضارعة. اهـ
قوله: (وقرأ حمزة بالجر عطفاً على الضمير المجرور وهو ضعيف لأنه كبعض الكلمة).
ذكر ابن عطية مثله فقال: المضمر المخفوض لا ينفصل فهو كحرف من الكلمة، ولا يعطف على حرف، ويرد هذه القراءة عندي وجهان:
أحدهما: أنَّ ذكر الأرحام فيما يتسأل به لا معنى له في الحض على تقوى الله تعالى، ولا فائدة فيها أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتسأل بها، وهذا تفرق في معنى الكلام وغض من فصاحته، وإنما الفصاحة في أن يكون في ذكر الأرحام فائدة مستقلة.
والوجه الثاني: أنَّ في ذكرها على ذلك تقريراً للتساؤل بها والقسم بحرمتها، والحديث الصحيح يرد ذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت. اهـ
وقال أبو حيان: ما ذهب إليه البصريون واتبعهم فيه الزمخشري وابن عطية من امتناع العطف على الضمير المجرور غير صحيح، بل الصحيح مذهب الكوفيين في ذلك أنه

(3/116)


يجوز، وقد أطلنا الاحتجاج على ذلك عند قوله تعالى (وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... ) وذكرنا ثبوت ذلك في لسان العرب نثرها ونظمها فأغنى ذلك عن إعادته.
وقول ابن عطية: يرد عندي هذه القراءة من المعنى به وجهان عبارة قبيحة لا تليق بحاله ولا بطهارة لسانه إذ عهد إلى قراءة متواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ بها سلف الأمة واتصلت بأكابر قراء الصحابة الذين تلقوا القرآن من في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغير واسطة عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأقرأ الصحابة أُبي بن كعب رضي الله عنهم عمد إلى ردها بشيء خطر له في ذهنه، وجسارته هذه لا تليق إلا بالمعتزلة كالزمخشري فإنه كثيراً ما يطعن في نقل القراء وقراءاتهم، وحمزة أخذ القراءات عن سليمان بن مهران الأعمش وحمران بن أعين ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد الصادق، ولم يقرأ حمزة حرفاً من كتاب الله إلاّ بأثر، وكان حمزة صالحاً ورعاً ثقة في الحديث، وهو من الطبقة الثالثة ولد سنة ثمانين، وأحكم القراءة وله خمس عشرة سنة، وأمَّ الناس سنة مائة، وعرض عليه القرآن جماعة من نظرائه منهم سفيان الثوري والحسن بن صالح، ومن تلاميذه جماعة منهم إمام الكوفة في القراءة والعربية أبو الحسن الكسائي.
وقال الثوري وأبو حنيفة ويحيى بن آدم: غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض. قال: وإنما ذكرت هذا وأطلت فيه لئلا يطلع عمر على كلام الزمخشري وابن عطية في هذه القراءة فيسيء ظناً بها فيقارب أن يقع في الكفر بالطعن في ذلك، ولسنا متعبدين بقوله نحاة البصرة ولا غيرهم ممن خالفهم، وكم حكم ثبت بنقل الكوفيين، وإنما يعرف ذلك من له استبحار في علم العربية. اهـ
وقد خرج ابن جني قراءة حمزة هذه على تخريج آخر فقال في الخصائص: باب في أن

(3/117)


المحذوف إذا دلت الدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به، من ذلك قوله: رسم دار وقفت في طلله؛ أي: رب رسم دار، وكان رؤبة إذا قيل له: كيف أصبحت؟ يقول خيرٍ عافاك الله؛ أي: بخير، وتحذف الباء لدلالة الحال عليها بجري العادة والعرف بها وعلى نحو هذا تتوجه قراءة حمزة (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ) ليست هذه القراءة عندنا من الإبعاد والفحش والشناعة والضعف على ما رواه فيها أبو العباس [بل الأمر فيها دون ذلك وأقرب وأخف وألطف وذلك أنَّ لحمزة أن يقول لأبي العباس]: لم أحمل الأرحام على العطف على المجرور المضمر بل اعتقدت أن يكون فيه باء ثانية حتى كأني قلت: (وبالأرحام) ثم حذفت الباء لتقدم ذكرها أيضاً في نحو قولك: بمن تمرر أمرر، فإذا جاز للفرزدق أن يحذف حرف الجر لدلالة ما قبله عليه مع مخالفته في الحكم له في قوله:
وإني من قوم بهم تتقي العدا ... ورأب الثأي والجانب المتخوف
أي: وبهم رأب الثأي، فحذف الباء في هذا الموضع لتقدمها في قوله (بهم يتقي العدا) وإن كانت حالاهما مختلفين، ألا ترى أن الباء في قوله (بهم يتقي العدا) منصوبة الموضع لتعلقها بالفعل الظاهر الذي هو (يتقي) كقولك: بالسيف يضرب زيد، والباء في قوله (وبهم رأب الثأي) مرفوعة الموضع عند (قوم) وعلى كل حال فهي متعلقة بمحذوف ورافعة للرأب، ونظائر هذا كثيرة كان حذف الباء من قوله (والأرحام) لمشابهتها الباء في (به) موضعاً وحكماً أجدر. اهـ
وقال ابن يعيش في شرح المفصل: ضعف أكثر النحويين قراءة حمزة (والأرحام)

(3/118)


نظراً إلى العطف على المخفوض، وقد ردها أبو العباس المبرد وقال: لا تحل القراءة بها، وهذا القول غير مرضي منه لأنه قد رواها إمام ثقة فلا سبيل إلى رد نقل الثقة، مع أنه قد قرأ بها جماعة من غير السبعة كابن مسعود وابن عباس وإبراهيم النخعي والأعمش والحسن البصري وقتادة ومجاهد، فإذا صحت الرواية لم يكن سبيل إلى ردها، ويحتمل غير العطف على المكنى المخفوض وهو أن يكون اعتقد أنَّ فيه باء ثانية حتى كأنه قال: وبالأرحام؛ ثم حذف الباء لتقدم ذكرها نحو قولك: بمن تمر أمر وعلى من تنزل أنزل، وقد كثر عندهم حذف حرف الجر، وقد مشى عليه أيضاً الزمخشري فقال في أحاجيه: ومحمل قراءة حمزة (تسألون به والأرحام) على حذف الجار سديد لأن هذا المكان قد شهر بتكرير الجار فقامت الشهرة مقام الذكر. اهـ
قوله: (وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر).
قال الشيخ سعد الدين: لأن المعطوف على الصلة لا يكون إلا جملة بخلاف ما إذا قلت: زيد راكب وذاهب. اهـ
قوله: (تقديره: والأرحام كذلك ... ) إلى آخره.
قال الزمخشري: لما علم واشتهر بدليل الاستقراء والقياس لم يخف على أحد أنه لا بد منه إما منطوقاً به وإما مقدر، والمقدر إما: مما يتقى؛ بدليل قراءة النصب، وإما: يتسأل به؛ بدليل قراءة الجر.
قوله: (وعنه عليه السلام: الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعنى قطعه الله)
أخرجه الشيخان من حديث عائشة - رضي الله عنها.
قوله: (لما جرى مجرى الأسماء ... ) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: يعني ليس في اللغة جمع فعيل على فعالى بل على فعال وفعلاء وفعلى وفعل ككرام وكرماء ونُذُر ومرضى، فيتامى: جمع يتمى، وهو جمع يتيم كما

(3/119)


يجمع أسير على أسرى ثم على أسارى فيمن فتح الهمزة، أو مقلوب يتائم جمع يتيم فإن فعيلاً إذا كان اسماً يجمع على أفاعل كأفيل وأفايل، وقلَّ ذلك في الصفات، لكن اليتيم أجري مجرى الأسماء كصاحب وفارس، ولهذا قل ما يذكر معها الموصوف، وقد ورد الأصل في قول الشاعر:
أأطلال حُسن بالبراق اليتائم ... سلامٌ على أحجار كن القدائم.
والقدائم أيضاً مما جرى مجرى الأسماء لكن ذكر الموصوف معها يأبى التأويل. اهـ
قوله: (لكن العرف خصصه بمن لم يبلغ).
أي عرف الشرع.
قال الطَّيبي: هو من المنقولات الشرعية لحديث: لا يُتم بعد احتلام. اهـ
قوله: (أو الاتساع لقرب عهدهم بالصغر حثاً على أن يدفع إليهم أموالهم أول بلوغهم).
قال الطَّيبي: يعني سموا اليتامى وإن لم يكونوا يتامى مجازاً لاعتبار معنى لطيف وهو أن لا يؤخر الإيتاء عن البلوغ، ويسمى هذا الفن في الأصول بإشارة النص وهو: أن يساق الكلام لمعنى ويضمن معنى آخر. اهـ
قوله: (روي أن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب المال منه فمنعه فنزلت، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله ورسوله نعوذ بالله من الحوب الكبير).
زاد في الكشاف: فدفع ماله إليه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره يعني جنته.
فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ثبت الأجر وبقي الوزر. قالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟

(3/120)


فقال: ثبت أجر الغلام وبقي الوزر على والده.
قال الشيخ ولي الدين العراقي: رواه الثعلبي والواحدي من قول مقاتل والكلبي. اهـ
قال الطَّيبي: يعني جمع الوالد المال إما من الحرام فعليه الظلامة وإما من الحلال فعليه تبعة الحساب والوزر إن منع من حقوق الله شيئاً. اهـ
قوله: (اختزال أموالهم).
أي اقتطاعه.
قوله: (وهذا تبدل وليس بتبديل).
قال الشيخ سعد الدين: لأن معنى تبدلت هذا بذاك: أخذت هذا وتركت ذاك وكذا استبدلت، ومعنى بدلت هذا بذاك: أخذت ذاك وأعطيت هذا؛ قال الله تعالى (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ ... )، فإذا أعطى الرديء وأخذ الجيد كان هذا إعطاء الخبيث وأخذ الطيب لا أخذ الخبيث وترك الطيب ليكون تبدل الخبيث بالطيب، وسيجيء في قوله تعالى (لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) المعنى: لا أحد يبدل شيئاً من ذلك بما هو أصدق، فالحاصل أنَّ في التبدل ما دخلته الباء متروك وما تعدى إليه الفعل بنفسه مأخوذ، وفي التبديل بالعكس، نعم للتبديل استعمال آخر يتعدى إلى المفعولين بنفسه مثل (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ)، (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا) بمعنى: يجعل الحسنات بدل السيئات، ويعطيهما بدل ما كان لهما خيراً منه، وآخر يتعدى إلى مفعول واحد مثل: بدلت الشيء: غيرته (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ)، وآخر يتعدى إلى المفعولين بنفسه وإلى البدل عنه بالباء أو (من)، مثل: بدله بخوفه

(3/121)


ومن خوفه أمنا، ومنه (وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ). اهـ
قال الطَّيبي: قال الجوهري: تبديل الشيء: تغييره وإن لم يأت ببدل، واستبدلت الشيء بغيره، وتبدله به: إذا أخذه من مكانه.
في الأساس: بَدَّلَ الشيءَ: غيَّره، وتبدلت الدار بأنسها وحشاً، واستبدلت.
فمعنى التبديل: التغيير، وهو عام في أخذ شيء وإعطاء شيء، وفي طلب ما ليس عنده وترك ما عنده، هذا معنى قول الجوهري: تبديل الشيء بغيره وإن لم يأت ببدل.
ومعنى التبدل: الاستبدال، والاستبدال: طلب البدل، فكل تبدل تبديل وليس كل تبديل تبدلاً فقوله: ولا تستبدلوا الحرام من أموالهم بالحلال من أموالكم، وقوله: أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث -وهو اختزال أموالهم- بالأمر الطيب الذي هو حفظها؛ ليس فيهما أخذ شيء وإعطاء شيء بدله بل هو طلب شيء ليس عنده وترك ما عنده [يدل عليه قوله: وما أبيح لكم من المكاسب، فعلى هذا قوله: إلا أن يكارم صديقاً له؛ استثناءٌ متصل من قوله: إنما هو تبديل، فتقدير الكلام أن يقال:] جعل شاة مهزولة مكان سمينة تبديل لأنه أخذ شيء وإعطاء شيء آخر، وليس بتبدل الذي هو ترك شيء وأخذ شيء بدله. اهـ
قلت: ولا يتمشى ظاهر كلام البيضاوي على هذا التقرير، فإن ظاهره أنَّ الإشارة بهذا إلى هذا الأخير -على أنه قدح فيه- مستأنف من كلام المصنف حيث قال: وقيل: ولا تأخذوا الرفيع من أموالهم وتعطوا الخسيس مكانها، وهذا تبدل وليس بتبديل، والطَّيبي قرر ضد ذلك فإن جُعلت الإشارة إلى التقدير الأول الذي قبل (وقيل تقسيمه) وجُعلت من تتمة المقول بقيل وافق ما قرره الطيبي.
قوله: (أي: إن خفتم أن لا تعدلوا ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: فسر صاحب الكشاف هذه الآية بوجوه ثلاثة، وقدر الشرط والجزاء على ما يعطيه الوجه من المعنى: أولها: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها فخافوا أيضاً ترك العدل بين النساء فقللوا عدد المنكوحات، وثانيها: إن خفتم الجور في

(3/122)


حق اليتامى فخافوا الزنا فانكحوا ما حلَّ لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات، وثالثها: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم.
قال صاحب الانتصاف: هذا أظهر والآية معه تكملة لبيان حكم اليتامى وأمر بالاحتياط وأنَّ في غيرهن متسع، ويؤيده (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ ... ) الآية فتتطابق الآيتان، وعلى التأويلين الأوليين لا يتطابقان ولأنَّ الشرط لا يرتبط معهما بالجواب إلا من وجه عام، أما الأول: فلأنَّ الجور على النساء في الحرمة كالجور على اليتامى، وأما الثاني: فلأن الزنا محرم كما أن الجور على اليتامى محرم وكم من محرم يشاركهما في التحريم فلا خصوصية تربط الجواب كخصوصية الثالث.
قلت: ولهذا صدر المؤلف بالثالث إشارة إلى ترجيحه.
ثم قال ابن المنير: ثم ظاهر قوله (مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) أنه توسعة عليهم كأنه قيل: إن خفتم من نكاح اليتامى ففي غيرهن متسع، وعلى الأول هو تضييق كأنه قال: إن خفتم من الجور في اليتامى فخافوا من الجور في النساء فاحتاطوا في عدد المنكوحات فينافي التوسعة ووجه الإشعار بالتوسعة إطلاق (مَا طَابَ)، ثم في قوله تعالى (مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) بياناً لما وقع إطلاقه فلو أراد التضييق كان البدأة بالتقييد أنسب، وفي لفظ الطيب إشعار بالترخص ولما خاف من التوسعة الميل قال (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً).
قال الطَّيبي: هذا تقرير لا مزيد عليه. اهـ
قوله: (روي أن الله تعالى لما عظم أموال اليتامى -إلى قوله- فنزلت).
أخرجه ابن جرير.
قوله: (وإنما عبر عنهن بـ (ما) ذهاباً إلى الصفة).
قال الطَّيبي: اعلم أنه قد تقرر أن (ما) لا تستعمل في ذوي العقول، وإذا استعملت فيهم أريد الوصف نحو قوله: سبحان ما سخركن لنا، وتخصيصه بحسب المقام، والذي يقتضي

(3/123)


هذا المقام من الوصف هو ما يشعر به نفي الحرج والتضييق كما ينبيء عنه الوجه الذي اختاره صاحب الانتصاف، فالمعنى: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء لما في تزوجهن مع كلفة حق الزوج مراعاة حقوق اليتامى من القيام في أموالهن وجبران قلوبهن بسبب اليتم فانكحوا الموصوفات بغير ذلك لينتفي ذلك الحرج وتطيب به نفوسكم، فأسند (طاب) إلى الضمير الراجع إلى ما المفسر بالنساء. اهـ
قوله: (ونظيره (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ)).
قال الزمخشري: لم يقل (من ملكت) لأنه أريد من جنس العقلاء ما يجري مجرى غير العقلاء وهم الإناث. اهـ
قوله: (وقيل: لتكرير العدل).
قال أبو حيان: هذا قاله الزمخشري ولا أعلم أحداً قاله، فإن المذاهب المنقولة في علة منع صرفها أربعة:
أحدها: قول سيبويه والخليل وأبي عمرو إنه العدل والوصف.
والثاني: قول الفراء إنَّها منعت للعدل والتعريف بنية الألف واللام فهي ممتنعة الإضافة لنية الألف واللام، ومنع ظهور الألف واللام كونها في نية الإضافة.
والثالث: ما نقل عن الزجاج أنَّها معدولة عن اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة وأنه عدل عن التأنيث.
والرابع: ما نقله أبو الحسن عن بعض النحويين أن العلة المانعة من الصرف تكرر العدل فيه، لأنه عدل عن لفظ اثنين وعن معناه، وذلك أنه لا يستعمل في موضع يستعمل فيه الأعداد غير المعدولة، تقول: جاءني اثنان وثلاثة، ولا يجوز: جاءني مثنى وثلاث حتى يتقدم قبله جمع لأن هذا الباب جعل بياناً لترتيب الفعل، فإذا قال: جاء القوم مثنى أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين، فأما الأعداد غير المعدولة فإنما الغرض منها الإخبار عن مقدار المعدود دون غيره فقد بَانَ بما ذكرنا اختلافهما في المعنى فلذلك جاز أن تقوم العلة

(3/124)


مقام العلتين لإيجابهما حكمين مختلفين.
قال أبو حيان: وما قاله الزمخشري ليس شيئاً من هذه العلل المنقولة. اهـ
قال الحلبي: وقد يقال إنه المذهب الرابع، وعبر عن العدل في المعنى بعدلهما عن تكرارها. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: تحقيق العدلين أنها أخرجت عن أوزانها الأصلية إلى أوزان أخر، وعن تكرارها إلى التوحيد؛ فإن ذلك أيضاً تغيير للصيغة نظراً إلى المجموع.
وما ذكره المصنف عائد إلى ما ذهب إليه ابن السراج أن فيها عدلين لفطاً ومعنوياً، لأن مثنى معدول عن لفظ اثنين وعن معناه أعني الاثنين مرة واحدة إلى معنى اثنين اثنين. اهـ
وزاد السفاقسي في علة منع الصرف خامساً وهو: [العدل من غير جهة العدل، لأن باب العدل أن يكون في المعارف، وهذا عدل في النكرات، وسادساً]: العدل والجمع لأنه يقتضي التكرار فصار في معنى الجمع، وقال: زاد هذين ابن الصائغ في شرح الجمل.
قوله: (منصوبة على الحال من فاعل (طاب)).
قال الشيخ سعد الدين: لا من (النساء) إذ لا معنى له، وإنما المعنى تقييد نكاح ما طاب بكونها معدودات هذا العدد ومفصلات هذا التفصيل، نعم لو جعلت (من) بيانية لا تبعيضية لم يبعد جعلها حالاً من النساء لكن الظاهر هو التبعيضية. اهـ
قوله: (اقتسموا هذه البدرة ... ).
في الصحاح: البدرة: عشرة الآف درهم.
وهي بفتح الباء الموحدة وسكون الدال المهملة وراء.

(3/125)


قوله: (فالمقنع ... ).
هو ما يقنع به.
قوله: (وفسر بأن لا تكثر عيالكم، على أنه من عال الرجل عياله يعولهم إذا مانهم، فعبر عن كثرة العيال بكثرة المؤن على الكناية).
عبارة الكشاف: والذي يحكي عن الشافعي أنه فسر (أَلاّ تَعُولُوا) أن لا تكثر عيالكم فوجهه أن يجعل من قولك: عال الرجل عياله يعولهم كقولك: مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم، لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب، وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين حقيق بالحمل على الصحة والسداد وأن لا يظن به تحريف تعيلوا إلى تعولوا، فقد روي عن عمر رضي الله عنه: لا تظن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً، وكفى بكتابنا المترجم بكتاب (شافي العي من كلام الشافعي) شاهداً بأنه كان أعلى كعباً وأطول باعاً في علم كلام العرب من أن يخفي عليه مثل هذا ولكن للعلماء طرقاً وأساليب فسلك في تفسير هذه الكلمة طريق الكنايات. اهـ
قال الشيخ سعد الدين: قصد بذلك الرد على صاحب إيجاز البيان في التفسير حيث شنع على الشافعي رضي الله عنه، وزعم أنه لم يعرف في هذا الموضع الفقه واللغة ولم يفرق بين عال وأعال، فبين المصنف أنَّ المخَطِّئ مخطئ لأنَّ للقول محملاً صحيحاً وللقائل رتبة عالية متعال عن أن يخفي عليه مثل هذا، على أنَّ التفسير منقول عن زيد بن أسلم وهو تابعي، وعال بمعنى كثر عياله منقول عن الكسائي والأصمعي، والمُخَطِّيءُ راجل في العلوم جاهل بأساليب الكلام. اهـ
قوله: (لجواز العزل فيه ... ).
المشهور في المذهب جواز العزل مطلقاً في الزوجة والأمة بإذن وبغير إذن.
قوله: (ونصبها على المصدر لأنها فى معنى الإيتاء).

(3/126)


قال الطَّيبي: فهي مصدر للنوع وضعت موضع إيتاء. اهـ
قوله: (الضمير ... ).
أي في (منه) وكان الأصل (منها) لعوده إلى (صَدُقَاتِهِنَّ) لكنه راعى المعنى وهو صَدُقَاتِهِنَّ.
قوله: (أراد كأن ذاك ... ).
قال الشيخ سعد الدين: مشيراً إلى الخطوط. اهـ
قوله: (وقال (منه) بعثاً لهن على تقليل الموهوب).
قال الطَّيبي: لدلالة (شيء) منكراً تنكير تقليلٍ عليه، اهـ
قوله: (أقيمتا مقام مصدريهما).
قال أبو حيان: حَرَّفَ قول النحاة في ذلك، وتحريفه أنه جعلهما أقيمتا مقام المصدر فانتصابها على هذا انتصاب المصدر، ولذلك قال الزمخشري: كأنه قيلِ هنأ مرأ فصار كقوله سقياً ورعياً، والنحاة يجعلون انتصاب هنيئاً على الحال ومريئاً إما على الحال وإما على الوصف، ويدل على فساد ما خرجه الزمخشري وصحة قول النحاة ارتفاع الأسماء الظاهرة بعد هنيئاً مريئاً، ولو كانا ينتصبان انتصاب المصادر المراد بها الدعاء لما جاز ذلك فيها، تقول: سقياً لك ورعيا، والدليل على جواز رفع الأسماء الظاهرة بعدهما قول الشاعر:
هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامرٍ ... لعزة من أعراضنا ما استحلت.
فـ (ما) مرفوع بما تقدم من هنيئاً أو مريئاً على طريق الإعمال، وجاز الإعمال في هذه المسألة وإن لم يكن بينهما رابط عطف لكون مريئاً لا يستعمل إلا تابعاً لـ هنيئاً فصار كأنهما مرتبطان لذلك. اهـ
وقال الحلبي: في عبارة سيبويه ما يرشد لما قاله الزمخشري فإنه قال: هنيئاً مريئاً صفتان

(3/127)


نصبهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره المختزل لدلالة الكلام عليه؛ كأنهم قالوا: ثبت ذلك هنيئاً مريئاً.
فأول العبارة تساعد الزمخشري، وآخرها -وهو تقديره بقوله كأنهم قالوا: ثبت ذلك هنيئاً- يعكر عليه. اهـ
وقال السفاقسي: لا يتم الاستدلال عليه بالبيت لجواز أن تكون (ما) مرفوعة بالابتداء، أو أخر الخبر، أو مرفوعة بفعل مقدر. اهـ
قوله: (أو وصف بهما المصدر، أو جعلتا حالاً من الضمير).
قال السفاقسي: كلاهما فاسد لأنَّ مذهب سيبويه والجماعة أنه حال قائمة مقام فعل محذوف، فهي من جملة أخرى لا تعلق لها بـ (كلوه) من حيث الإعراب. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: وصف المصدر بهما على الإسناد المجازي، إذ الهنيء حقيقة هو المأكول. اهـ
قوله: (روي أن ناساً تأثموا ... ) إلى آخره.
وفي الصحاح: تأثم: خرج عن الإثم وكف.
كتحرج خرج من الحرج.
قوله: (وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: أضاف الأموال إلى اليتامى في قوله (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) ولم يضفه إليهم هنا مع أن الأموال في الصورتين لهم ليؤذن بترتب الحكم على الوصف فيهما، فإن تسميتهم يتامى هناك يناسب قطع الطمع فيفيد المبالغة في رد الأموال إليهم فاقتضى ذلك أن يقال (أموالهم)، وأما الوصف هنا فهو السفاهة فناسب أن لا يختصوا بشيء من المالكية لئلا يتورطوا في الأموال فلذلك لم يضف أموالهم إليهم فأضافها إلى الأولياء. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: لأنَّها لم يقصد بها الخصوصية الشخصية بل الجنسية التي في معنى ما تقام به المعايش وتميل إليه القلوب ويدخر لأوقات الاحتياج؛ وهو بهذا المعنى لا يختص

(3/128)


بالسفهاء كما قال (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) قصد إلى جنس النفوس دون خصوصيات أنفس المخاطبين، وقال (فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ) قصد إلى جنس الإيمان وجنس الإماء إذ المعنى على الأمر بنكاحهم مملوكاتهم. اهـ
قوله: (اجعلوها مكاناً لرزقهم ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: جعل الأموال نفسها ظروفاً للرزق، فيلزم أن يكون الإنفاق من الربح لا من المال الذي هو الظرف، ولو قيل (منها) كان الإنفاق من المال. اهـ
قوله: (لقوله عليه الصلاة والسَّلام: إذا استكمل المولود خمسة عشر سنة كتب ما له وما عليه وأقيمت عليه الحدود).
أخرجه البيهقي في الخلافيات من حديث أنس وقال: إسناده ضعيف.
قوله: (وعنه عليه الصلاة والسلام أن رجلاً قال له: إن في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟ قال: بالمعروف غير متأثل مالآ ولا واق مالك بماله.)
أخرجه الثعلبي من حديث ابن عباس بلفظه، وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه.
والتأثل: اتخاذ المال أثلة أي أصلاً.
قوله: (أو على الاختصاص)
أنكره أبو حيان فإن شرطه أن لا يكون نكرة.

(3/129)


قوله: (روي أنَّ أوس بن الصامت الأنصاري خلف زوجته أم كُحَّة وثلاث بنات ... ).
الحديث أخرجه أبو الشيخ ابن حيان في تفسيره عن ابن عباس بطوله لكن سماه أوس بن ثابت وقال: ترك ابنتين وابناً صغيراً. وسمى ابني عمه خالداً وعرفطة، وقال في آخره: فأعطى المرأة الثمن وقسم ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين، وليس فيه مسجد الفضيخ.
وقال الشيخ سعد الدين: في الكتب المعتبرة والروايات الصحيحة أوس بن ثابت وهو أخو حسان بن ثابت استشهد بأُحد. اهـ
وفي ذلك نظر لأنه لو كان أخا حسان لم يكن لابني العم مع الأخ سبيل، وفي الإصابة للحافظ ابن حجر: ذكر ابن مندة أن أوس بن ثابت هذا أخو حسان وهو خطأ لأن أوساً ليس له أحد من إخوته ولا من أعمامه من يسمى عرفطة ولا خالداً. اهـ
وفي الاستيعاب لابن عبد البر ذكر أوس بن ثابت أخا حسان وأنه قتل يوم أحد، وذكر أوس بن الصامت بن أصرم بن فهر بن ثعلبة الأنصاري شهد بدراً والمشاهد كلها وبقي إلى زمن عثمان وهو الذي ظاهر من امرأته، ولم يذكر في الصحابة أحد يسمى أوس بن الصامت غيره، وذكر ممن توفي في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - أوس بن الأرقم واستشهد يوم أحد، وأوس بن حبيب الأنصاري قتل بخيبر شهيداً، وأوس بن عائذ قتل يوم خيبر، وأوس بن الفاكه الأنصاري من الأوس قتل يوم أحد شهيداً.
زاد صاحب أسد الغابة: أوس بن عباد استشهد يوم خيبر، وأوس بن معاذ بن أوس الأنصاري استشهد يوم بئر معونة، وأوس بن المنذر النجاري استشهد يوم أحد.
وزاد الذهبي في التجريد: أوس بن قتاده استشهد يوم خيبر.
فلعل النازل فيه الآية أحد هؤلاء، ثم قال الحافظ ابن حجر: وقد رواه مقاتل في تفسيره فقال: إنَّ أوس بن مالك توفي يوم أحد وترك امرأته أم كُحَّة وبنتين وذكر القصة.
وقال في موضع آخر من الإصابهّ: اختلف في اسم الميت فقيل: أوس بن ثابت، وقيل أوس بن مالك، وقيل: ثابت بن قيس، وأما المرأة فلم يختلف في أنها أم كُحَّة بضم

(3/130)


الكاف وتشديد الحاء المهملة إلا ما حكى أبو موسى المديني عن المستغفري أنه قال فيها: أم كحلة بسكون المهملة بعدها لام، وإلا ما روي عن ابن جريج أنها بنت كحة، فيحتمل أن تكون كنيتها وافقت اسم أبيها، وأما ابنتها ففي رواية ابن جريج أنها أم كلثوم. اهـ
قال الشيخ سعد الدين: ورُوى بالزاي: جمع وقبض، ومسجد الفضيخ بالضاد والخاء المعجمتين لعله المسجد الذي كان يسكنه أصحاب الصفة لأنهم كانوا يرضخون النوى، والرضخ والفضخ من واد واحد، ولا يوجد في كتب اللغة من الفضخ سوى أنه نبيذ يتخذ من البر المفضوخ من فضخ البطيخة: شدخها، فقيل صار اسماً لموضع بالمدينة كانوا يفضخون فيه البسر. اهـ
قوله: (على معنى: وَلْيَخْشَ الذين حالهم وصفتهم أنهم لو شارفوا أن يخلفوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم الضياع).
قال الطَّيبي: يعني في إيقاع (لو) مع جوابه وهو (خَافُوا) صلة للموصول مزيد تقرير للخشية، كأنه قيل: وليخش الذي حقه الخشية، والأصل: وليخش الوصي أو من حضر المريض أو الوارث؛ فعدل إلى المذكور ليتصور تلك الحالة الصعبة ويستحضرها في نفسه فيرتدع. اهـ
وقال ابن المنير: إنما أوجب إضمار شارفوا قوله (خَافُوا عَلَيهم)، والخوف يكون قبل تركهم إياهم وإلا فكان يلزم تقدم الجواب على الشرط وهو كقوله (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ) أي شارفنه، وفائدته: التخويف بالحالة التي لا مطمع معها في الحياة ولا الذب عن الذرية الضعاف. اهـ
قوله: (ظالمين أو على وجه الظلم).
قال الطَّيبي: أي هو حال أو تمييز. اهـ
وقال أبو البقاء: (ظلماً) مفعول له، أو مصدر في موضع الحال. اهـ

(3/131)


قوله: ((في بطونهم) ملء بطونهم).
قال الطَّيبي: أي وضع هذا مكان ذاك وفائدته المبالغة كأنه جعل بطونهم مكان النار ومستقرها، والدليل على أن المراد ملء بطونهم قوله: في بطنه وفي بعض بطنه. اهـ
قوله: (وعن أبي برزة أنه عليه الصلاة والسلام قال: يبعث اللهُ قوماً من قبورهم تأجج أفواههم ناراً).
الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده وابن أبي حاتم في تفسيره وابن حبان في صحيحه.
قوله: (يُوصِيكُمُ اللهُ) يأمركم ويعهد إليكم).
قال الراغب: الوصية: التقدم إلى الغير بما يعمل فيه مقترناً بوعظ، من قولهم أرض واصية متصلة النبات.
قوله: (وهو إجمال تفصيله (لِلذَّكَرِ ... ) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: يعني أنَّ الجملة في موقع التفصيل والبيان لا مفعول (يُوصِيكُمُ) باعتبار كونه في معنى القول أو الفرض أو الشرع. اهـ
قوله: (والمعنى: لِلذَّكَرِ منهم).
قال الشيخ سعد الدين: ليحصل الارتباط ويصح البيان. اهـ
قوله ((فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) خبر ثان).
قال أبو حيان: هذا مردود؛ للاحتياج إلى هذه الصفة، لأنَّ الخبر لابد أن يستقل به فائدة الإسناد ولو اقتصر على قوله (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) لم يفد شيئاً لأنه معلوم. اهـ
وقال السفاقسي: جعله خبراً على معنى: فإن كانت البنات أو المولودات نساءً خلصاً ليس معهن رجل وهو مقيد. اهـ
قوله: (بدل منه بتكرير العامل).

(3/132)


قال ابن المنير: في إعرابه بدلاً نظر؛ إذ يكون من بدل الشىء من الشيء وهما لعين واحدة فيصير الكلام: والسدس لأبويه لكل واحد منهما، ومقتضى الاقتصار على المبدل منه اشتراكهما في السدس، ومقتضى البدل إفراد كل واحد منهما بالسدس وهو تناقض لأن فائدة البدل توكيد مجموع الاسمين خاصة إذا تعذر البدل قدرنا مبتدأ محذوفاً تقديره: ولأبويه الثلث ثم فصله بقوله (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ)، ودل التفصيل على المبتدأ المحذوف، ويستقيم هذا على جعله من بدل التقسيم كقولك: الدار لثلاثة لزيد ثلثها ولعمرو ثلثها ولبكر ثلثها، ولا يستقيم ذلك على الأول. اهـ
قال أبو حيان: قال أبو البقاء: (السُّدُسُ) رفع بالابتداء، و (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) الخبر، و (لِكُلِّ) بدل من الأبوين، و (مِنْهُمَا) نعت لـ (وَاحِدٍ).
قال أبو حيان: وهذا البدل هو بدل بعض من كل ولذلك أتى بالضمير، ولا يتوهم أنه بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة لجواز أبواك يصنعان كذا، وامتناع: أبواك كل واحد منهما يصنعان، بل تقول: يصنع كذا.
قال: وفي قول الزمخشري: و (السُّدُسُ) مبتدأ وخبره (وَلِأَبَوَيْهِ) نظر، لأن البدل هو الذي يكون الخبر له دون المبدل منه كما مثلنا في قولك: أبواك كل واحد منهما يصنع كذا إذا أعربنا كلاً بدلاً وكما تقول: إن زيداً عينه حسنة، فكذلك ينبغي أن يكون إذا وقع البدل خبراً فلا يكون المبدل منه هو الخبر، واستغني عن جعل المبدل منه خبراً بالبدل كما استغني عن الإخبار عن اسم إن وهو المبدل منه بالإخبار عن البدل. اهـ
قال الحلبي: في هذه المناقشة نظر، لأنه إذا قيل لك: ما محل (وَلِأَبَوَيْهِ) من الإعراب، تضطر إلى أن تقول: في محل رفع خبراً مقدماً، ولكنه نقلَ نسبة الخبرية إلى (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) دون (وَلِأَبَوَيْهِ). اهـ
وقال الشيخ سعد الدين في تقرير قوله والسدس مبتدأ: يعني لا حاجة إلى أن يجعل (وَلِأَبَوَيْهِ) خبر مبتدأ محذوف، أي: لأبويه الثلث؛ ثم بين قسمة الثلث عليهما بقوله (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) دفعاً لوهم أن يكون للأب ضعف ما للأم، وذلك أن الحكم المعلق بالشيء أو المجموع قد يقصد تعلقه بالمجموع وقد يقصد تعلقه بكل فرد، فبين بالبدل أنَّ القصد إلى الثاني وبهذا يندفع ما يقال إنَّ البدل ينبغي أن يكون بحيث لو أسقط استقام الكلام معنى، وها هنا لو قيل: لأبويه السدس؛ لم يستقم. اهـ

(3/133)


قوله: ((وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ) فحسب).
قال الشيخ سعد الدين في هذا: بقرينة المقام وسياق الكلام لا بدلالة اللفظ. اهـ
قوله: (وإنما قل بأو التي للإباحة ... ).
قال الطَّيبي: كذا عن الزجاج قيل: وفيه نظر لأنه مخالف لما في المفصل: (أو) في الخبر للشك، وفي الأمر للتخيير والإباحة، وجوابه أن الخبر هنا في معنى الأمر لما سبق أن معنى (يُوصِيكُمُ اللهُ): يعهد إليكم ويأمركم في أولادكم في شأن ميراثهم. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: المراد بالإباحة هنا التسوية وعدم اختلاط الحكم سواء كان ذلك في الأمر أو في غيره، فلا حاجة إلى ما يقال إن الخبر هاهنا بمعنى الأمر. اهـ
قوله: (روي أن أحد المتوالدين إذا كان أرفع درجة من الآخر سأل أن يرفع إليه فيرتفع إليه بشفاعته).
أخرجه الطبراني في الكبير وابن مردويه في تفسيره عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا
دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك، فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به.
قوله: (فهو اعتراض).
قال الحلبي: يعني بالاعتراض أنَّها واقعة بين قصة المواريث إلا أن هذا الاعتراض غير مراد النحويين لأنهم لا يعنون بالاعتراض في اصطلاحهم إلا ما كان بين شيئين متلازمين كالاعتراض بين المبتدأ وخبره والشرط وجزائه والقسم وجوابه والصلة وموصولها. اهـ
قوله: (مصدر مؤكد).
قال الشيخ سعد الدين: أي لمضمون الجملة السابقة، لأن معنى (يُوصِيكُمُ اللهُ): يفرض لكم. اهـ
وقال مكي وغيره: هي حال مؤكدة، لأن (فَرِيضَةً) ليست مصدر. اهـ
قوله: (أي يورث منه).

(3/134)


قال الطَّيبي: يعني هو من الثلاثي لا من المزيد. اهـ
قوله: (و (كَلالَةً) حال -إلى قوله- أو مفعول).
قال الطَّيبي: فإن قلت لم يجز على هذا أن يكون (يُورَث) صفة (رجل) و (كَلالَةً) خبر (كَانَ) كالأول؟ قلت: لا يجوز لأنَّ التركيب حينئذ مشابه لباب التنازع لأنَّ (كَانَ) الناقصة تستدعي خبراً و (مفعولاً به، ولما كانت الكلالة أقرب إلى (يُورث) فالأصح إعماله فيه فلا يبقى لـ (كَانَ) خبر، ولا يصح أن يقدر (كَلالَةً) مثل المذكور لأن (كَلالَةً) إذا كانت مفعولاً به فالرجل حينئذ من ليس بوالد ولا ولد، وإذا كانت خبراً لـ (كَانَ) فالرجل من لم يخلف ولداً ولا والداً فهذا خلف، فعلم أن (كَانَ) إذا كانت تامة جاز ذلك، وبه قال أبو البقاء: (كَانَ) هي التامة، و (رجل) فاعلها صفة له، و (كَلالَةً) حال من الضمير في (يُورَث)، والكلالة على هذا اسم للميت الذي لم يترك ولداً ولا والداً. اهـ
قوله: (قرئ (يُورِثُ) على البناء للفاعل).
قال الطَّيبي: أي يورث رجل الوارث المال، فحذف المفعولين، إلا أن يقال الكلالة مفعول (يورث). اهـ
قوله: (قال الأعشى: فآليت لا أرثى لها من كلالة)
هو من قصيدة يمدح بها النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد الوفادة عليه فصدته قريش عن ذلك وأخبروه أنه يحرم الخمر، وأولها:
ألَمْ تَغتَمِضْ عَيناكَ لَيلَة َ أرْمَدَا ... وبت كما بات السليم مسهدا
وَمَا ذاكَ مِنْ عِشْقِ النّسَاءِ وَإنّمَا ... تَناسَيتَ قَبلَ اليَوْمِ خُلّة َ مَهدَدَا
وَلكِنْ أرى الدّهرَ الذي هوَ خاتِرٌ ... إذا أصلحتْ كفايَ عادَ فأفسدا
شبابٌ وشيبٌ، وافتقارٌ وثروة ٌ ... فلله هذا الدّهرُ كيفَ ترددا
وما زلتُ أبغي المالَ مدْ أنا يافعٌ ... وليداً وكهلاً حينَ شبتُ وأمردا
وَأبْتَذِلُ لعِيسَ المَرَاقَيلَ تَغْتَلي ... مسافة َ ما بينَ النّجيرِ فصرخدا
فإنْ تسألي عني فيا ربّ سائلٍ ... حفيٍ عنِ الأعشى به حيثُ أصعدا
فإن تسألي عيني فيا رب سائل ... حفيٍ عن الأعشى به حيث أصعدا
فأمّا إذا ما أدلجتْ، فترى لها ... رقيبينِ جدياً لا يغيبُ وفرقدا
وفيها إذا ما هجرتْ عجرفيّة ٌ ... إذا خِلْتَ حِرْبَاءَ الظّهِيرَة ِ أصْيَدَا

(3/135)


أجدّتْ برجليها النجاء وراجعتْ ... يَدَاهَا خِنَافاً لَيّناً غَيرَ أحْرَدَا
فَآلَيْتُ لا أرْثي لهَا مِنْ كَلالَة ٍ ... ولا منْ حفى ً حتى تلاقي محمّدا
مَتى مَا تناخي عندَ بابِ ابنِ هاشِمٍ ... تريحي وتلقي منْ فواصلهِ يدا
نبيٌ يرى ما لا ترونَ، وذكرهُ ... أغَارَ لَعَمْرِي في البِلادِ وَأنجَدَا
قوله: (واستعيرت لقرابة ... ).
قال الطيبي: هذا يدل على أن المنقولات الاصطلاحية كلها استعارات، يدل عليها ما شرطوا من وجود العلاقة المناسبة وهي التشبيه، وفيه شرط آخر وهو الشهرة في المنقول إليه، ومن ثم لم يجعلوها من المجاز. اهـ
قوله: (وله) أي وللرجل، واتئفى بحكمه عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فيه).
قال الطَّيبي: ويمكن أن يقال إنَّ الضمير راجع إلى الرجل وإلى المرأة، ويكون حكم كل واحد من أخيه وأخته وأخيها أو أختها حكم كل واحد، لاستواء إدلائهما إلى الميت، ولا يبعد أن يجري على التغليب. اهـ
قوله: (قراءة أبي).
هو ابن كعب.
وقوله: (وسعد بن مالك).
هو ابن أبي وقاص.
قوله: (وهو حل من فاعل (يُوصَى)).
قال أبو حيان: هذا مردود؛ لأنه يودي إلى الفصل بين هذه الحالة وعاملها بأجنبي منهما، وذلك أن العامل فيها (يُوصَى) وقوله (أَوْ دَيْنٍ) أجنبي لأنه معطوف على (وَصِيَّةً) الموصوفة بالعامل في الحال.
قال: ولو كان على هذا الإعراب لكان التركيب: من بعد وصية يوصي بها غير مضار أو دين، وهذا الوجه مانع في كلتا القراءتين أعني بناء الفعل للفاعل أو المفعول، وتزيد عليه قراءة البناء للمفعول وجهاً آخر مانعاً وهو أن صاحب الحال غير مذكور لأنه فاعل في الأصل حذف وأقيم المفعول مقامه، ألا ترى أنك لو قلت: تُرسل الرياح مبشِّراً بها بكسر الشين: يعني يرسل الله الرياح مبشراً بها، فحذفت الفاعل وأقمت المفعول مقامه

(3/136)


وجئت بالحال من الفاعل لم يجز فكذلك هذا.
ثم خرجه على أحد وجهين:
إما بفعل يدل عليه ما قبله من المعنى؛ ويكون عاماً لمعنى ما يتسلط على المال بالوصية أو الدين؛ وتقديره: يلزم ذلك ماله أو يوجبه فيه غير مضار بورثته بذلك الإلزام أو الإيجاب.
وإما بفعل مبني للفاعل لدلالة المبني للمفعول عليه؛ أي: يوصي غير مضار، فيصير نظير قوله (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) على قراءة من فتح الباء. اهـ
قوله: (ويؤيده).
أي كون وصية منصوبة بـ (غَيْرَ مُضَارٍّ)، لأن قراءة (غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً) بالإضافة من إضافة العامل إلى المعمول وهي قراءة الحسن.
قال أبو البقاء: في هذه القراءة وجهان:
أحدهما: تقديره: غير مضار أهل وصية، أو ذوي وصية، فحذف المضاف.
والثاني: تقديره: غير مضار وقت وصية، فحذف وهو من إضافة الصفة إلى الزمان، ويقرب منه قولهم: هو فارس حرب أي فارس في الحرب، والتقدير: غير مضار الورثة في وقت الوصية. اهـ
قوله: (وليستا صفتين لـ جنات) و (نارا) وإلا لوجب إبراز الضمير .. ).
إذا لم يلبس وقد جوزه في هذه الزجاج والتبريزي.
قوله: (يستوفي أرواحهن الموت).
قال الطَّيبي: فهو استعارة تبعية أو مكنية: جعل الموت كالشخص المستوفي، والمتوفى كأخذ الرجل حقه على التخييلية. اهـ
قوله: (أو يتوفاهن ملائكة الموت).
قال الطَّيبي: فهو من الإسناد المجازي كقوله (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) أي:

(3/137)


أصحابها. اهـ
قوله: (وقيل: الأولى في المساحقات، وهذه في اللوطيين).
قال الإمام: هذا القول اختيار أبي مسلم الأصفهاني، واحتج بأن قوله (وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ) إشارة إلى النسوان وقد ذكر فيها (مِنْ نِسَائِكُمْ)، وقوله (وَاللَّذَانِ) إشارة إلى الرجال ومذكور فيها (مِنْكُمْ)، وعلى هذا التقدير لا يحتاج إلى النسخ. اهـ
قوله: (كالمحتوم على الله بمقتضى وعده).
قال الإمام: إنه سبحانه وتعالى وعد بقبول التوبة، فإذا وعد شيئاً لا بد أن ينجز وعده؛ لأن الخلف في وعده محال سبحانه. اهـ
قوله: (من تاب عليه إذا قبل توبته).
قال الشيخ سعد الدين: لا من تاب العبد بمعنى رجع إليه. اهـ
قوله: (ولذلك قيل: من عصى الله فهو جاهل).
أخرج ابن جرير عن أبي العالية أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة.
قوله: (وقوله عليه الصلاة والسلام: يقبل الله توبة العبد ما لم يغرغر)
أخرجه الترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه من حديث ابن عمر، وأخرجه ابن جرير من حديث أبي أيوب واسمه بشير بن كعب وهو تابعي فهو

(3/138)


مرسل، وهو الذي أورده في الكشاف.
قال الطَّيبي: غرغر المريض: إذا تردد روحه في حلقه. اهـ
قوله: (ومن للتبعيض).
زاد غيره أو لابتداء الغاية.
قوله: (سلطان الموت).
قال الشيخ سعد الدين: أي غلبته وظهور آثاره. اهـ
قوله: (كان الرجل إذا مات وله عصبة ألقى ثوبه على امرأته ... ) إلى آخره.
أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس.
قوله: (يقال: عضلت الدجاجة ببيضها).
أي تعسر خروجها، ومثله: عضلت المرأة بولدها، وداء عضال: صعب البرء.
قوله: (باهتين).
أي رامين إياهن بالبهتان، و (آثمين) تفسير قوله (وَإِثْمًا مُبِينًا) قاله الطَّيبي.
قوله: (والبهتان: الكذب الذي يبهت المكذوب عليه).
قال الزجاج: البهتان: الباطل الذي تتحير من بطلانه. اهـ
قوله: (أو ما أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمه الله).
أخرجه مسلم من حديث جابر بلفظ: اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن ... إلى آخره.
وروى ابن جرير من حديث ابن عمر: أيها الناس إن النساء عوان في أيدكم أخذتموهن ... إلى آخره.
والعوان: الأسرى جمع عانية.

(3/139)


قوله: (أو من اللفظ).
قال الشيخ سعد الدين: يعني أنه من قبيل تأكيد الشيء بما يشبه نقيضه. اهـ
قوله: (ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب)
هو للنابغة الذبياني.
قال الطَّيبي: فلول: جمع فل وهو كسر في حده، يعني إذا لم يكن العيب إلا الشجاعة -وهي من أخص أوصاف المدح- فإذاً لا عيب فيهم. اهـ
وأول القصيدة:
كليني لهمٍّ يا أميمة ناصبٍ ... وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلتُ ليس بمنقضٍ ... وليس الذي يرعى النجومَ بآيبِ
قوله: (عليه السلام: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة وابن عباس.
قوله: (لأن (من) إذا علقتها بالربائب كانت ابتدائية، فإن علقتها بالأمهات لم يجز ذلك بل وجب أن تكون بياناً لـ (نِسَائِكُمْ)).
قال الطَّيبي: (من) البيانية تقتضي اتحاد الأول بالثاني، والابتدائية إنشاء الأول من الثاني، فبينهما تناف. اهـ
قوله: (اللهم إلا إذا جعلتها للاتصال).
قال أبو حيان: لا نعلم أحداً ذهب إلى أن من معاني (من) الاتصال، والبيت مؤول. اهـ
قوله: (فإني لست منك ولست منى).
هذا للنابغة، وصدره: إذا حاولت في أسد فجوراً
قال الأعلم: يقول هذا لعيينة بن حصن الفزاري وكان قد دعاه وقومه إلى مقاطعة بني أسد ونقض حلفهم فأبى عليه، وأراد بالفجور: نقض الحلف.

(3/140)


قوله: (على معنى أنَّ أمهات النساء وبناتهن متصلات بهن).
قال أبو حيان: إذا جعلنا (مِنْ نِسَائِكُمُ) متعلقاً بالنساء والربائب كما زعم الزمخشري فلا بد من صلاحيته لكل من النساء والربائب، أما تركيبه مع الربائب ففي غاية الفصاحة والحسن وهو نظم الآية، وأما تركيبه مع قوله (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) فإنه يصير: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فهذا تركيب لا يمكن أن يقع في القرآن ولا في كلام فصيح لعدم الاحتياج في إفادة هذا المعنى إلى قوله (مِنْ نِسَائِكُمُ). اهـ
قوله: (لكن الرسول فرق بينهما فقال فى رجل تزوج امرأة ... ) الحديث.
أخرجه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بمعناه.
قوله: (رُوي عن علي).
أخرجه ابن أبي حاتم.
قوله: (قال عثمان وعلي: حرمتهما آية وأحلتهما آية).
أخرج قول عثمان مالك في الموطأ، وقول علي ابن مردويه في تفسيره.
قوله: (ولقوله عليه الصلاة والسلام: ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام)
قال الحافظ زين الدين العراقي في تخريج أحاديث منهاج الأصول: لا أصل لهذا الحديث. اهـ
وقال السبكي في كتاب الأشباه والنظائر: هو كما قال البيهقي: حديث رواه جابر الجعفي رجل ضعيف عن الشعبي عن ابن مسعود وهو منقطع غير أنَّها قاعدة صحيحة في نفسها.
قال الشيخ أبو محمد الجويني في السلسلة: لم يخرج عنها إلا ما ندر.
قال القاضي تاج الدين السبكي: وقد عورض الحديث المذكور بما رواه ابن ماجة

(3/141)


والدارقطني من حديث ابن عمر: لا يحرم الحرام الحلال، وليس بمعارض لأن المحكوم به في الأول إعطاء الحلال حكم الحرام تغليباً واحتياطاً لا صيرورته في نفسه حراماً. اهـ
وقال الشيخ بدر الدين الزركشي في كتابة (المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر): هذا الحديث لا يعرف مرفوعاً، ورواه عبد الرزاق في مصنفه موقوفاً عن سفيان الثوري عن جابر عن الشعبي قال: قال عبد الله: ما اجتمع حلال وحرام إلا غلب الحرام الحلال. اهـ
قال سفيان: ذلك في الرجل يفجر بامرأة وعنده ابنتها أو أمها فإنه يفارقها.
قوله: (أو منقطع معناه لكن ما سلف مغفور).
قال الطَّيبي: تحقيقه ما ذكره أبو البقاء أنَّ (ما) في (مَا قَد سَلَفَ) مصدرية، والاستثناء منقطع؛ لأنَّ النهي للمستقبل وما سلف ماض فلا يكون من جنسه، وهو في موضع نصب، ومعنى المنقطع: أن لا يكون داخلاً في الأول بل في حكم المستأنف ويقدر فيه (إِلا) بـ (لكن) أي: لا تجمعوا بين الأختين لكن ما سلف من ذلك فمعفو عنه، ونحوه قوله: ما مررت برجل إلا بامرأة، أي: لكن بامرأة، والغرض منه بيان معنى زائد، لأن قولك ما مررت برجلٍ صريحٌ في نفي المرور برجل ما غير متعرض لإثبات المرور بامرأة أو نفيه، فإذا قلت: إلا بامرأة؛ كان إثباتاً لمعنى مسكوت عنه غير معلوم بالكلام الأول نفيه ولا إثباته.
فإن قلت: لم فرق بين هذا الاستثناء حيث جعله منقطعاً وبين ما سبق حيث جعله من باب قوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... البيت؟
قلت: لاقتضاء المقام، والفرق بين نكاح الأمهات والجمع بين الأختين، واستدعاء كل من التعليلين أعني قوله (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً) وقوله (إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) ما يقتضيه من المعنى، فإن التعليل بالغفران والرحمة يستدعي كلاماً

(3/142)


متضمناً للذنب والخطأ، ولذلك قال: ما مضى مغفور بدليل قوله (إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا)، كأنه قيل: حرم عليكم الجمع بين الأختين لأنه خطأ وذنب ومن فعل ذلك يؤاخذ به لكن ما قد سلف فإنه مغفور غير مؤاخذ به لأن الله كان غفوراً رحيماً، والتعليل بالفاحشة والمقت وسوء السبيل يوجب تأويل الكلام السابق بما ينبئ عن المبالغة في القبح والفحش وأن المنهي عنه مما ينبغى أن لا يوجد أصلاً، وأنه مناف لحال المؤمنين وأصحاب المروءة وأرباب التمييز، وذلك لا يتم إلا بجعل التركيب من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح.
قال: وما قاله القاضي -يعني البيضاوي- هناك: (إِلاّ مَا قَدْ سَلَفَ) استثناء من المعنى اللازم للنهي وكأنه قيل: تستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف، أو استثناء منقطع ومعناه: لكن ما قد سلف فإنه لا مؤاخذة عليه؛ لا أنه مقرر وإن كان كلاماً حسناً لكن عن المرام بمنازل، وعن اقتضاء المقام بمراحل، والقول ما قالت حذام. اهـ
قوله: (لقول أبي سعيد: أصبنا سبياً يوم أوطاس ... ) الحديث.
أخرجه مسلم.
قوله: (وإياه عنى الفرزدق بقوله:
وذات خليل انكحتها رماحنا ... حلال لمن يبني بها لم تطلق).
قال الطَّيبي: روي أن الحسن سئل وعنده الفرزدق: ما تقول فيمن يقول: لا والله، بلى والله؟ فقال الفرزدق: أما سمعت قولي في ذلك؟
قال الحسن: ما قلت؟ فقال الفرزدق قلت:
فلست بمأخوذ بلغو تقوله ... إذا لم تعمد عاقدات العزائم
فقال الحسن: أحسنت.
[أثم قيل: ما تقول فيمن سبى امرأة ولها حليل؟
فقال الفرزدق: أما سمعت قولي وأنشد: وذات حليل ... البيت.

(3/143)


فقال الحسن: أحسنت كنت أراك أشعر فإذا أنت أشعر وأفقه.]
قوله: ((وأحل لكم) عطف على الفعل المضمر الذي نصب (كتاب الله)، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم البناء للمفعول عطفاً على (حُرِّمَتْ))
قال أبو حيان: فَرَّقَ في العطف بين القراءتين، وما اختاره من التفرقة غير مختار لأن انتصاب (كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ) إنما هو انتصاب المصدر المؤكد لمضمون الجملة السابقة من قوله (حُرِّمَتْ) والعامل فيه وهو كتب إنما هو تأكيد لقوله (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ) ولم يأت بهذه الجملة على سبيل التأكيد فإنما يناسب أن تعطف على جملة مؤمسسة مثلها لا سيما والجملتان متقابلتان إحداهما للتحريم والأخرى للتحليل فناسب أن يعطف هذه على هذه، وقد أجاز الزمخشري ذلك في قراءة من قرأ (وَأُحِلَّ) مبنياً للمفعول، فكذلك يجوز مبنياً للفاعل. اهـ
قال الحلبي: في هذا الرد نظر. اهـ
قوله: (مفعول له، والمعنى: أحل لكم ما وراء ذلكم إرادة أن تبتغوا ... ) إلى آخره.
تبع في ذلك الزمخشري، وقد قال أبو حيان: إن فيه تحميل لفظ القرآن ما لا يدل عليه، وتفسير الواضح الجلي باللفظ المعقد، ودس مذهب الاعتزال في غضون ذلك دساً خفياً إذ جعل قوله (أَنْ تَبْتَغُوا) على حذف مضافين أي: إرادة كون ابتغائكم بأموالكم، وفسر الأموال بعد بالمهور وما يخرج في المناكح فتضمن اختصاص إرادته بالحلال الذي هو النكاح دون السفاح، وظاهر الآية غير هذا الذي فهمه الزمخشري إذ الظاهر أنه تعالى أحل لنا ابتغاء ما سوى المحرمات السابق ذكرها بأموالنا حالة الإحصان لاحالة السفاح، وعلى هذا الظاهر لا يجوز أن يعرب (أَنْ تَبْتَغُوا) مفعولاً له كما قال الزمخشري لأنه فات شرط من شروط المفعول له وهو اتحاد العامل في الفاعل والمفعول، لأن الفاعل في قوله تعالى (وَأُحِلَّ) هو الله، والفاعل في (أَنْ تَبْتَغُوا) هو ضمير المخاطبين فقد اختلفا، ولما أحس الزمخشري بهذا جعل (أَنْ تَبْتَغُوا) على حذف إرادة حتى يتحد الفاعل في قوله (وَأُحِلَّ) وفي المفعول له، ولم يجعل (أَنْ تَبْتَغُوا) مفعولاً له إلا على حذف مضاف وإقامته مقامه، وهذا كله خروج عن الظاهر بغير داع إلى ذلك. اهـ
قوله: (أو صفة مصدر محذوف، أي: إيتاءً مفروضاً، أو مصدر مؤكد).

(3/144)


قال الطَّيبي: الفرق بين هذا والأول أن هذا منصوب بفعل مقدر بمعناه؛ والأول منصوب بفعل مذكور من غير لفظه. اهـ
قوله: (وقيل نزلت الآية في المتعة ... ) إلى آخره.
أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس.
قوله: (روي أنه عليه الصلاة والسلام أباحها ثم أصبح يقول: يا أيها الناس إنى كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء إلا أن الله حرَّم ذلك إلى يوم القيامة.)
أخرجه مسلم من حديث سبرة الجهني بلفظ: إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع.
قوله: (وجوزها ابن عباس ثم رجع عنه).
أخرجه ابن المنذر في تفسيره والبيهقي في سننه من طريق سعيد بن جبير: قال: قلت لابن عباس ماذا صنعت ذهبت الركاب بفُتياك وقالت فيه الشعر؟ قال: وما قالوا؟ قلت: قالوا:
أقول للشيخ لما طال مجلسه ... يا صاح هل لك في فُتيا ابن عباس
هل لك في رخصة الأطراف آنسة ... تكون مثواك حتى يصدر الناس
فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لا والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللتها إلا للمضطر.
وفي لفظ: ولا أحللت منها إلا ما أَحلَّ الله من الميتة والدم ولحم الخنزير.
قوله: (أنتم وأرقاؤكم متناسبون).
قال الطَّيبي: يريد أنَّ (من) في قوله (من بعض) للاتصال. اهـ
قوله: (قال عليه الصلاة والسلام: الحرائر صلاح البيت والإماء هلاكه).
أخرجه الثعلبي والديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة.

(3/145)


قال الطَّيبي: وأنشدوا:
ومن لم يكن في بيته قهرمانةٌ ... فذلك بيتٌ لا أبا لك ضائعُ. اهـ
وأنشد غيره:
إذا لم يكن في منزل المرءِ حرةٌ ... تدبره ضاعت مصالح داره.
قوله: (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ما تعبدكم به من الحلال والحرام، أو ما خفي عنكم من مصالحكم ومحاسن أعمالكم).
قال الطَّيبي: فيه إشعار بتلفيق الآيات اللاحقة بالسابقة، فإنَّ السوابق كانت في بيان النساء والمناكحات، واللواحق في بيان الأموال والتجارات وهي قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ)، فهذه الآيات التي توسطت بينهما كالتخلص من باب إلى باب لجامع التبيين. اهـ
قوله: (و (لِيُبَيِّنَ) مفعول (يريد)، واللام مزيدة لتأكيد معنى الاستقبال ... )
قال أبو حيان: هذا خارج عن مذهب البصريين والكوفيين معاً، لأن البصريين يجعلون مفعول (يريد) محذوفاً واللام للعلة، أي: يريد الله تحليل ما حلل وتحريم ما حرم وتشريع ما شرع لأجل التبيين، فمتعلق الإرادة غير التبيين حذراً من تعدي الفعل المتعدي إلى مفعول متأخر بواسطة اللام، ومن إضمار (أن) بعد لام ليست لام (كي) ولا لام الجحود، وكلاهما لا يجوز عندهم، والكوفيون يجعلون متعلق الإرادة التبيين لكن اللام عندهم هي الناصبة بنفسها لا (أن) مضمرة بعدها. اهـ
وفي حاشية الشيخ سعد الدين: التصريح بأن اللام زائدة تصريح بأن المذكور بعدها مفعول به فلا يرد ما يقال: إن أراد متعدٍ؛ فلا بد له من مفعول به، وأما حمله على حذف المفعول وجعل اللام للتعليل فليس بسديد من جهة المعنى. اهـ
وفي حاشية الطَّيبي: قال صاحب الفرايد: قيل: لا يبعد أن يكون مفعول (يريد) محذوفاً للعلم به، كأنه قيل: يريد إيراد هذه الأحكام ليبين لكم، وكذا في قوله تعالى (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ) أي يريدون كيدهم وعنادهم ليطفئوا، وقال: هذا الوجه أقرب إلى التحقيق لأنه فعل متعد لا بد له من مفعول.

(3/146)


وقال ابن الحاجب في شرح المفصل: يجوز لزيد ضربت، وامتنع ضربت لزيد، لأن المقتضي إذا تقدم كان أقوى منه إذا تأخر، والجواب: إن المقام إذا اقتضى التأكيد لا بد من المصير إليه، وإذا كان المعنى على ما قال: يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم وأن يهديكم مناهج من تقدمكم ... إلى آخره، فخلو الكلام عن التأكيد بعيد عن قضاء حق البلاغة.
قال الزجاج: اللام في (ليبين لكم) كاللام في لكي في قوله:
[أردت لكيما لا ترى لي عثرة ... ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل.
وقال صاحب اللباب: إن اللام في: شكرت لزيد تكملة للفعل في نحو: مررت بزيد. وقال الشارح: إن معنى المرور وهو المجاوزة يقتضي متعلقاً والباء تكميل لذلك المعنى بخلاف التعدية نحو: خرجت بزيد فإن معنى الخروج لا يقتضي متعلقاً بل حصل اقتضاؤه المتعلق بحرف الجر فتلك هي التعدية. اهـ
وفي إعراب السفاقسي: جوز الزمخشري أن يكون من باب الإعمال؛ فيكون مفعول (لِيُبَيِّنَ) ضميراً محذوفاً يفسره مفعول (وَيهْدِيَكُمْ)؛ نحو: ضربت وأهنت زيداً، أي: ليبينها لكم، أي: سنن الذين من قبلكم.
قال السفاقسي: جعله من باب الإعمال حسن، وأما تقديره مفعول أول ضمير ففيه نظر، لأنهم أوجبوا حذفه إذا كان فضلة مستغنى عنه، ولم يجوزوا إضماره لما يلزم عليه من الإضمار قبل الذكر، فالأولى أن يقال: ومفعول الأول محذوف إلا أن يقال: إنما يمتنع إضماره مع التلفظ به، وأما تقديره كذلك فلا. اهـ
وهذا الذي نقله عن الزمخشري ليس في الكشاف.
قوله: (كما في قول قيس بن سعد:]
أردت لكيما يعلم الناس أنه ... سراويل قيس والوفود شهود)
في الغريب لابن الدهان: ورد أن عظيم الروم بعث إلى معاوية بهدية مع رسولين

(3/147)


أحدهما جسيم والآخر أيد (1) ففطن لها معاوية فقال لعمرو بن العاص: أما الطويل فإني أجد مثله فمن الأيد؟ فقال: أجد القوة في شخصين محمد بن الحنفية، والآخر عبد الله بن الزبير.
فقال: بردت قلبي، ثم أرسل إلى قيس فعرفه الحال فحضر، فلما مثل بين يدي معاوية وعرف ما يراد منه نزع سراويله ورمى بها إلى العلج فلبسها فنالت ثندوته فأطرق مغلوباً، وليم قيس على تبذله وقيل: هلا بعثت بها؟ فقال:
أردت لكيما تعلم الناس أنَّها ... سراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عاديَّ نمته ثمود
وأني من القوم اليمانيين سيد ... وما الناس إلا سيد ومسود
وبذَّ جميع الخلق أصلي ومنصبي ... وجسم به أعلو الرجال مديد
وحضر محمد بن الحنفية وعلم ما يراد منه؛ فخير العلج بين أن يقعد ويقوم العلج ويعطيه يده فيقيمه أو يقعد العلج ويقوم محمد ويعطيه يده فيقعده، فاختار العلج الحالتين، وغلبه فيهما محمد فأقام العلج وأقعده.
أخرجه ابن عساكر في تأريخه من طرق.
قوله: (يرشدكم إلى ما يمنعكم عن المعاصي).
قال الطَّيبي: إشارة إلى قوله أن (يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) من وضع المسبب موضع السبب وذلك من عطف (وَيَتُوبَ) على قوله (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) على سبيل البيان كأنه قيل: ليبينْ لكم ويهديكم ويرشَدكم إلى الطاعات فوضع موضعه (ليَتُوبَ عَلَيكم). اهـ
قوله: ((والله يريد أن يتوب عليكم) كرره للتأكيد (والمقابلة)).
أي أنه قوبل بقوله (ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ... )
قال الطَّيبي: وإنما بنى (وَاللهُ يُرِيدُ) على تقوي الحكم وقدم الاسم وفي المقابل الفعل
_________
(1) الأيد: هو القوي. انظر: لسان العرب 1/ 386.

(3/148)


مقدم ليفرق بين الإرادتين إرادة الله وإرادة الزائغين. اهـ
قوله: (ورخص لكم في المضايق كإحلال نكاح الأمهّ).
قلت: هو مما خفف به في هذه الشريعة على هذه الأمة، ولم يبح ذلك في الشرائع السابقة.
أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر في التفسير عن مجاهد قال: مما وسع الله به على هذه الأُمَّة نكاح الأَمَة النصرانية واليهودية.
قوله: (وعن ابن عباس: ثمان آيات فى سورة النساء هن خير لهذه الأمة ... )
الحديث.
أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة وابن جرير في تفسيره.
قوله: ((إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً) استثناء منقطع).
قال الشيخ سعد الدين: إذ لم يسبق لفظاً أو تقديراً مفردٌ يصح وقوع التجارة استثناءً عنه. اهـ
وقال أبو البقاء: الاستثناء منقطع ليس من جنس الأول، وقيل: هو متصل أي: لا تأكلوا بسبب إلا أن تكون تجارة. وهذا ضعيف لأنه قال (بِالْبَاطِلِ) والتجارة ليست من جنس الباطل، وفي الكلام حذف مضاف أي: إلا في حال كونها تجارة. اهـ
قال الطَّيبي: قوله (إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) يدل بحسب المفهوم على أن عدم المراضاة منهي عنه، ومن ثم قدر: ولكن كون تجارة عن تراض غير منهي، فكأنه قيل: المنهي هو أن يكون التصرف بالباطل وعدم الرضى لكن غير المنهي هو أن يكون التصرف بالحق وحصول المرضاة. اهـ
قوله: (روي أنّ عمرو بن العاص تأوله في التيمم بخوف البرد ولم ينكره عليه النبى - صلى الله عليه وسلم -).
أخرجه أبو داود وابن حبان والحاكم وصححه.

(3/149)


قوله: (جمع في التوصية بين حفظ النفس والمال).
قال الطيبي: قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... ) إلى قوله (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) كالاعتراض بين حديث النساء ونكاحهن والقيام عليهن فيكون تأكيداً لمعنى التعليل في قوله (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) لما فيه من الإشعار بأن التمتع بالمال إنما يكون معتدًّا به إذا أنفق على العيال، ومن ثم ضم مع حفظ المال لأجل الإنفاق على العيال حفظ النفس من يد الإرادة التحريض على طلب الإحصان والاجتناب عن السفاح. اهـ
قوله: (معناه: إنه كان بكم يا أمة محمد رحيماً لما أمر بنى إسرائيل بقتل الأنفس ونهاكم عنه).
ذكر الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في فتاويه: أن من تحتم قتله بذنب من الذنوب لم يجز له أن يقتل نفسه، وستره على نفسه مع التوبة أولى به، وإن أراد تطهيراً بالقتل فليقر بذلك عند ولي الأمر ليقتله على الوجه الشرعي، فإن قتل نفسه لم يجز له ذلك، لكنه إن قتل نفسه قبل التوبة كان ذنبه صغيرة لافتياته على الإمام، ويلقى الله فاسقاً بالجريمة الموجبة للقتل، وإن قتل نفسه بعد التوبة فإن جعلت توبته مسقطة لقتله فقد لقي الله فاسقاً بقتله نفسه لأنه قتل نفساً معصومة، وإن قلت لا يسقط قتله بتوبته لقي الله عاصياً لافتياته على الأئمة، ولا يأثم بذلك إثم مرتكب الكبائر، لأنه فوت حياة يستحق الله تفويتها، وأزهق روحاً يستحق الرب إزهاقها، وكان الأصل يقتضي أن يجوز للآحاد الاستبداد به في النفس. اهـ
قوله: (وعن النبى - صلى الله عليه وسلم -: إنها سبع: الإشراك بالله ... ) الحديث.
أخرجه ابن مردويه من حديث ابن عمر وابن أبي حاتم.
قوله: (وعن ابن عباس: الكبائر إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع).
أخرجه ابن أبي حاتم.
قوله: (ولعل هذا مما يتفاوت باعتبار الأشخاص)
أوردوا هنا قول من قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وأنشدوا:
لا يحقر الرجل الرفيع دقيقة ... في السهو فيها للوضيع معاذر
فكبائر الرجل الصغير صغائر ... وصغائر الرجل الكبير كبائر

(3/150)


قوله: (قال عليه الصلاة والسلام: ليس الإيمان بالتمنى).
سيأتي.
قوله: (روي عن أم سلمة قالت يا رسول الله: يغزوا الرجال ولا نغزو ... ) الحديث.
أخرجه الترمذي والحاكم وصححه من حديثها.
قال الطَّيبي: لا بأس في أن يكون السبب خاصاً والحكم عاماً؛ إذ أكثر الأحكام واردة على هذا المنهج، فإن قلت: هذا تمنٍ محمود فكيف نهوا عنه؟ قلت: كان التمني أن يكتب عليهن الجهاد كما كتب على الرجال، وهذا التمني غير جائز لأنه تعالى كتب لكل من الرجال والنساء على حسب حاله واستعداده؛ ولذا استدركه بقوله (وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ) أي: اسألوا الله ما يليق بحالكم وما يصلحكم، ألا ترى كيفى ذيل بقوله (إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا). اهـ
قوله: (أي ولكل تركة جعلنا وارثاً ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: يعني المضاف إليه (وَلِكُلٍّ) محذوف وهو تركة، والمفعول الأول لـ (جَعَلْنَا) هو (مَوَالِيَ) والثاني (وَلِكُلٍّ)، و (مِمَّا تَرَكَ) متعلق بمحذوف وهو صفة (وَلِكُلٍّ)، المعنى: وجعلنا لكل مال تركه الوالدان وراثاً يحوزونه.
قال السجاوندي: وفيه ضعف للفصل بين الموصوف والصفة إذ يصير بمنزلة من يقول: لكل رجل جعلت درهماً فقير. اهـ
قوله: (أو: ولكل ميت جعلنا وارثاً ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: فعلى هذا (وَلِكُلٍّ) أحد مفعولي (جَعَلْنَا)، و (مَوَالِيَ) بمعنى الوارث، و (مِما تَرَكَ) صلته، المعنى: جعلنا لكل موروث وارثاً حائزاً لتركته، ثم قيل: من الوارث؟ فقيل: الوالدان والأقربون. اهـ
قوله: (أو لكل قوم ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: فعلى هذا لكل قوم خبر، والمبتدأ متعلق (مِمَّا تَرَكَ) وهو نصيب المقدر، و (جَعَلْنَا) صفة (وَلِكُلٍّ)، ومفعوله الأول محذوف وهو ضمير الموصوف،

(3/151)


و (مَوَالِيَ) ثاني مفعوليه، المعنى: لكل من جعلناه وارثاً نصيب من التركة. اهـ
قوله: (أو منصوب بمضمر يفسره ما بعده).
قال الشيخ سعد الدين: ينبغى أن يكون هذا هو المختار لئلا يقع الخبر جملة طلبية.
قال: وكأنه إنما لم يختره لأنَّ مثله قلما يقع في غير الاختصاص وهو غير مناسب هنا، وكذا الوجه الثالث وهو العطف على (الْوَالِدَانِ) لشهرة الوقف على (وَالْأَقْرَبُونَ) دون (أَيْمَانُكُمْ). اهـ
قوله: (أو معطوف على الوالدين -إلى قوله- والضمير للموالي).
قال الطَّيبي: فيدخل فيه (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ)، وعلىٍ هذا الوجه الفاء جزاء شرط مقدر و (من) صلة موالي، أي: جعلنا لكل موروث وارثاً حائز التركة.
فقيل: من هم؟ قيل: الوالدان والأقربون والعاقدون.
ثم قيل: وإذا كان كذلك فآتوهم نصيبهم. اهـ
قوله: (بمعنى عقدت عهودهم).
قال الطَّيبي: أي عهود الموالي، وهو مفعول (عَقَدَت)، وفاعله (أَيْمَانُكُمْ). اهـ
قوله: (روي أن سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار نشزت عليه